هل يمكن بناء لياقة بدنية بـ 10 دقائق فقط في اليوم؟

  • 1
  • 2٬128
  • منذ بضعة أعوام، تعرّفت على مبرمج رقمي في النادي الرياضي الذي اتمرّن فيه. اتضح فيما أن هذا الشخص يمتلك أغرب برنامج تدريبي صادفته في حياتي.

    كان هذا الصديق يواظب على النادي بشكل يومي. يحضر كل يوم عند الساعة الثانية عشر ظهراً تماماً ثم عند الساعة الثانية عشر و45 دقيقة، أراه يغادر من الباب بدقة محكمة مثيرة للإعجاب.

    سألته مرّة عن الأمر وأجاب أنه مصمّم على قضاء 45 دقيقة يومياً في النادي لأسباب صحية ورياضية.

    هذا أمر حسن، لكن من هوايات صديقنا المبرمج كانت الوقوف إلى جانب الآلة التي أتمرّن عليها والتحدّث عن يومياته، عن كل شيء يخطر على باله فعلاً. رغم أنني لا اتحدّث أبداً خلال التمرين، كان يكمل حديثه وينتقل من قصّة لأخرى فيما أنهي التمرين وأبدأ بآخر.

    حين يحبط من عدم تفاعلي معه، أراه يتفاعل مع هاتفه أو يحادث شخصاً آخر. المرات الوحيدة التي كان يتوقّف فيها عن سرد الأخبار أو التفاعل مع الهاتف كانت حين ينظر لساعته ويراها اقتربت من 12:45، موعد عودته إلى المكتب.

    طبعاً مرّت الأسابيع والأشهر وصديقنا المبرمج لا يزال كما هو، من دون تقدّم بدني أو خسارة تذكر للوزن الزائد، حتى جاء يوم لم نعد نراه فيه.

    قد يكون هذا المثال استثنائياً نوعاً ما كون الشخص كان يركّز بالكامل على مجموع الوقت الذي يقضيه في الصالة الرياضية بدلاً من التمرين، لكن حين ننظر حولنا في النادي سنلاحظ أنه هنالك عدد كبير من المتدربين يقضون وقتاً أطول في الراحة وعلى الهاتف من ممارسة التمارين نفسها.

    غالبية المدرّبين ومهووسي النادي الرياضي قد يجيبون بنفي قاطع على السؤال الذي طرحناه في العنوان، لكن الحقيقة هي أن 10 دقائق من التمرين الفعلي يمكنها أن تكون بنفس فعالية 45 دقيقة من التمارين المريحة وغير الجدّية في النادي.

     كيف يمكن أن يكون ذلك؟

    نوعية التمرين أهم من مدّته

    قبل أن نتوسّع أكثر في نوعية التمارين، لا بدّ من أن نشير إلى أن 10 دقائق من التمرين غير كافية لعكس تأثير ساعات طويلة من الجلوس وعدم الحركة أو لبناء جسم رياضي تنافسي. تلك الأمور تحتاج لوقت أطول من ذلك، لكنها بالتأكيد كافية لإنشاء أساس جيّد للياقة والصحة.

    ما العمل إذاً إن كان كلّ ما نملكه للتمرين هو 10 دقائق فقط في اليوم؟

    إيجاد ساعة للتمرين مع ما يعنيه ذلك من حاجتنا لساعة أخرى للتحضير والاستحمام والذهاب والعودة من النادي، ليس بمتناول الجميع.

    بعضنا لا يمتلكون رفاهية الوقت، وبعضنا لا يمتلكون رفاهية الوصول أو الاشتراك بالنادي الرياضي، والبعض طبعاً سيتجنّبون التمارين الرياضية كالوباء حتى ولو كانت مدّتها دقيقة واحدة.

    حتى أولئك منّا الذين يواظبون على النادي سيمرّون بفترات بحياتهم لا يستطيعون فيها تخصيص وقت كافٍ للتمرين، فما العمل في كلّ هذه الحالات؟

    الإجابة بسيطة جداً: أي تمرين، مهما كانت مدّته، أفضل من اللا-تمرين.

    إلى ذلك، يمكن بناء الحد الأدنى من الأساس البدني للياقة خلال عشر دقائق فقط: السرّ هو في نوعية التمرين.

    إحدى الاكتشافات الكبرى لي في رحلة اللياقة البدنية كان حين أشار مدرّبي إلى ضرورة انتباهي لوقت الراحة بين التدريبات. حين احتسبتها لأول مرّة، وجدت نفسي استرح ما بين دقيقة واثنتان بين كل تمرين وآخر.

    في تمرين الأوزان حيث كنت أقوم بـ 24 تمرين مختلف، هذا يعني أنني كنت أقضي نحو 40 دقيقة في حالة الراحة خلال ساعة من التمرين. أي أنني كنت أقضي غالبية التدريب في الراحة!

    فلننتبه أيضاً إلى مسألة أن الثلث المتبقي من التمرين الفعلي، غالباً ما نقوم خلاله بالتمارين المريحة نسبياً من دون أن نتحدّى أنفسنا حقاً.

    هذا الأسلوب بالتمرين هو في الواقع حالة الغالبية الساحقة من روّاد النوادي الرياضية، الذين يسألون أنفسهم شهراً بعد شهر عن أسباب عدم تقدّمهم باللياقة وفشلهم في تغيير جسمهم بالشكل المطلوب.

    بالتالي، يمكننا بسهولة أن نستنتج أن 10 دقائق من التمرين الحقيقي القاسي، المصمّم جيداً، بإمكانها أن توازي أوقات طويلة من التمرين العادي في النادي الرياضي.

    العلم خلف فعالية التمرينات القصيرة

    فلنقارن أولاً بين التمرين العادي والمشي – والأخير هو ممارسة شائعة كبديل عن الرياضة.

    فلنفكّر بالأرقام التالية: المشي لساعة كاملة يحرق نحو 220-300 سعرة حرارية. لا بأس بهذه النتيجة.

    التمرين بوتيرة مريحة في النادي يحرق نحو 400-500 سعرة تقريباً. أفضل بكثير.

    هذا يعني أنه إن كان بإمكانك الاختيار بين المشي أو الرياضة، عليك دائماً أن تختار الرياضة لأنه هنالك فارق بينهما بنحو 1500 سعرة حرارية إضافية كل أسبوع – أو ما يكاد يعادل يوم كامل من الطعام والنشاط (أو نحو 300-400 غرام من الوزن الزائد في الجسم).

    هنالك مشكلة أخرى في الاعتماد على المشي: المشي هو نشاط طبيعي للجسم لا يرفع من لياقة الجهاز التنفسي والدموي للجسد ولا يبني أي عضلات إضافية لدينا.

    بعبارة أخرى: بعد شهر من المشي، سيكون لدينا نفس نوع اللياقة البدنية التي كانت لدينا قبل شهر.

    في المقابل، شهر كامل من التدريب الرياضي يعني أننا سنمتلك عضلات إضافية وقدرة تنفسية أعلى ولياقة بدنية أفضل بشكل عام. هذا الأمر له نتائج على بقية حياتنا أيضاً لأنه يعني أننا نحرق سعرات حرارية أكثر من السابق خلال أوقات الراحة.

    إلى ذلك، هنالك معلومة قد تكون مفاجئة جداً لمعظم من يقرأها: السعرات الحرارية التي يحرقها المشي وتلك التي يحرقها التمرين الرياضي ليست متساوية أيضاً.

    المشي لا يتطلب طاقة عالية ولا يرفع معدّل دقّات القلب وبالتالي لا يحتاج جسدنا لاستخدام احتياطي الدهون لتوليد الطاقة، أي أن المشي يحرق دهون أقل بشكل عام مقارنة مع التمرين الرياضي حتى ولو كانت السعرات الحرارية متساوية.

    هنا نصل إلى الأساس العلمي الذي يظهر فعالية التمرين القصير. لا بدّ من أن نشير هنا إلى أننا حين نتحدّث عن التمرين القصير، نقصد نوعاً معيناً منه يعرف باسم التمرين المتواتر عالي الكثافة (High intensity interval training – HIIT)،  أو بعبارة أقل تقنية: التمرين القاسي المتقطّع.

    هنالك عمليّتان في الجسم تفسّران قدرة التمرينات القاسية المتقطعة على حرق سعرات حرارية ودهون أكثر.

    10 دقائق من التمرين الحقيقي القاسي، المصمّم جيداً، بإمكانها أن توازي ساعة من التمرين العادي في النادي الرياضي.

    العملية الأولى هي التوليد المأكسد لجيزئيات ATP لإمداد العضلات بالطاقة.

    العضلات في الجسم تستخدم جزيئيات اسمها ATP  كوقود للطاقة. هنالك ثلاث عمليات مختلفة في الجسم لتوليد هذه الجزيئيات. العملية الأولى تستخدم فوسفات الكرياتين والثانية تستخدم السكر المخزّن في العضلات، والثالثة (التوليد المأكسد) تستخدم الأوكسجين والدهون والنشويات المخزنة في الجسم.

    في كل نشاط جسدي تستخدم العضلات مزيجاً من الأنواع الثلاثة لمدّ نفسها بالطاقة لكن وحده النوع الثالث من الجزيئيات يفكك خلايا الدهون. إلزام العضلات على استخدام كمية أكبر من النوع الثالث يستوجب التمرين القاسي الذي يتحدّى القدرة العضلية والتنفسية للجسد. لهذا السبب لا ينفع المشي كثيراً لأنه لا يجبر العضلات على استخدام كمية كبيرة من هذه الجزيئيات.

    هنالك الكثير من الأبحاث التي أظهرت أن التمرين القاسي المتقطّع يستهلك كمية أكبر من التوليد المأكسد مقارنة مع التمرين العادي والمشي، وبالتالي يحرق دهون أكثر مقارنة مع تلك النشاطات.

    هنالك أبحاث أظهرت أيضاً أن التمرين القاسي المتقطع يحرق نفس كمية الدهون خلال ثلث مدّة التمرين الرياضي العادي.

    العملية الثانية التي تفسّر فعالية التمرينات القاسية القصيرة هي المعروفة باسم Excess post-exercise oxygen consumption (EPOC) (الاستهلاك الإضافي للأوكسيجين بعد التمرين) أو Afterburn Effect (حرق ما بعد التمرين).

    هذه العملية تعني أن الجسم يستخدم المزيد من الأوكسيجين بعد التمرين القاسي لكي يستعيد مستويات الأوكسيجين في الجسم إلى حالة ما قبل التمرين (الراحة)، وللتخلص من حمض اللاكتيك الزائد الناتج عن العمليات العضلية المنهكة، وترميم العضلات وإعادة تخزين الطاقة في الخلايا.

    بعبارة أخرى، سيستمرّ الجسد بحرق الدهون بمستوى عالي بعد نهاية التمرين لعدّة ساعات للقيام بهذه العملية، ما يضاعف إجمالي السعرات المحروقة من التمرين. هذه العملية ناتجة فقط عن التمرين القاسي، لا المشي ولا التمرين العادي، وكلما كان التمرين أكثر قساوة وقوّة كلما طالت مدّة الحرق الإضافي للسعرات لأن الجسم يحتاج لوقت أطول للقيام بتلك العملية (هنالك أبحاث أظهرت أن مستوى الحرق العالي قد يستمر لـ 36 ساعة بعد التمرين).

    بالعودة إلى الأرقام، 12 دقيقة من التمرين القاسي المتقطّع تحرق ما بين 144 و264 سعرة حرارية، لكن بسبب عملية حرق ما بعد التمرين، إجمالي السعرات الحرارية الإضافية المحروقة بسبب هذا التمرين ستكون ضعف ذلك على الأقل – أي 350 إلى 500 سعرة حرارية، أو ما يعادل ساعة من التمرين العادي.

    عند اتباع التمرين الصحيح، سيحرق الجسم المزيد من الدهون لمدّ العضلات بالطاقة وسيستمرّ بحرق السعرات الحرارية بمستوى عالي لعدّة ساعات من بعده، ما يرفع فعالية التمرين القصير بشكل كبير.

    كيف تبدأ بالتمرين القاسي المتقطّع؟

    الكلمة المفتاح لهذا التمرين هي: فجّر طاقتك.

    قم بالتمرين بكل ما لديك من قوّة وسرعة وحزم.

    إن كان لديك 10 دقائق فقط للتمرين، من الأفضل أن تعطي كل ما لديك خلالها.

    التمرين القاسي المتقطّع هو من أبسط التمارين ولا يحتاج لنادٍ رياضي أو معدات. كل ما تحتاجه هو الجاذبية، جسدك وإرادتك.

    كيف تقوم بهذا النوع من التدريب؟ أي تمرين يمكن أن ينطبق عليه هذا الوصف يطابق الشروط التالية:

    • قم بالتمرين بكل ما لديك من قوة وسرعة لعدد أو وقت معيّن.
    • استرح لـ 10 ثواني أو 45 ثانية على الأكثر بين تمرين وآخر (بحسب التمرين ومستوى لياقتك البدنية).
    • في نهاية التمرين، يجب أن يكون بالكاد بإمكانك الوقوف.

    يمكنك أن تصمّم تمرينك الخاص بحسب حاجاتك. أكثر التمارين شيوعاً هي:

    • الركض بأقصى سرعة (sprints)
    • تمرين الضغط
    • تمرين العقلة (pull-up bar)
    • تمارين السكوات واللانج (lunges)
    • تمارين القفز
    • تمارين المعدة
    • الضغط مع سكوات وقفز (burpee)
    • تمارين البلانك
    • ألخ…

    يمكنك التركيز على تمرين واحد منها. يمكنك مثلاً أن تقوم بالركض بأقصى سرعة لعشرون ثانية، ثم أن ترتاح لخمسة عشر ثانية، ثم تعيد الكرّة من جديد حتى تكمل 12 دقيقة من التمرين.

    يمكنك أيضاً المزج بين عدّة تمارين: الركض لعشرون ثانية، ثم الراحة، ثم تمرين الضغط ثم الراحة، ثم تمرين العقلة ثم الراحة، ثم إعادة الكرّة من جديد ابتداءً من الركض، وهكذا دواليك حتى إكمال الوقت.

    المهم هنا هو أن تقوم بالتمرين بكل قوتك لعدد معيّن من التكرارات أو الوقت، ثم ألا تتجاوز راحتك الـ 45 ثانية على الأكثر. يمكنك أيضاً تقليل أوقات الراحة مع الوقت حين يتحسّن مستوى لياقتك.

     إن كنت تبحث عن برنامج كامل لتمرين من هذا النوع، هذا الفيديو لنا بالتعاون مع أحد الأصدقاء يعطي تمريناً كاملاً لنفس المدة الزمنية.

    بالتوفيق!

    طوني صغبيني كاتب

    مجرّد مدوّن أعيش الحياة بكل ما فيها من مغامرات شيّقة، وما اكتبه هو ببساطة الأفكار والأشياء التي اكتشفها على الطريق وأشعر أنها تستحق المشاركة. أركّز على مواضيع التنمية الذاتية، البساطة في الحياة، والتواصل مع البرية لأنها من المجالات الرئيسية لإكمال عملية نموّنا لكامل إمكانياتنا.