بدلًا من مطاردة شغفك، لما لا تتبع ذاك الشيء المُزعج؟!

  • 0
  • 504
  • عندما كنت أعيش في ولاية كارولينا الشمالية، قضيت أنا وعائلتي الكثير من الوقت في القرى الجبلية التابعة لبلدتي بون وبلوينغ روك. لسبب ما، رأينا أعدادًا كبيرة -بنسب غير معقولة- من سيارات فولفو القديمة مع ملصقات تزيّن مصدّ الصدمات تقول “إذا لم يكن الفعل ممتعًا، فلماذا تمارسه؟” و “اتبع لذتك!” أنت تعرف هذا النوع من الملصقات.

    من ناحية، تعتبر مثل هذه الرسائل مفيدة لأنها تذكرنا بعدم فقدان “لذّة” الحياة. فرغم كل شيء، يسهل علينا الانشغال بما نعتقد أنه واجب علينا فعله وننسى أن نمارس بعضًا من نشاطاتنا المُحببة. لكن من ناحية أخرى، يبدو أن شيئًا ما في هذه الرسائل مصطنع!

    عندما يتعلق الأمر بالنصائح المهنية، تُشبه نصيحة “اتبع شغفك!” إلى حد ما “اتبع نعيمك!”
    ولا شكّ أن الشغف يبدو رائعًا عند اختيار المكان الذي تستثمر فيه وقتك وجهدك. بعد كل شيء، يقضي الشخص العادي أكثر من 90,000 ساعة من حياته وهو يعمل. بالضبط! هذا يمثل ثلث حياتك بالكامل. ولذا، سيكون من الرائع قضاء هذا الوقت في فعل شيء تحبه بالفعل.

    ولكن في نفس الوقت، ربما يكون “اتبع شغفك!” أقرب لمقولة بليغة منه لقاعدة حياتية. هذه النصيحة تحديدًا هي ما تترك الأشخاص محطمين إذا لم يجدوا وظيفة أحلامهم التي تتماشى مع مواهبهم وتملأهم بشعور سعادة متأصل، ناهيك عن أن الشغف يمكنه التلاشي بسرعة.

    بصفتي أستاذًا للسلوك التنظيمي في كلية لندن للأعمال، درست وكتبت عن الخيارات الوظيفية للأشخاص ونجاحهم الوظيفي على مدار 25 عامًا. وبدلاً من “اتبع شغفك” أو “اتبع نعيمك”، فإن نصيحتي المهنية هي: لاحق “بثورك”.

    تظهر (البثرة) عندما يتطفل شيء عليك -وحتى يزعجك قليلاً- لكنك تستمر في الانجذاب إليه. يعجبني في هذا التعبير أنه يتضمن شيئًا ما عن المثابرة والصراع خلال المهام على الرغم من أنها ليست دائمًا مصدرًا للسعادة. “لاحق بثورك” تجعلني أطرح على نفسي سؤالًا:

    “ما هو العمل الذي أجدني أعود إليه مرارًا وتكرارًا، حتى عندما لا أنجح على الفور، وعندما يبدو أن إحراز تقدم يستغرق وقتًا طويلاً، أو عندما أشعر بالإحباط؟”

    بالنسبة لي، إنها الكتابة

    أحيانًا أكتب مقالات أكاديمية واستقرائية أنشرها في مجلات علمية. وفي أحيان أخرى أكتب كتبًا عن علم الاجتماع. أحيانًا أكتب مقالات كالتي تقرؤها الآن. وهذا يزعجني قليلاً لأنني لا زلت سيئًا في الكتابة، ولا يزال يتوجب علي إعادة الكتابة والتحرير أكثر من مرة، وما زلت أتلقى الرفض في كثيرٍ من الأحيان.

    أعلم أنني بحاجة إلى المزيد من الممارسة، وبطريقة ما تبدو الأخيرة محبطة وجذابة -في آنٍ معًا- بالنسبة لي. تلفت الكتابة انتباهي، حتى عندما يكون لدي الكثير من الأشياء الأخرى لأفعلها. على ما أعتقد، جزء مني مُعجب بحقيقة أنه لا يزال هناك الكثير لأتعلمه عن هذا الموضوع.

    لذا، إذا كنت تبحث عن وظيفة أحلامك، فبدلاً من بحثك عن “الشغف” فحسب، فكر أيضًا في الأنشطة التي تعود إليها، على الرغم من حقيقة أن إنجازها أصعب من التي تجذبك فورًا أو تحبّها.

    يطرح (مارتن سيليجمان – Martin Seligman)، أحد آباء علم النفس الإيجابي، السؤال بهذه الطريقة:

    “ما الأنشطة التي كنت تستمتع بها كطفل ولا زلت ترغب في ممارستها اليوم؟”

    قد لا يكون شيئًا تحب القيام به أكثر من غيره، وقد لا يكون ممتعًا طوال الوقت، ولكن اسأل نفسك: هل هناك شيء لا بدّ أن أعمل بجد لإنجازه كما يجب، أو شيء أودّ ممارسته لأنه يعنيني بما فيه الكفاية، بغض النظر عن الوقت الذي تستغرقه الممارسة؟ هل هناك أمرٌ يجعلني أستيقظ مبكرًا قليلاً، أو أعمل لوقت متأخر (بعد أن ينام الآخرون)، لا لأن موعد تسليمه في اليوم التالي، وإنما لأنه من المهم -بالنسبة لي- إحراز بعض التقدم؟ ليس يوميًا، ولكن بشكل يُعول عليه؟

    أي الأنشطة لا تحتاج أبدًا لوضعها في (قائمة مهام)؟

    • ربما لاحظت حاجة البعض لتذكير أنفسهم بتحليل مقاييس منشوراتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بينما تنجذب أنت تلقائيًا نحو اكتشاف سرّ ما ينجح معك.
    • وقد تلاحظ أن البعض يخشى إعداد المحاضرات وإلقائها بينما تسهر على أبحاث تدعم بها محاضراتك. والتهيؤ أمام المرآة. هذا ما أتحدث عنه!
    • وبالمقابل، لاحظ أيضًا المهام التي يتعين عليك تذكير نفسك لإكمالها.

    بالنسبة لي، من الصعب عدم العمل على هذه المقالة، رغم أن الوقت متأخر بحيث تجد كل شخص آخر في المنزل نائمًا، بينما أحتاج إلى وضع تذكيرات للتحضير للاجتماعات الإدارية (ومع ذلك أنتظر حتى اللحظة الأخيرة).

    غالبًا ما تقدّم الأشياء -التي يبدو أنك تُنجزها دائمًا- لمحة عمّا سيُشبع حياتك على الصعيد المهني، هي ذاتها المهام التي لا يحتاج أحد لتكرار طلبها منك أبدًا، وفي النهاية، فهي أكثر إرضاءً من الأشياء التي ربما نحب القيام بها (لأنها فطرية وسهلة بالنسبة لنا).

    أخيرًا،

    أنت تطور ما يُدعى في الثقافة اليابانية “وابي سابي/wabi-sabi“: إيجاد الجمال في عدم الكمال.

    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~

    مُترجم باستمتاع كبير

    م. طارق الموصللي مدون

    أدعيّ أنني مشروع روائي. صدر ليّ/ سياحة إجبارية: حين يُصبح الوطن عبئًا على الجميع!