أربع سنوات في العمل عن بعد، ماذا علمتني؟

  • 4
  • 4٬248
  • العمل عن بعد

    أنا ما زلت أعمل عن بعد وسأبقى أعمل عن بعد حتى إشعار آخر…….

    قبل البداية بسرد تجربتي مع العمل عن بعد وذكر ما لها وما عليها، علي الاعتراف أني أدين للعمل عن بعد بالخروج من أسوأ فترات حياتي، والتعافي من داء العصر هذا: الاكتئاب. بالإضافة إلى أنها تجربة رائعة، ممتعة في كثير من الأحيان رغم سيئاتها، وفتحت لي عوالم جديدة ما كنت أعتقد أني سأحبها يوما.

    بالطبع، البداية كانت تطوعا في موقع يختص بالفيزياء وعلم والفلك، وما هي إلا شهور حتى حققت قفزة نوعية في هذا المجال، أصبحت عاشقة للفيزياء وأراها بعين مختلفة تمامًا، شهور قليلة قدمت لي ما لم تقدمه المدرسة والجامعة خلال سنوات طويلة. وبعد أشهر بدأت العمل “الحقيقي” إذ درجت العادة على اعتبار أن العمل الذي من ورائه عائد مادي هو “الحقيقي”.

    تنقلت بين مجالين أو ثلاثة واكتسبت خبرات لا بأس بها، والحقيقة أنا لست بمعرض ذكرها الآن، فأنا لا أعرض سيرة ذاتيةً! لكن لنعد إلى موضوعنا بعد هذه المقدمة الوجيزة ولنبدأ بالسلبيات…. أعتقد يبقى انتظار الجيد أفضل من السيء لي ولكم. فماذا وجدت من سيئات؟

    لا تحلم أن يكون وقتك ملكك

    أبدًا، منذ اللحظة الأولى التي تدور بها عجلة قطار حياتك على سكة العمل عن بعد، ضع هذه النقطة في اعتبارك، لم تعد أبدًا سيد يومك، ولم تعد تتحكم فيه؛ حتى لو قلت غير ذلك. عزيزي إنّ اسمه عملٌ عن بعد، توقع فيه أن يكون مديرك من النصف الآخر من الكرة الأرضية، ببساطة في الوقت الذي تنجز فيه مهامك اليومية سيكون نهاره قد بدأ للتو، وطبعا ساعة يده هي نقطة الصفر “غالبًا”. كذلك إن كنت تدير مجموعةً من العاملين، لن يختلف الوضع كثيرًا، توقع سيلًا من الرسائل الإلكترونية في الساعة الرابعة صباحًا، توقع أن ترى هاتفًا بعدد إشعارات مرعب… توقع كل هذا….. والمحصلة أن درجة التنظيم في نهارك ستنخفض إلى حدها الأدنى، والوقت المهدور في ذلك ليس قليلًا مطلقًا (هذه النقطة ستولد سلبيةً أخرى سأذكرها لاحقًا).

    وقت ضائع على شبكات التواصل الاجتماعي وصفحات الإنترنت

    إن كنت تعمل عن بعد فأنت تعمل عبر الإنترنت، لا بد أنك تفتح صفحةً واحدةً على الأقل لموقعٍ من مواقع التواصل الاجتماعي، سيلفت نظرك مهما حاولت بين الفينة والأخرى منشور هنا وتغريدة هناك… سيأخذك فيديو يوتيوب… بشكل أو بآخر ستهدر وقتًا في ذلك حتى لو كان قليلًا…. وعلى سيرة الوقت وبالعودة إلى النقطة السابقة، لن يُحسب هذا الوقت ولا الزمن الضائع نتيجة اختلاف التوقيت بين مكانٍ وآخر على أنه عملٌ (غالبًا).

    أجر مجحف (أحيانًا)

    هذه النقطة تستحق التوقف عندها، ولها عدة أسباب لعلّ أهمها كثرة العرض مقارنةً مع الطلب، فمن تجربتي أحيانا نطلب ثلاثة كتاب أو أربعة شهريا، أما صندوق الوارد عندي يتجاوز عدد الطلبات فيه المئات… نقطة أخرى أيضًا قد تساهم في ذلك هي نظرة أصحاب الأعمال إلى “العمل” ذاته والقائمين عليه، خاصة إن كانوا ممن يثمنون العمل من ناحية تسويقية بحتة بعيدًا عن مضمونه والجهد المبذول فيه تمامًا.. ولنضع نقطًا على حروف صحيحة سأضرب أمثلةً أعرفها جيدًا، فمثلًا توقع أن يتساوى أجر اختصاصي بمجالٍ معين يكتب مقاله من الألف للياء بطريقة رائعة من الناحية التحريرية والمحتوى، مع مقالٍ مُترجم أو حتى مكتوب من سلالة “كيف أجعل زوجي يحبني” وأخواتها… المؤلم بالموضوع أن الأخير سيعجب أحيانًا صاحب العمل أكثر من الأول، لأنه أكثر بحثًا على غوغل…..

    هذا المشهد حقيقي للعاملات عن بعد من الأمهات

    جانب جسدي ونفسي يُسقط من الحسبان

    أنت تجلس طوال النهار أمام شاشة الحاسوب، ألا يكفي ذلك لاستدعاء كل الكوارث المترتبة على ذلك! إن لم تنتبه إلى ذلك وتمارس الرياضة ستعاني آلامًا كثيرة، ستفقد التركيز أحيانًا. آه، نعم ستفقد شيئًا آخر: أعصابك، إن كنت في بلدٍ يعاني خدمة الإنترنت السيئة، سيكون وقت العمل وانقطاعات الإنترنت تحديًّا لأعصابك، أما الطامة الكبرى والحافة الجهنمية التي ستسير عليها أعصابك هي الأوقات التي يطلب مديرك محادثتك فيها عبر الإنترنت…. شعور لا يمكن وصفه بكلمات لكنه يعادل احتراق كيلو سمن عربي في جسم الإنسان.

    ستؤلمك العزلة

    ستجلس طويلًا أما شاشة هي منفذك إلى العالم الخارجي، وفجأة سيصبح المحيط بك غريبًا، سيشعرك بالضجر، ستتغير الكثير من عاداتك، ستميل إن كنت قارئًا إلى قراءات الـ PDF، ستشكل مجتمعًا صغيرًا يعنيك على هذه الشبكة……. لكن:

    في النهاية نحن لسنا بتات Bits على هذه الشبكة، نحن بشر مهما فعلنا ونغفل نقطة هامة دومًا، إن التكنولوجيا تتجاوزنا بمراحل كثيرة، ودومًا يشتعل داخلنا حنين غامض إلى إنسان الغاب ذاك (الاجتماعي). ستستيقظ فجأة وأنت تشعر أنك تعيش في عالمٍ موازٍ لهذا العالم، ستفتقد الناس كثيرًا..

    الجميع قابل للاستبدال

    نعود إلى نقطة العرض والطلب وإلى جانب آخر، فقلما تنمو علاقات اجتماعية أو حتى صداقات ثنائية في هذا النوع من العمل. لن يجد أحد نفسه مرغمًا أو حتى أن يجاملك بتقدير موقف أو مصاعب تمر بها.

    لم نضربه بالصفر بعد، له إيجابيات أيضًا

    ستتعرف على أشخاص رائعين

    صادفت في ما ندعوه بعالم افتراضي أشخاص رائعين وكانوا كذلك حين التقيتهم على أرض الوقع، هؤلاء الأشخاص سيكونون عونًا لك في مواقف صعبة، سيتفهمونك بحكم طبيعة العمل التي يفهمها كليكما. وعدا الدعم النفسي الذي ستتلقاه منهم، ستتبادلون الخبرات أيضًا.

    ستتعلم الكثير

    هل تعتقد أنك ستعمل بمجالٍ واحد فقط؟ ساخبرك هنا لا، فدون أن تشعر ستغدو قادرا على حل مشاكل حاسوبك، والتعامل مع كل التقنيات المرتبطة بأداة عملك. لا تستغرب مثلا إن كنت كاتبا أن تتعلم كيفية تحسين نتائج الظهور على محركات البحث، لا تستغرب أن تتعلم لغة برمجة بسيطة… كيفية التعامل مع منصات الكتابة الإلكترونية المختلفة…ذخيرة واسعة من المصطلحات بلغاتٍ أخرى…

    ستتعثر بفرص جيدة

    هذه من مزايا العمل عن بعد، إذ بإمكانك البحث عن عمل دون أن تبذل جهدًا كبيرًا، ما تحتاجه أمرين أولهما سيرة ذاتية مكتوبة على نحو جيد بإمكانك التقدم بها للطالبين أما الثانية فهي شبكة من العلاقات؛ وعلى ذكر الثانية هناك كنز اسمه LinkedIn لم أكتشفه إلا متأخرة، وهو جيد جدا ومكان لاجتماع المهتمين فعلًا والجادين في العمل وعرض أعمالهم.

    دخل جيد أحيانًا

    سبق لي القول أن الأجور مجحفة، لكن هنا سيعوضك أنك إن استطعت أن تدير وقتك بطريقة جيدة ستتمكن من العمل لأكثر من جهة وربما بأمور تختلف عن بعضها قد تجد في أحدها مصدرًا حقيقيًّا للمتعة. بالإضافة إلى الدخل.

    أنت في النهاية تعمل من المنزل…

    رغم أن هذه بالذات سلاح ذو حدين، لكن لها الكثير من الإيجابيات.. ليس عليك مثلا أن تتقيد بزي معين أو أن ترتدي ملابس الخروج. في نواحٍ عدة استفدت من هذه النقطة، أهمها أنني كنت قريبة من أولادي في كل تفاصيلهم، تعلموا أيضًا أن معنى أن يكون الأب والأم في العمل هو أمر لا يعني أنهما غائبان أو يمضيان وقتًا ممتعًا بعيدًا عنهم.

    هل تصدق أنه ممتع!

    إن كنت تعمل في مجالٍ تحبه.

    عالمٌ كبير

    لسنا نتحدث عن “إنه عالمٌ كبير” التي نشاهدها في برامج الأطفال لا أذكر أين، لكنك ستتعامل مع جنسيات مختلفة، قد تحاور أيضًا بلغات مختلفة. هذا جانب إيجابي جدا للخروج من قواقع مجتمعية أحيانًا، صحيح أن هذا الخروج حدث في واقع افتراضي، لكنه سيصقلك ويمنحك رؤية جديدة لمن حولك وعمن اعتدت تسميتهم بـ”الآخر”. وإن حدث وشغلت موقعًا إداريًّا، ستتعلم أساليب الإدارة والتعامل مع أشخاص مختلفين جذريًا وعن بعد . وهي ميزة لا تقل عن مثيلتها في الشركات متعددة الجنسيات.

    خلاصة تذكرها دومًا

    ستصادف الكثير في هذا العالم، وستعرف تفرقات كثيرة نعرفها في عالمنا الواقعي، سيفهم البعض من سكوتك أنه رضى، هنا تحدث وأسمع صوتك واحتج، لا تنسى هذا أبدًا. حاول أيضًا ألا تستهلك أعصابك لأنك ستحتاجها دومًا.

    حاول أيضًا الحفاظ على ما تعتبره أنت “أخلاقيات عمل” فحتى إن كان اسمه عمل عن بعد، لكنه عمل ولا يشفع لك هنا عدم التقائك مع طاقم العمل أن تفقد أخلاقياته. لا تبقى مع من لا يفي بعهودك معك، اتركه في أول فرصةٍ أفضل، بالمقابل كن عند كلمتك دومًا وتحمل أخطاءك بشجاعة.

    نجوى بيطار مدير

    مهندسة كيميائية، أهوى النجوم، وأحب كل ما يتعلق بالفيزياء وعلم الفلك. أعمل حاليا كمدير لمجتمع أراجيك ..