حلم غاردنر وكابوس غاتسبي

  • 1
  • 1٬312
  • كنا ومازلنا نسمع عن امريكا أنها جنة الأرض، إذ أنها بلاد الفرص والحرية. ولكن ما الذي أشاع عنها هذا الأمر؟

    بالتأكيد هي الصناعة السينمائية، فهي أعتى أسلحة القوة الناعمة.  إذ أن هناك أفلاماً ساهمت بشكل كبير في رسم صورة ما يُعرف بـ الحلم الأمريكي، وعلى النقيض من ذلك، فإن هناك أفلاماً انتقدته بضراوة، بل وجعلوه الكابوس الأمريكي. وقبل أن نعرّج على بعض تلكم الأفلام، لا ضير في أن نبيّن معنى وتاريخ مصطلح الحلم الأمريكي.

    ” ونحن نرى أن هذه الحقائق بديهية، أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأنهم وهبوا من خالقهم حقوق غير قابلة للتصرف، وأن من هذه الحقوق، حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.” شكلت هذه الجملة التاريخية والتي وردت في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية جوهر الحلم الأمريكي.

    وقد ورد مصطلح ’ الحلم الأمريكي’ لأول مرة في كتاب ملحمة أمريكا للمؤلف الأمريكي جيمس تراسلو آدامز عام 1931. وهو مصطلح مفاده أن بإمكان أي شخص من أي جنس ومن أي جنسية ومن أي عِرق ومن أي طبقة اجتماعية تكوين ثروة بطريقة شرعية.

    وقد نوقشت هذه الفكرة كثيراً في السينما سلباً مثل غاتسبي العظيم The Great Gatsby وذئب وول ستريت Wolf of Wall Street، وإيجاباً مثل السعي نحو السعادة The Pursuit Of Happyness، ولعلنا نبدأ بما انتهينا به.

    فيلم السعي نحو السعادة هو فيلم مأخوذ من قصة واقعية لكريس غاردنر من بطولة ويل سميث والذي استنفد أمواله مستثمراً في الأجهزة الطبية آملاً في تأمين حياة كريمة لأسرته، ولكن فشل تجارته قلب حياته رأساً على عقب، فاضطر للعيش في الشارع مشرداَ مع ابنه بعد أن هجرته زوجته، وتدور الأيام ويُراد لكريس أن يتلقى تدريباً دون مكافأة من مجموعة متدربين ليتم اختيار متدرب واحد فقط ليشغل الوظيفة، وبعد ظروف معيشية صعبة وقاهرة لهما، جاء الفرج بعد قبوله بالوظيفة المنشودة. ساهم هذا الفيلم بإيجابيته الفريدة في بث صورة وردية لما يعاني كدراً في العيش، وجعل أمريكا هي الملاذ الأول لهم، كونها تكفل لهم وظائف وحرية منقطعة النظير.

    وعلى النقيض من ذلك، انتقد سكوت فيتزجيرالد الحلم الأمريكي انتقاداً لاذعاً في روايته غاتسبي العظيم التي عزّ نظيرها وقلّ مثيلها والذي تحول لتحفة سينمائية كان بطلها ليوناردو دي كابريو.

    يسرد لنا الراوي نِك كاراواي وهو أحد شخصيات الرواية حكاية شاب مليونير يدعى جاي غاتسبي، لا يُعرف عنه شيء سوى أنه يقيم تلك الحفلات الصاخبة التي تستهوي الجميع من كل حدب وصوب لعله يجد درباً لـ دايزي المتزوجة من الأرستقراطي توم بياكونان، التي أحبها وحال بين زواجهما اختلاف الطبقات. ونتعرف في الرواية على شخصيات مختلفة من طبقات مختلفة بالإضافة إلى الشخصيات الرئيسية التي سبق ذكرها، مثل جورج ويلسون وزوجته ميرتل واللذان ينتميان إلى الطبقة العاملة.

    انتقد العملُ الحلمَ الأمريكي من وجهين، في الوجه الأول رأينا غاتسبي قد بنى ثروة طائلة من الصفر عن طريق أعمال غير مشروعة، مدللاً على أنه لا يمكن بناء ثروة من العدم بطريقة شرعية كما تزعم النظرية، بل لابد من ‘اللف والدوران’ لتحقيق ذلك.

    أما في الوجه الآخر، نشهد صراعاً بين طبقة الأغنياء الجدد ممثلةً بـ غاتسبي مع طبقة الأرستقراطيين ممثلةً بـ توم ودايزي، ونرى أن هذه الطبقية تجلت في طريقة تعامله مع غاتسبي، “أما دايزي فلم ترسل وردة حتى”.

    إجمالاً ، نحن أمام تحفتين تناقض كلُ منهما الأخرى، فغاردنر وجد الأمل بعد الانكسار، وغاتسبي وجد الانكسار بعد الأمل.

    عبدالملك البلادي طالب