فقرات من دفتر هاملت

  • 1
  • 2٬248
  • وُجِد دفتر هاملت في مخدع هوراشيو، وقد وضع فيه هوراشيو بعض الملحوظات والعلامات. يستطيع المدقق أن يفهم مقصده من تمييزه واهتمامه ببعض الفقرات دون غيرها عند قراءة المقدمة المكتوبة بخط يده عن صديقه هاملت:
    ” لم تفهمه أمه، لم تتحمله أوفيليا، لم يحباه روزنكرانتس وجلدنسترن، تطلع بولونيوس لاستغلاله لظنه بأنه مجنونًا بتفاهته المعهودة وفشل أيضًا، حاولت أنا أن أصل لأعماق صديقي المعذب بين العقل المستنير وحتمية اتخاذ القرار ولكن غدر به الكأس والسيف قبل أن أفلح في مهمتي التي أوكلتها لنفسي. لو كنا فقط انتبهنا لذاك الدفتر الذي هرع للبحث عنه بعد أن التقى بالشبح، لكنا نجحنا في معرفة هاملت، أو ربما.. كان سيشرق في قلوب محبيه أمل حُسن معرفته!”
    يبدو أن الصفحات الأولى من الدفتر مقطوعة؛ ربما قطعها هاملت بنفسه لأن أسلوبه لم يكن يعجبه، ربما وجد أن لا قيمة لها لدرجة أن توجد في دفتر “هاملت” الذي يحبه الشعب، أو ربما تقطعت لأسباب أخرى مجهولة، بفعل أشخاص لا نعرفهم. ثم نجد بعض الصفحات التي بها خواطر ع+ن أرسطو وكتاب فن الشعر، مدونات قصيرة جدًا وساخرة عن المسرح والممثلين، محاولات غير مكتملة لرسم زهور ومفارق متعرجة ولكنها جيدة بالنسبة لهاوٍ.
    ثم يبدأ هاملت بالحديث عن شبح تلك الليلة:
    “لو أعلم أن الخيال يتحقق لتخيلت جلوسي على العرش، وأحاديث مطولة مع أمي، أو ربما كنت تخيلت أنني ممثل بفرقة مسرحية أفضل من أفضل فرقة في هذه المدينة. ولكني كنت أتخيل مقابلتي مع أشباح من نسج خيالي، أحمد الله أنني لم أفضِ لأحد من قبل بخيالات الطفولة، لكانوا طعنوا فيما رأيت بلا شك، حتى وإن كانوا رأوه بعيونهم الساهرة!لذلك لم أشعر بالمفاجآة من ظهور طيف والدي، لم يفاجئني الطيف بقدر ما أغضبني حديثه، وزادني ثقة في ذكائي تأكيده لحدسي بأن هناك مؤامرة حيكت لقتل الأب الذي لن تجود الدنمارك بمثله مرة أخرى. طار عقلي لسماع تفاصيل الجريمة، وقع على عاتقي حمل الانتقام. كل أفكاري عن حقيقة الموت ومغزى الحياة أخذت تدور في عقلي، وفي قلبي، وحولي في كل مكان؛ لم أكن أرى غير الظلام والشبح والأفكار.
    “أأكون أم لا أكون؟ ذلك هو السؤال. أمن الأنبل للنفس أن يصبر المرء على مقاليع الدهر اللئيم وسهامه، أم يشهر السلاح على بحر الهموم وبصدها ينهيها ؟”
    كنت أظن أنني أستطيع الصبر دائمًا على كل شئ؛ ما الأحداث التي يمكن أن تدفعني لرفع سلاحي في وجهها؟ ما الذي يمكن أن يجبرني أن أضع حياتي تحت تهديدٍ، ما الذي يجعلني أختار أن أضع حياتي في مقابل المواجهة؟ أن أكون خفيفًا، ساخرًا مجاهدًا في أن أصبح أكثر ذكاء في سخريتي كلما ازدادت معرفتي، أهوى المبارزة، أقرأ كثيرًا وأفكر كثيرًا، أدرس الفلسفة باهتمام محاولًا الوصول لفلسفتي الفريدة الملائمة لحياتي، هذا ما كان يهم، هذا ما كانت تستحقه الحياة مني، أن أكتشفها، أن أتعلمها. ولكن لا يستطيع المرء أن يتحدث عن صفاته وأفكاره ويجزم انتسابه إليها إلا إذا اختبرها؛ هكذا يعرف أن ما يزعم اتصافه به أصيل فيه.
    لا أطرح أمر ظهور الطيف مفاخرًا بخصوصيتي لدى قوى الغيب، أو مدعيًا اتصالي بالقبور، فقد أدهشني هذا الأمر أكثر مما أغضبني فحوى اللقاء، وأكثر مما أسعدني معرفتي بالحقيقة؛ لماذا لم يكتفِ القدر بأن أسمع عمي يتحدث إلى نفسه في صلاته؟ لماذا تحثني السماء بنفسها على الثأر؟ لمائا لم يقنع الجحيم بالصُدف التي قد تسوقني للحقيقة في لحظة؟ لماذا وضعتني الطبيعة في ألغاز الظلام والحزن والحرب؛ وكلهم قد يقودوا إلى الأوهام والخيالات الشقية؟ هل كلما ازداد الإنسان علمًا ومعرفةً، كلما اتقدت الاختبارات التي يقع في شراكها بالتوتر وتطلبت العجلة في تسويتها؟
    “إن الروح التي رأيتها قد تكون شيطانًا، وللشيطان قدرة على تقمص المظهر السار”
    نعم، كان هذا تقمصًا سارًا. دراما الحدث هي ما جعلتني أدرك الآن بضرورة المواجهة، وحتمية الانتقام. الدهشة التي أصابتني هي ما أيقظتني من غفلة الانغماس في التأمل والتعرف على الحياة.
    إلى متى كنت سأظل أكتشف الحياة وأبحث عن لغز الموت ولا أقترب منهما؟
    أما عن أوفيليا الجميلة، فهي أيضًا كانت اختبارًا لم أفهمه. كانت مثل الشمس تغيب ولكنها حتمًا ستعود مجددًا تضئ يومي إذا ما أسدلت الستار وذهبت إليها. ولكن الشمس تغيب بإرادتها، الشمس أقوى من أوفيليا. ربما يستحسن أن أشبه أوفيليا بالنجمة، فللنجمة تأفل لعنفوان الشمس وقسوتها. لم أتخيل أبدًا أنها قد تختفي؛ فتصير حياتي مظلمة مثل تلك الليلة التي قابلت فيها ذلك الطيف. ليلة قاسية ولكنها إفاقة من ثبات عميق في بحر الفكر، بحرٌ عميق وبلا نهاية. قصر إدراكي عن فهم ما كان بداخلي تجاه أوفيليا الحبيبة، فهي كانت حبيبتي وصديقتي؛ كانت دومًا من أولوياتي ولكنها لم تكن أهمهم. آه يا أوفيليا الحبيبة! لم أدعك يومًا تثقين في حبي لكي، لم أرح فكرك وقلبك من التفكير، حيرتك معي، فعاقبني الرب بحيرة أشد وأقسى.”
    وفي صفحة أخرى من الدفتر، في منتصفها، كتب هاملت: “دفتري الأسود هذا ابتعته من وتنبرج، كنت أنوي أن أكتب فيه ملاحظات عن دروسي، ولكني وجته أنيقًا جدًا، يليق بأمير مثلي حقًا. فآثرت أن أحتفظ به لخواطري عن العروض المسرحية التي أراها ونقدي لها، أو أفكارٍ حيال قراءاتي. ولكن شبح أبي كان يطمع في الاستيلاء على عقلي وقلبي ودفتري.
    يكتب هوراشيو تعليقًا على هذه الصفحات: “هاهو ذا قلب كبير قد تصدع! طاب مساؤك يا أميري الحبيب، وحملتك إلى الراحة الأبدية أسراب من ملائكة يرتلون!”.

    سلمى البهي ..