سبأ أحمد كاتبة محتوى

أوهام صلبة تفترشُ ضِعاف النفوس

  • 4
  • 2٬312
  • سُجنت في مشهد

    قبل عدة أيام وبينما كنت أشاهد مسلسل The handmade’s tale علِقت في إحدى المشاهد ولم أستطع الخروج منه بسهولة، في المشهد كانت الأَمَة تُنجب طفلًا لسيدتها العاجزة عن الإنجاب وفي هذه الأثناء كانت السيدة تتظاهر بأنها تعاني آلام الطلق بينما كن نساء الطبقة الأرستقراطية من حولها يدفعنها إلى أخذ نفس منتظم والمشي قليلًا وما إلى ذلك، في هذا المشهد السيريالي المزعج تجد سيدة مقتنعة تمامًا بكون جسدها متحد مع جسد أمَتها مما يجعلهما ينجبان الطفل سويًا وبالتالي يعد طفلها فعلًا، مَن مِن الممكن أن يؤمن بكذبةٍ لهذا الحد؟ إنّه اليائس.

    ثُلاثي الكذب/الوهم

    لتصديق الوهم يجب على المتلقّي أن يكون جاهلًا فالجهل هو حجر الأساس في عمليةِ هضم الأكاذيب، ثم إنه يجب عليه أن يكون يائسًا، لا يرى حياةً في الحقائق أو أن يكون خائفًا من الحقيقة فيؤمن بالأكاذيب ليطمئن. أي أننا في النهاية نخرج بثلاث عوامل أساسية تجعل المرء يستقر على الوهم ويدفع الحقائق بعيدًا: الجهل، اليأس والخوف.

    إنسانية اليأس

    اليأس في مقدمة الأسباب لكونه يُميت الحكمة ويُضعف العزيمة ويتغذى على الخيبات. لماذا لا تكذب الحيوانات على نفسها؟ لماذا لا تعتنق الوهم ولا تعيش على التهيؤات؟ لأن الحيوانات لا تعرف اليأس، فالحيوان يعيشُ على الإخفاق، المحاولة والتعايش وليس اليأس والإحباط. إن اليأس خصلةٌ إنسانية وبذلك يكون الوهم من صُنع الإنسان.

    “اليأس سلوك بشري، فالتاريخ الطبيعي لم يذكر أبدًا حيوانات يائسة. لكن هذا الإنسان نفسه، الذي لا يمكن فصله عن اليأس، تعوّد أن يتعايش معه إنه يحتمله حتى في حدوده القصوى”.

    جوزيه ساراماجو

    وشخصيًا أرى أن حدود اليأس القصوى هو اعتماد الوهم والكذب كطوقا نجاة.

    صلابةُ الجهل

    الجهل في منظوري درجات: هو ألّا تعلم، ألّا ترغب في أن تعلم أو ألّا تعلم وتظن أنك تعلم. وظنّي أن الأخيرة هي الأكثر تأثيرًا على موضوعنا هذا. فالجاهل الذي يملأ رأسه بالترهات واهمًا بأنه يملك عقلًا غنيًا بالمعلومات هو الأصعب من نوعه. كأن يزعم أحدهم أن الأرض مسطحة، ثم يصنع الأدلة ويحيكها لإثبات ما يعلم فإذا بأتباع كروية الأرض يحاججونه ويُعطون لأرائه حجمًا مما يدفعه لتقوية أوهامه وتدعيمها بالأدلة فيزداد إيمانه كلّما كَثُر خصومه. وهنا نرى الجهل في أقوى صوره، حيث تعززه المناظرات ويُغذيه وهم الأهمية وتُطيل عُمره الأكاذيب.

    الخوف أبو الأكاذيب

    حين يكون الخوف أسلوبًا للحياة، يُصبح الكذبُ حينها حياة

    سبأ

    تركتُ الخوف في النهاية لكونه أساسًا صلبًا في عملية صنع الأكاذيب وتصديقها أيضًا. يمكن أن يكذب عليك المرء لأنه يخافُك أو يخافُ من أن يفقدك، أو يكذب على نفسه خوفًا من الحقيقة نفسها أو يكذب خوفًا من العواقب أو خوفًا من نظرة الناس له. يكذب الناس يوميًا لأسباب مختلفة أو بلغة أوضح، يكذب الناس يوميًا بسبب مخاوفِ مختلفة. كأن تكون الطاعة نوعٌ من أنواع الكذب ذلك الذي يشكّله الخوف بينما على العكس تمامًا يمكن أن تكون الطاعة نوعٌ من أنواع الاحترام ذلك الذي يشكّله الاحترام أيضاً. قرأت اقتباسًا لعبدالرحمن الكواكبي وأذكر أنه قد أثار التساؤلات في نفسي وقد قال فيه: “أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف” ولو أنني فسرتها بمفهومي لأضفت الكذب نتيجةً لكليهما وقلت: أنه في أحيان كثيرة يكذب المرء على نفسه “خوفًا” مما “يجهل” أو يعتنق الجهل خوفًا من الحقيقة وهنا تجتمع أهم العوامل التي يحتاجها الكذب ليُصبح عقيدة صلبة. ومن أسوأ حالات الجهل-الخوف-الكذب هو أن تكذب لأنك تخاف ولكنك لا تعلم مما تخاف وهنا تكون جاهلًا قد اعتاد الكذب والخوف في آن معًا.

    يُحمل الصدق على أكتاف الشُجعان

    أخيرًا، إن العيش على الأوهام والأكاذيب هو إحدى مرادفات الموت في قاموسي، كأن تتنفس برئة مثقوبة بينما تضغط عليها بيدك طوال الوقت لتواري الثقب خوفًا من تسرّب ما تستنشق، إنّه عيشٌ لا يشبه العيش وحياةً أثقل من أن تُحمل. أعلم أن المصداقية تجاه النفس والغير تعد عملة صعبة واعتمادها كمبدأ للعيش يعد عملًا شاقًا يتطلب الكثير من الوقت والجهد ولكن الحقيقة كرامة إنسانية وكل جهد يُصرف في سبيل بلوغها هو وسامٌ على صدر المرء الشجاع ولمحةٌ على وجهه المُتعب وهالةٌ حكيمةٌ عليه. لا يقوى الجاهل على السؤال فيُطيل بذلك عمر الجهل ولا يرى اليائس أبعد من موطئ بؤسه و”الخائف دائمًا يتعثر فيما يخيفه” فتكبر فينا الأكاذيب ونضمحلُ فيها، فنجبُن ونهرب ونتخاذل ومن يقف فينا صادقًا يقفُ وحيدًا غريبًا حتى يتنازل عن الحقيقة في سبيلِ أن ينتمي. على إنسان اليوم أن يراجع نفسه مجددًا، أن يبحث عن أسبابهِ خلف أكاذيبه لأن حبل الكذب أصبح طويلًا جدًا حيث أن بمقدور المرء أن يحيا عمرًا كاملًا داخل كذبة ثم يصحو من سكرته وقد فقد كل خيطٍ يجرّه للصدق أو أنه تعمّق في الوهم حتى يئِس من بلوغ الحقيقة وهنا يظهرُ الندم متأخرًا وفاقدًا لجدواه فيموت المرء متأسفًا. إن الصدق خليل القوة فلا يقوى الضعفاء على حمل الحقائق ولا ترغبُ الحقائق بأن يحملها ضعيف، وبذلك أدعوكم ونفسي للتحلي بالقوة ومحاربة الرغبة والحاجة للكذب في أنفسنا وردم الطريق إليه لِنحيا كِرامًا ونُكرَم إن مُتنا، فلا يُكرَم الكاذبُ ولا يَسعَدُ الواهم.

    سبأ أحمد كاتبة محتوى