فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

قراءة في كتاب “كيف ينجح الأطفال”

  • 0
  • 1٬064
  • أيّهما أكثر أهمية أن ننمّي في الطّفل مهاراتٍ معرفيّة مثل الرِّياضيات، والعلوم، أم نحاول اكسابه مهاراتٍ غير معرفيِّة تساهم في بناء شخصيَّته مثل العزيمة، والإصرار، والفضول؟

    في البداية لنفهم تمامًا الفرق بين المهارات المعرفيّة، والمهارات غير المعرفيّة.

    تُمثّل المهارات المعرفية قدرة الفرد على القيام بالعديد من الأنشطة العقليَّة المرتبطة بشكلٍ وثيقٍ بالتَّعلُّم، وحلِّ المشكلات، أمّا المهارات غير المعرفيّة قد نُعرّفها تجاوزًا بسمات الشّخصيّة العامة مثل العزيمة، والمثابرة، وتعزيز الإرادة والفضول.

    يُقدِّم بول توف الكاتب والمذيع الكندي الأمريكي، مُراجعةً صحفيَّةً لأحدث الأبحاث التي تربط النَّجاح في مرحلة البلوغ بتنمية الشَّخصية في مرحلة الطُّفولة، وذلك في كتابه “كيف ينجح الأطفال، دورالجرأة والفضول والقوة الخفية للشخصية“، وينطلق في مراجعته إلى دراسة أهمِّية المؤشّرات غير المعرفيّة في النَّجاح أي السّمات الشَّخصيَّة، والعزيمة، والإصرار، والفضول وغيرها من المعارف الضّروريّة.

    انطلق بول توف من وجهة نظرٍ مختلفةٍ عن تلك التقليدية التي تركز على المهارات المعرفية التقليدية ومقايسس الذكاء، وأشار إلى مقاييس أخرى مهمة بحسب رأيه، وهي أنَّ مفتاحَ إعداد الشَّخصيَّة النّاجحة هو إيمان الطّلاب بأنَّ لديهم القُدرة على التَّحسين والتَّغيير، والمعروف أيضًا بعقليَّة النُّمو. لقد كان التّحصيل المعرفي، ومقياس الذَّكاء IQ، ودرجات الاختبارات المعيارية -حتّى وقتٍ قريبٍ- هو المؤشّر الرّئيسيّ للتّنبؤ بنجاح الطّفل في مرحلة البلوغ، ولكن كشفت الأبحاث الحديثة أهمّيةَ دور الشَّخصية في نجاح البالغين.

    تحدَّث بول توف في كتابه عن أهمّية المهارات غير المعرفيّة، وأوضح عدّة جوانب مهمّة، كالطّفولة المتوازنة، والشّخصيّة القوية الجريئة للطّفل، وتحدّث أيضًا عن الفشل، وكيفيّة إدارة الشّخصيّة للتعامل مع عدم النّجاح، أو الإخفاق،  وشرحها كالتّالي:

    يُطلب من كلِّ طالبٍ يريد أن يلتحقَ بالكّلية في الولايات المُتّحدة أن يخضع لاختباراتٍ موحّدةٍ لقياس مدى استعداده للدّراسة الجامعيّة، وغالبًا ما يكون الطّالب قد خضع للعديد من هذه الاختبارات في المدرسة الابتدائيّة وصولًأ إلى المدرسة الثانوية، ويتمّ تقييم مستوى ذكاء الطُّلاب بناءً على تلك الدّرجات، ومع ذلك، فإنّ الاختبارات الموحّدة ليست مناسبةً تمامًا لقياس ذكاء الطّالب، وغالبًا ما تُقدّم الكلّيات منحًا دراسيّة، وتُقدِّم قبولًا يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على درجات الاختبار الموحّدة، وتُعتبر الدّرجات العالية، إشاراتٍ على إمكانيّاتٍ أعلى لدى الطّالب، وأظهر تحليلٌ بسيطٌ لإحدى الدّراسات أنَّ الأطفالَ الذين سجَّلوا درجاتٍ مُنخفضةٍ في اختبارات الذّكاء (IQ)، يسجِّلون درجاتٍ أعلى بشكلٍ ملحوظٍ بعد تحفيزهم بالحلوى، ممَّا قد يشير إلى أنَّ جميع الأطفال يحتاجون إلى مكافآتٍ إضافيَّةٍ مقابل عملهم، وذلك للتأكُّد من أنَّ درجة الاختبار تعكس المعرفة بدقَّةٍ لدى الطفل.

    يُمكن أن تختلف درجات أحد الطّلاب، بين اختبارٍ، وآخر، وذلك بناءً على ما يُحفِّزُه، وتلعب السِّمات الشَّخصيَّة دورًا أقوى على المدى الطَّويل، فُيمكن للطَّالب الذي يتمتَّع بإرادة قويّةٍ أن يُثابر من خلال جلسةٍ دراسيّةٍ صعبةٍ، وأن يقدّم أداءً أفضل من الطَّالب الذي لا يملك الإرادة، ومن المرجَّح أن يُقدِم الطّالب الذي لديه الإصرار، والعزيمة على المحاولة مرةً أُخرى، وذلك بعد حصوله على درجةٍ ضعيفةٍ، في حين أنَّ الطَّالب الذي لا يمتلك العزيمة قد يقبل بتقديٍر متوسِّطٍ، ولهذا ترتبط المهارات المعرفيَّة، والمهارات غير المعرفية ببعضها لزيادة أو تحطيم بعضها، وأيضًا تنطبق هذه المهارات على المرحلة بعد المدرسة.

    يطرح بول عدة نقاط مهمة في بناء الشخصية لدى الطفل ومنها مايلي:

    الطّفولةُ المتوازنة

     يتداولُ النَّاس في كثير من الأحيان قصصًا عن الأطفال الذين نشؤوا في مناطق الحروب، وأولئك الذين يتعّرضون للعنف، أو للصّراع الأُسريِّ أنّهم أكثر عُرضة للعيش في فقرٍ مُتجاهلين فكرة أنّ كلَّ طفلٍ يستحقّ تحقيق نفس القَدرِ من النّجاح مثل أيّ طفلٍ آخرٍ يعيش في بيئةٍ سويّةٍ وآمنة ولديه نفس الحقوق، حتّى لو كبُر هذا الطّفلُ في ظروفٍ صعبةٍ، أو ربّما في ظروفٍ قاهرة قد يصبحَ قائدًا، وفعّالًا في المُجتمع، ويحقِّقُ ثروةً هائلةً عندما يكبر، وربّما يأخذ من الحكاية رسالةً مفادُها أنَّ شخصًا واحدًا يتمتّعُ بقوةٍ داخليةٍ مذهلةٍ، وارادةٍ، وعزيمةٍ، يُمكنه التَّغلب على الشَّدائد مهما كانت.

     تنميةُ الجرأة عند الطفل

    الجرأةُ من السِّمات الشَّخصيَّة التي تتنبَّأ بإمكانيَّة الفرد على إحداث تأثيرٍ إيجابيٍّ دائمٍ، ويتمُّ تطويرها من خلال المُخاطرة العالية، والتّدرّب على مواجهة الفشل، وتعزيز احترام الطِّفل لذاته، وتقديرها من خلال تدريبه على التّعامل مع الفشل، ومواجهته بطرقٍ صحيحةٍ، وصحيّةٍ، وبالتّالي إنقاذه، لكنَّ عدم القيام بذلك يتسبَّبُ في مشاكلَ أخرى وأهمّها الخوف، وتجنُّب المواجهة.

    السَّماحُ بالفشل

    السّماح للأطفال بتجربة الفشل تعني مقاومة المُربّين الرَّغبةَ في إنشاء شبكات أمانٍ حول الأطفال لحمايتهم من الوقوع بالخطأ، وهو أمرٌ يفعله المعلِّمون، والمدرِّبون، والآباء عندما يمنحون جوائز لجميع اللاعبين في بطولة كرة القدم مثلًا، ويكلِّفون الأطفال فقط بمهامٍ مضمونةٍ، وبمسؤوليّاتٍ سهلةٍ لا تحتاج مغامرة، فيقعون في أخطاءٍ كثيرة، منها جعل الطّالب الفائز بنفس الرُّتبة مع باقي زملائهِ، وبالتّالي تتقلّص الرّغبة بالمُثابرة في أنفسهم تدريجيًّا، ويتولّد لديهم شعورٌ دائمٌ بالأمانِ المُزيّف، وبالنّجاحِ المُزيّف، ولو تعرّضوا في المُستقبل لأيّ فشلٍ -مهما كان نوعه- لن يستطيعوا تقبّله، ولا التّعامل معه أبدًا، وغالبًا ما يجد الباحثون الذين يدرسون سلوكيّات الأطفال أنَّه عندما يتمُّ تكليف الأطفال بمهمَّةٍ تتضمَّن بعض مخاطر الفشل؛ تنصقل شخصيّاتهم بشكلٍ سويٍّ، وينمو لديهم حبُّ التّحدّي، ويكونوا فعّالين، ومُتّزين بشكلٍ أكبر، وقادرين على التّعامل مع جميع تقلّبات الحياة، من نجاحٍ، ومن فشل.

    ليست الحياة دومًا مُتجهة نحو السّرور، والنّجاح، وقد يمرُّ الإنسان في منعطفاتٍ كثيرةٍ، والحذق من يستطيع تجاوزها بذكاءٍ، وباستراتيجيّاتٍ خلّاقة، وهكذا وفق بول فالنّجاح لا يأتي من العدم، ولا بخطوةٍ واحدٍ، إنّما هو نتيجةٌ حتميّةً لمراحل كثيرة، ولعمليّةٍ تراكميّةٍ، ولمهاراتٍ تحتاج إلى تدريبٍ، وتقويمٍ، وتهذيبٍ، واسكتشاف.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.