إبراهيم محسن أحب الفيزياء والموسيقى والعلوم الاجتماعية

إذا قل ما تفرح به، قل ما تحزن عليه!

  • 1
  • 0
  • للفقيه ابن عطاء الله السكندري جملة يشتهر بها؛ وهي إذا قل ما تفرح به، قل ما تحزن عليه!

    وإذا ركزنا في مضمون هذه الجملة فسنجد إنها ليست مجرد حكمة أو مقولة، ولكنها أسلوب أو منهج للحياة السليمة التي قد افتقدها البعض منا مما نواجهه من آلام يومية لا يُستهان بها.

    فهنا قد ربط بين الحزن والفرح بالإيجاب، وقد نندهش من هذا لأول مرة نستمع لهذه المقولة؛ إذ اعتدنا منذ صغرنا على أن نسمع الجمل التي تحثنا على الاهتمام بما يسعدنا دومًا والإكثار منه حتى يطغى على حزننا وينسينا إياه.

    ولكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا، فهو يدّعي أن مع كثرة الفرحة يأتي الحزن، كما لو أنهما متتابعان؛ كالليل والنهار، لا يُدرك أحدهما دون الآخر.

    وفي الحقيقة، ومع قليل من التمعن، نرى أن مقولته صادقة، أو على الأقل تنطبق في كثير من أمور الحياة، دعني أذكر بعض الأمثلة بهدف توضيح المعنى لا الحصر.

    حينما انتهيت من المرحلة الابتدائية وحصلت على الشهادة من مدرستي التي وثّقت حصولي على تقدير مرتفع، أراد والدي أن يكافئني على هذا الإنجاز الذي جعلني أقفز فرحة طيلة اليوم، فأخذني كي أختارهاتفًا جوالًا لي، وبالفعل اخترت الهاتف ومكثت عليه يومي أتقلب بين خباياه.

    وهنا إن رمزنا للسعادة بمنحنى ما مرسوم، فأنا وقتها كنت بلغت الذروة الحاصة بهذه المنحنى، ولكن لم يدم وجودي هناك؛ إذ وجدت صديقي بهاتف جديد أيضًا، وكما هو الحال بين الأولاد، أخذنا نقارن ونتعالى بإمكانيات كل هاتف حتى غلبني.

    يومها انزلقت من ذروة السعادة حتى وجدت نفسي في قاع الحزن، وذلك بدأ حينما ربطت سعادتي بشيء ما بدون روح.

    كذلك الأمر يحدث أيضًا حينما تضع سعادتك في شخص ما، فكلنا نعلم أننا زائلون، وإن لم تُعاصر زوال هذا الشخص، فربما ستعاصر خذلانه، والذي بدوره سوف يجعلك ترتطم بسفح القاع مرة أخرى.

    وإن كنت محظوظًا ولم تعاصر خذلانه، فسوف تعاصر حزنه، ألمه، فراقه، لن تسلم إلى أن تمر عليك تلك الفترة التي يختفي فيها بريق عينيك حينما تسمع أو ترى ذاك الشخص اللي مثّله عقلك في سعادتك التامة.

    ولكن دعنا من تلك الأمثلة حتى نطرح الضوء على شيء أهم؛ شيء استعملناه نحن الشباب بطيشنا بطريقة غير صحيحة؛ الاهتمام.

    دعني أخبرك أول الأمر أن كل شخص ما هو إلا عبارة عن دلو أو حاوية، وتلك الحاوية تحمل بداخلها مادة نسميها نحن الاهتمام.

    نعيش ونعيش، ونحن مطالبون بأن نحافظ على الحاوية، ونعتدل في توزيع تلك المادة الكامنة.

    فالحفاظ على الحاوية يكمن في حفاظك على نفسك من أي سوء، جسدي أو نفسي، وأي خلل قد يصيب تلك الحاوية سرعان ما يثقبها حتى تتسرب تلك المادة الداخلية.

    فيأتي من ذلك التسرّب أن تجد نفسك قد أفرغت كل المحتوى على أي شخص أمامك وأي شيء تصادفه عيناك، فتهتم بالقليل والكثير، بالتافه وبالمطلوب، بالأساسي وبالثانوي.

    قد تجد الأمر في البداية طيبًا، فالكثير والكثير من حولك، لست وحيدًا وتملك ما يسليك، عقلك منشغل بأشياء عدة أنت تحبها، وتستمر هذه الدائرة إلى أن تجد نقطة قد خرجت من المسار المعتاد.

    ويستمر التسرب حتى تنتهي مادة الاهتمام، نفذت ولم تحتفظ لنفسك بالبعض منها، فتبدأ من هنا المشاكل:

    • تضيع ثقتك بنفسك حينما لم تبدي أي اهتمام بحالك.
    • يضيع أكثر وقتك في الاهتمام بالفراغات وبأشخاص لا يشاركوك اهتمامهم.
    • تتحول من مجرد شخص غرضه الإلمام بالواقع إلى شخص غرق في الواقع وتفاصيله غير المهمة.
    • تتكاثر عليك المسئوليات نتيجة كثرة الاهتمامات التي شغلت بالك بها.

    تجد نفسك في النهاية خاسرًا، بكل الطرق والمعاني، فما يصاحبك إلا الفشل والحزن.

    قد تفهم من هنا أن الاهتمام شيء لا بد أن يحتفظ لصاحبه فقط، وهذا خاطئ أيضًا؛ فالاهتمام مثله مثل العلم، تكمن قيمته في مشاركته للغير، ولكن الاهتمام لديه شرط إضافي، وهو الاعتدال في مشاركته، فبمشاركة الاهتمام تظهر المسئوليات تجاه من تشاركه، والفرد منا يعي أن المسئولية واجب عليك، فاحرص أن يكون الواجب عليك في مكانه الصحيح وليس تضييعًا للوقت.

    كذلك الحال مع الفرحة، لا تجعلها دائمًا هدفك، لأنك قد تعتاد عليها وتدمنها مما يجعلك تعتزل المفيد فقط لكونه لا يسعدك، وهذه أصبحت قضية عصرية انغمس فيها الشباب، ترك المفيد من أجل السعادة والفرحة.

    إبراهيم محسن أحب الفيزياء والموسيقى والعلوم الاجتماعية

    mostly different