أنا أكتب وَديستويفسكي يقرأ.. أنا أرسم وَمونك يراقب

  • 3
  • 264
  • عندما نقف أمام منحوتة مبتورة ، عن قصد المبدع، فإن ما يستوقفنا ليس ما تمّ منها، إنما ما أهمِل دون إكمال! وهنا تكمن ثورة الإبداع في تاريخ الوجدان الإنساني.

    إذ ليس من الإبداع -فنًّا ولا كتابة- أن يكشف الكاتب أوراقه كلها، وأن يرسم الفنان كل شيء! بل عليه أن يكسر السطر قبل أن يستنفذ نفسه، و أن يرمي بالفرشاة قبل أن تضرب الضربة الأخيرة؛ كيلا ينتهي المتلقي بخاتمة! لأن الخاتمة النهائية هي الموت المحقق لكامل جهد الإبداع.

    ومشكلة الكتابة في الويب اليوم، أن كل كاتب يريد أن يكتب كل شيء في كل شيء وعن كل شيء! فاختلطت المفاهيم ولم يعد تخصص في الطرح والنقاش يمليه أرق السؤال في رؤية الكاتب،فصبغت الكتابة بطابع المعلوماتية، لا الفكرية، همًّا من تعبئة المحتوى الإلكتروني. إن المعلوماتية تقدم الكلمة الأخيرة، أما الفكر فيقف عند الفاصلة الأولى.

    أن نقرأ ما لم يكتبه الكاتب، وأن نتواصل مع ما أهمله الفنان، يقدم لنا تجربة “عيش الخيال الأول”، ذلك أن مهمتنا مع أفصِح عنه هي الفهم، أما ما لم يقَل؛ فإنه حيز الخيال وملعبه. والإبداع نمو الخيال ولو على حساب تلبُّد الذهنية.

    في تفعيل الذائقة لتخيل المسكوت عنه، تنبثق المعاني الضمنية مما يعمّق تجربة قراءة النص وتأمل اللوحة. وكلنا قد استهوتنا ما اشتملت عليه روايات : باويلو كويلو، ودان براون ، ودونا تارت.. وغيرهم ممن اتكأوا على إيحاءات : الإشارات، والرسائل الخفية، والشفرات، والرموز المتنقلة عبر العصور كأقوى حضور للنص المفتوح الذي لا تنقضي قراءته لأن الخيال فيه لا يتوقف.

    تناول هنا مثالين أحدهما من الكتابة، والآخر من الرسم، ونطبق عليهما ممارسة الخيال لما لم يكشف عنه، ولعلنا ندرك؛ هل ثمة قيمة حقيقية تضيفها هذه الممارسة في إطالة عمر العمل الإبداعي، وتوسيع مساحة ما يعرض من أفكار؟.

    مذكرات قبو/ ديستويفسكي

    فيودور دويستويفسكي

    الرسالة المباشرة في رواية ” مذكرات قبو” هي أزمة الوعي في ذاته. يقول ديستويفسكي في حوار البطل الوحيد مع ذكرياته: “ورغم أني كنت قد أشعرتكم في البدء بأن الوعي قد ظل في نظري، المأساة الكبرى للإنسان، فإني أدرك تمام الإدراك مع ذلك ، بأن الإنسان يستمسك بالوعي، لا يتنازل عنه بالكلّ مقابل أي طمأنينة أو سكينة.”

    عندما نعيب على ما حقه أن يكون ممدوحا، فهذا ليس ارتداد عن المبدأ، وليس كذلك تحذيرا من الضد وحسب، بل هي الضمنية المؤكّدة لأهمية قضية متنازع عليها في شرف الإنسان الطامح إلى الكمال. أليس الوعي مناط التكريم فينا!؟ والحقيقة أني ديستويفسكي يشكو من معضلة عدم التوافق، فعندما يدرك الإنسان إدراكا زائدا عن المعتاد، ثم يحرم عليه أن يعيش وفق إدراكه هذا؛ نظرا لأن قوة الخارج تغلبه – والذي في الغالب هو السلطة المجتمعية- فإن سريان الوعي يتعطّل في نفس صاحبه، ويتوقف نضجه، وفي هذا نوع من العذاب الفكري والروحي لا يتحمله كل أحد، إنما هو نصيب الفرادى المفردين الذين خاضوا غمار بناء الوعي ” كل ما يستطيع للمرء عمله حينئذ هو سد حواسه الخمس، والغرق في التأمل..أن نستسلم لحصص صغيرة من حصص جلد الذات، وهذا على كل حال أمر منعش ومنشّط، بالطبع، إن تلك لعبة عتيقة للغاية، إلا أنها أفضل من لا شيء”. مذكرات قبو- ديستويفسكي.

    فالمسكوت عنه: متى سنترك لكل أحد أن يسلب منا حقنا في نمو الوعي!

    لوحة الصرخة / إدفار مونك

    لوحة الصرخة/ https://www.edvardmunch.org/the-scream.jsp

    تصور اللوحة لحظة التنازع الوجودي الذي اعترى الفنان حين بدت له الحياة كلها مستحيلة الفهم. لذا، أتت اللوحة أيقونة الخوف الإنساني.

    هذا بالضبط ما قالته اللوحة، ولكن ما الذي أخفاه الفنان في شفرات في لوحته؟

    قد نثير الأسئلة حول تقنيات اللوحة، مثل: التداخل في ألوان الغروب العنيفة، وسعي الناس على الجسر دون انتباه لهذا الذي يصرخ من أي شيء يصرخ. ولعل أكثر ما يستوقفنا هو الكائن في اللوحة: الإنسان الصارخ! هل هو ذكر أم أنثى؟ هل هو شاب أم متقدم في العمر؟ لماذا هو أصلع ودون أي تضاريس حية في وجهه؟ ولماذا لا يتضح من جسده فارق نوعي يخبرنا عن فكرة حسية معينة ترتبط غالبا بإيحاءات الجسد؟!

    إن التضمين في اللوحة يتجه بنا إلى صورة الجنين! نعم، نحن أمام جنين ما يزال يتخلق في الرحم، ولكنه خرج يمشي بين الناس فصرخ! وهل لدى الجنين/ المولود غير الصرخة ليستهل بها الحياة! يريد مونك أن يرتد بنا في سلسلة التطور الطويلة، فهو يلمح أن ثمة ضغوط نتعرض إليها قد تفقدنا “قدرتنا على التعبير البليغ”، والتعبير البليغ عبر الكلمات والحروف والتصويتات المركبة، هي مرحلة متقدمة في تطور قدرات الإنسان اللفظية. وحين نعود أدراجنا نحو الصرخة الوحيدة؛ فهذا يعني أننا نتراجع في كل شيء، حتى في تحديدات الهوية، والجنسانية، والأناقة، والمعنى العميق لإنسانيتنا.

    إن تصور ما لم يرد في العمل الإبداعي، ولكنه دالُ عليه، فنُّ بلاغي قديم عند العرب، ففكرة المفهوم من السياق، والمعاني الضمنية، والكناية، والتورية؛ هي أدوات الكشف للمواري في نفس المبدع، حيث اختار الصمت خوف أن يعيش لحظة الإبداع الكاملة.


    مصدر الصورة البارزة: Photo by Ashkan Forouzani on Unsplash

    غادة العمودي كاتبة

    كاتبة مستقلة، ولي عدد من المدونات والصفحات على مواقع الكتابة والنشر. أصدرت حتى الآن ثلاثة كتب. كتابين في الشعر، وكتاب مترجم نقلته عن الإنجليزية في قضايات التعليم والتقنية، بالمناسبة فأنا أيضا باحثة في قضايا دمج التعلم بالتقنية.