أنا محتالة

  • 5
  • 3٬552
  • قررت أن أبدأ تدوينتي الأولى باعتراف لم أخبر به أحدًا من قبل، أنا مصابة بمتلازمة المحتال.

    قبل عدة أسابيع تحدّثت لأعز أصدقائي شاكيةً الحال (أشعر أنني لن أنجح في عملي.. أشعر أنني خائفة دائمًا من الفشل.. أريد أن يتم كل شيء على أكمل وجه..أنا لست كاتبة جيدة) ظننت أنّي أعيش “وهم المثالية” حاولت جاهدة أن لا أنصت لكل ما تمليه علي نفسي، ولكن الحال لم يتغير بل على العكس ازداد الوضع سوءًا وبدأت بتحطيم قدراتي ولومها على قلة نفعها رغم أنّ هذا كله وهم وأن الحقيقة هي أن كل شي على ما يرام فأنا هي أنا وعملي كما هو..

    عاد لي صديقي بعد فترة وشاركني هذا المصطلح (imposter syndrome) قال لي: “ابحثي عنه أكثر أظن أنّه يشبهك هذه الفترة” لقد أصاب قوله وأدركت حينها أنّي أعيش ما يسمى بـ (متلازمة المحتال).

    أنت لست محتال

    هل تشعر أنّك في المكان الخطأ؟ هل يراودك الشعور بالفشل؟ هل تشعر أن مهاراتك وقدراتك ناقصة عن الآخرين؟ هل تشعر أن الجميع يستحق النجاح باستثنائك؟ لو كانت إجاباتك (نعم) يعني أنّك تعاني من متلازمة المحتال، لكن لا تقلق، فحسب دراسة نشرتها مجلة العلوم السلوكية أنّه 70% من البشر يعانون هذه المشاعر في مرحلة ما من حياتهم. تؤثر متلازمة المحتال على كثير من الشخصيات منهم الأطباء، الطلاب، الممثلين، المدراء التنفيذيين، وأحيان كثيرة الكُتّاب. ولأهميّتها قامت مجلة (هارفارد بزنس ريفيو) بنشرها على الموقع تحت قائمة المفاهيم الإدارية.

    إذًا ما هي متلازمة المحتال؟

    يشير هذا المصطلح إلى نمط سلوكي حيث يشك الأشخاص بإنجازاتهم وقدراتهم ويغلبهم الخوف دائمًا. ظهر هذا المصطلح لأول مرة في سنة 1978م حينما قام أخصائيو علم النفس الإكلينيكي (بولين كلانس) و (سوزان إيمز) بملاحظة هذا السلوك على البعض، وعلى رغم وجود أدلة خارجية لانجازاتهم إلأ أنّهم مقتنعين في ذواتهم أنّهم لا شيء ولا يستحقون هذا النجاح أبدًا، وبات ينطبق هذا المصطلح على أي شخص غير قادر على استيعاب ما يمتلكه من نجاحات وقدرات، وابتكرت (بولين كلانس) اختبارًا يمكنك من خلاله معرفة مدى مقدار شعورك بمتلازمة المحتال (للإطلاع على الاختبار

    تجد متلازمة المحتال في أماكن العمل غالبًا بيئة خصبة تمتد جذورها دون أن نشعر ويقع في فخّها معظم الموظفين والمدراء والرؤساء وأصحاب المشاريع فإنهم لا يرون الصفات الإيجابية في أنفسهم كما يراها زملاؤهم.

    حائط بينك وبين الإنتاجية

    لا يقف دور متلازمة المحتال على بث الطاقة السلبية في عقل الأشخاص فحسب، بل إنّها تؤثر على أدائهم المهني و ينتهي الحال بمشاعر النقص وعدم الكفاءة، وفي كثير من الحالات يتفاقم هذا الشعور ليؤدي إلى ترك الموظفين وظائفهم والانهيار تحت الضغط مؤمنين بكل تلك الأفكار والمخاوف بدلًا من محاولة إيجاد الحلول الممكنة ومعرفة الحقيقة.

    من أين يبدأ؟

    حينما باشرت عملي كـ (كاتبة محتوى وسيناريو للبودكاست) كنت مندفعة للكتابة بكل شغف رغم وقوعي في بعض الأخطاء مرة ومرتين وثلاث لم يكن يشعرني ذلك بالإحباط على العكس كنت أستمتع بها لأنّي أتعلم، شيئًا فشيئًا بدأت بالبحث عن الكمال، أريد أن تكون جميع النصوص مثالية ومدهشة للقراء والمستمعين، غافلة عن حقيقة (أن الكمال لله وحده)، أصبحت أقضي الساعات الطويلة على تعديل الكثير من النصوص (لا.. لا.. هذا النص غير جيد سأقوم بحذفه وإعادة كتابته.. لالا تبدو فكرة مبتذلة سأحاول تغييرها) ومنها بدأت مرحلة التسويف تشعر أنك لست مناسبًا لمنصبك، ولا يمكنك إنجاز العمل في وقت معقول ويسهل كثيرًا تشتيت انتباهك وينتهي الحال بضياع الوقت وهنا يسقط السؤال القاتل ويبدأ التشكيك الذاتي (ما الذي يمنحني الحق بأن أكون هنا؟)

    هل من الضرورة أن أتصرف؟

    يميل الناس في كثير من الأحيان تدني احترام الذات وتبرير ضعف أدائهم بالإشارة إلى مصطلح متلازمة المحتال ولكن هناك علامات تدل على مشاكل أخطر تسببها المتلازمة: 

    • مشاكل في الأداء والإنتاجية بسبب الشك الذاتي وقلة الثقة بالنفس.
    • الخوف من الفشل في اتخاذ الإجراءات لإنجاز العمل.
    • الخوف من النجاح ظنًا من الموظف أن النجاح سيجلب له مسؤولية لن يتمكن من التعامل معها.
    • التشتت والتسويف وقلة التنظيم.
    • البحث عن المثالية والكمال.

    إذا كيف أقضي على هذا المحتال؟

    الاعتراف هو الخطوة الأولى للتعافي، إن ملاحظة وجود هذا الشعور والاعتراف به بدلًا من الانخراط فيه يساعد النّاس في التخلي عن هذه الأفكار  وإعادة صياغتها.

    إن الفرق بين الأشخاص الذين يشعرون بمتلازمة المحتال عن الآخرين هو كيفية استجابتهم للتحديّات، إن أقرانك في العمل ليسوا أكثر ذكاء أو أعلى كفاءة وقدرة عن البقية، عليك أن تتعلم كيف تفكّر مثلهم، تعلّم تقدير النقد البنّاء وتذكّر أنّك تبطئ من أداء فريقك حين تتخلى عن طلب المساعدة، تذكّر دائمًا كلما زادت ممارستك لمهارة ما، زاد اتقانك.

    مشاركة ما تشعر به مع الأصدقاء أو زملاء العمل المقربين يزيد من طمأنينتك، فهناك الكثير من الأشخاص والمشاهير وأصحاب المناصب العليا يشعرون بما تشعر به. إن الشك في تقدير الذات شعور يأتي بشكل طبيعي والجزء المهم في التعامل مع هذا الشعور هو السيطرة عليه قبل أن يسيطر على أفعالك. 

    تذكّر انجازاتك وفكر بعمق في كل عمل شاق بذلته لتصل حيث أنت الآن واحتضن حقيقة أنك أنت من وصلت بنفسك، فبالتأكيد هناك الكثير من الجهود التي لا يعلمها أحد والصراعات التي عشتها وحدك تذكّرها وافخر بها.

    اعلم أن متلازمة المحتال ما هي إلا دليل على النجاح فالكثير من المشاهير والممثلين والعلماء والمدراء خاضوا نفس التجربة وشعروا بها.

    البلاء الذي تشاركه مع آينشتاين 

    أفنى آينشتاين حياته كباحث ولمع اسمه في كثير من النظريات، كان قد بذل قصارى جهده في سن الخامسة والعشرين محاولًا التوصل إلى ما أسماه (نظرية المجال الموحد) وهي نظرية من شأنها ربط المعرفة الموجودة حول الكهرومغناطيسية والجاذبية لشرح سلوك المادة والطاقة لكنّه مات قبل أن يحقق هذه النظرية. 

    خلال الفترة التي قضاها آينشتاين في معهد الدراسات العليا كان يخبر صديقه في بعض الأحيان عن شعوره بعدم الاستحقاق وأنّه يعاني من الشك الذاتي (أشعر أنّي مجبر تجاه نظرتي لنفسي كمحتال

    توفي أينشتاين سنة 1955 تاركًا لزملائه في المعهد سبورة مليئة بالمعادلات الفاشلة عن نظرية المجال الموحد كان أينشتاين يظن أنّه ابتلي بالفشل طيلة حياته!

    عزيزي القارئ أنت لست وحدك وليس كل ما يقوله عقلك صحيح، ربما تكون العقول الذكية مدمرة للذات، ولك في أينشتاين مثال.

    حينما قرأت مصطلح (imposter syndrome)  لأول مرة طرأ على مخيلتي لعبة Among us والتي انتشرت بشكل كبير هذه الفترة، ولكن الفرق أنّك في اللعبة أنت محتال حقيقي أمّا الواقع عكس ذلك. تبادلت أنا وصديقي تلك الليلة مراجع كثيرة حول هذا الموضوع وأخبرني أنني لست محتالة وأن لا أقلل من شأني أبدًا. 

    تذكّر دائمًا أنّك هنا لسبب وأنّك تستحق عملك وحياتك التي عليها، وكن على ثقة بأنك أفضل وأذكى مما تعتقد، أنت تعرف أكثر مما تثنيه على نفسك تذكر هذا دائًما وذكّر به نفسك كلما احتجت. يسعدني أن تشارك هذه التدوينة لمن تشعر أنهم يعانون من متلازمة المحتال أو ممن يقللون من شأن أنفسهم، كن الصديق العزيز وساعدهم.

    الهنوف الحربي كاتبة ومترجمة