جيمس راندي العجوز الذي سيغير حياتك

  • 2
  • 2٬256
  • جيمس راندي – بعد القفزات التقنية الجبارة التي عاشها العالم منذ الثورة الصناعية وحتى تقنيات الذكاء الصناعي، لم يتوقع أحد أن يكون في شباب الألفية، على الأقل، أشخاص يؤمنون بالخرافات على غرار ثني الملاعق بالاعتماد على التركيز أو الإسقاط النجمي. لكن في ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي التي تعج بخوارزميات هدفها أن تحاصرك بأفكارك الشخصية، أصبح من الصعب أن نسمع صدى صوت العقل. أصبح الوسطاء الروحانيون والمعالجون بالطاقة والسحرة المتمردون نجومَ عالم جديد تسوده أفكار هلامية تعتمد على مبدأ “صدق ما تشاء فكل شيء نسبي”. من بين هؤلاء السحرة، اختار جيمس راندي أن يكشف بعضا من أسراره، حتى يؤكد للعالم أن لعب الخفة لا يجب أن يتحول إلى وسيلة لأخذ أموال البسطاء.

    جيمس راندي

    كشف راندي طيلة مسيرته آلاف المتحيلين والدجالين، واستطاع أن يفضح الكثير من لصوص الأحلام وتجار الألم، وفي ما يلي بعض منها:

    1. ثني الملاعق مع يوري جيلر

    في كتابه الحقيقة حول يوري جيلر (the Truth About Uri Geller) والذي نُشر عام 1975 للمرة الأولى، روى راندي بلغة إنجليزية سلسة وبسيطة طريقة تعرفه إلى الشاب الإسرائيلي المشهور.

    في البداية كان يوري يزعم أن له طاقة داخلية تمكنه من ثني الملاعق، فقط من خلال التحديق بها. ثم تطورت القصة، وأصبح محط أنظار وسائل الإعلام التي جعلته واحدا من أشهر الروحانيين الذين يكسبون الملايين سنويا.

    الإعلامي الشهير جوني كارسون، والذي كان يقدم برنامج عرض الليلة التلفزي (The Tonight Show)، كان متشككا من مزاعم يوري جيلر، وقرر الاستعانة بلاعب الخفة المحنك جيمس راندي للتأكد من صحة قدراته الخارقة للطبيعة. وفعلا قام باستدعاء جيلر ليقدم على الهواء مباشرة، موهبته الخارقة للعادة، دون أن يُخبره بوجود مختص في ألعاب الخفة يريد كشف ألاعيبه.

    في البداية، كان جيلر في قمة ثقته بقدراته التي أبهرت العوام في الساحات، وعلى شاشات التلفاز، لكن ومنذ إدخال ملاعق حقيقية لم يتم التلاعب بها، تغيرت ملامح جيلر، ولم يستطع ثني أي ملعقة طول ساعات العرض.

    حيلة راندي كانت ببساطة، منع جيلر من استعمال أدواته التي حضرها مسبقا قبل العرض، فتم تقديم ملاعق ومفاتيح عادية، وانتظار “طاقة” جيلر الداخلية لثنيها.

    في مقدمة الإصدار الثاني للكتاب، تكلم راندي عن رسالته السرية التي لم تخرج للعلن مُسبقا. حيث أرسل لـ يوري رسالة مكتوبة بعناية هدفها عقد اجتماع سري ليجد مخرجا لهذا الشاب الذي ستصبح سمعته على المحك، قبل نشر النسخة الأولى.

    لكن ثقة جيلر العالية بنفسه، جعلته يرفض اللقاء ويتحدى جيمس، فلم يجد بدا من نشر الكتاب وكشف ألاعيب الساحر الصغير.

    2. جيمس راندي والعلاج بالإيمان

    في الثمانينات، كان بيتر بوبوف (Peter Popoff) يجني 4 ملايين دولار سنويا، بسبب قدرته على علاج الناس بقوة المسيح.

    كان بيتر يجمع طيبي القلب من المرضى والفضوليين في إحدى القاعات المغطاة (الخاصة بكرة السلة) أو المسارح، ثم ينادي كل شخص باسمه، ويذكر للناس مرضه، ويشفيه بكل بساطة بفضل إيمانه القوي وعلاقته المتينة بالرب.

    الكثيرون عادوا للمشي بعد شلل دام سنوات، وآخرون رأوا النور بعد فقدان بصرهم، وكل هذا أمام مرأى ومسمع من آلاف الحاضرين.

    “راندي الرائع” ذهب هذه المرة مع مرافق له، للتأكد من صدق مزاعم الرجل الأسطورة، وفعلا تم اكتشاف سره الصغير.

    ففور فتح جهاز راديو، والبحث بين الموجات قصيرة المدى، وجد راندي ومرافقه الموجة التي تستعملها زوجة بيتر، والتي كانت من خلالها تبث له تفاصيل المرضى وبياناتهم الخاصة. الزوجة الطيبة، كانت تقوم بالإشراف على عملية تسجيل الحضور الذين يريدون دخول عرض بيتر بوبوف، وكانت تأخذ بياناتهم الكاملة وأموالهم، ليُبهرهم بها زوجها في السهرة. 

    هذه المرة لم يعط راندي فرصة للمليونير بوبوف، بل نشر كل ما توصل إليه على شاشات التلفاز، وسمع الملايين صوت زوجته وهي تملي عليه أسماء ضيوفه وأمراضهم وعناوينهم، من خلال سماعته الصغيرة.

    وبعد هذه الحادثة، أصبح الكثير من المعالجين الروحانيين يتوخون الحذر، لحماية موارد ثرواتهم الطائلة!

    3. برنامج تلفزي لتوثيق القوى الخارقة للطبيعة

    مع كثرة المزاعم وإقبال العوام الشديد على الأساطير والخرافات، قرر راندي المرور إلى مستوى أعلى. عام 1989، قدم جيمس برنامج استكشاف القوى الماورائية (Exploring Psychic Powers)، بتحد قيمته 100 ألف دولار، لكل شخص يستطيع إثبات قواه الماورائية.

    حلقات البرنامج مازالت موجودة إلى اليوم في موقع youtube لكل من أراد رؤية التحديات التي قدمها أشخاص يزعمون قدرتهم على التخاطب مع الموتى، أو إيجاد الماء باستعمال العصي، أو حتى حدس البرج الفلكي للأشخاص من خلال التحاور معهم.

    وبعد مرور سنوات من العرض والتحدي، لم يستطع أي من المنجمين أو السحرة كسب المبلغ المالي المغري الذي تم طرحه في البرنامج. اعتمد راندي على خطط ذكية تضع المواهب المزعومة على المحك، على غرار جيمس هيدريك (James Hydrick) الذي زعم أنه قادر على تحريك الأشياء فقط من خلال التركيز.

    طبعا هذه الحيلة البسيطة لم تنطل على لاعب الخفة السابق راندي، وأحاط ورقات أحد الكتب بقطع إسفنجية صغيرة، وطلب منه قلب صفحة الكتاب دون تحريك الأجسام الأخرى، ليُثبت أنه يحركها بطاقته الداخلية لا من خلال نفخ الهواء عليها.

    4. تحدي المليون دولار مع جيمس راندي

    بسبب الجدل المتزايد حول فشل الروحانيين وأصحاب القوى الخارقة للطبيعة، قام جيمس راندي رفقة عدد من المنظمات، بترفيع مستوى التحدي إلى مليون دولار أمريكي، الأمر الذي استفز الكثيرين لخوض غمار التجربة ووضع سمعتهم على المحك.

    الشابة الدانماركية كوني سون (Connie Sonne) من أشهر الروحانيين الذين ترشحوا للفوز بالمليون دولار، والذين كان سقوطهم مدويا، حيث زعمت أنها قادرة على معرفة أوراق اللعب عبر استعمال قلادتها، لكن كان لراندي رأي آخر، حيث تم الاحتكام لتجربة تحاول فيها معرفة 3 ورقات من أصل 30 ورقة مخبأة في مغلفات صغيرة، لكنها فشلت على المسرح وأمام عدسات الكاميرا في إيجاد أي ورقة.

    الروحاني إبراهيم عدون أيضا شارك في التحدي، على أمل الحصول على جائزة قيمتها مليون دولار، معتمدا طلاسم وآيات قرآنية ليعرف محتويات غرفة مغلقة، لكنه فشل في تحديد محتويات الغرفة. ثم علل لاحقا هذا الفشل بعدم توافق موعد إقامة التحدي مع أيام سعده.

    5. كارلوس الروحاني المزيف

    في مستوى أعلى، أراد راندي أن يكشف للناس كيف يتم تناقل المعلومات الزائفة على شاشات التلفاز والصحف العالمية دون أدنى تحر أو تقص، حيث صنع روحانيا زائفا سماه كارلوس، ومع بضعة صور مزيفة من صحف محلية أسترالية أصبح الروحاني الزائف بطل شاشات التلفاز الأمريكية والموضوع الأول على صفحات الجرائد.

    كارلوس كان في الحقيقة أحد أصدقاء راندي، ونجح في إقناع الإعلاميين والجماهير بمهارته، وبعد أن حقق الشهرة والنجاح في أيام قليلة بفضل موهبة لا يمكن قياسها، وتتمثل في قدرته على التكلم مع الموتى، وقف جنبا إلى جنب مع جيمس ليعلنا للإعلام الأمريكي أنهما نجحا في خداعه، وأن عليه التحلي بمهنية أكبر، لكن حتى كارلوس لم ينجح في إقناع المؤمنين به أنه كان يخدعهم طول الوقت.

    لماذا لم ينجح راندي؟

    في إحدى محاضراته التي أقامها بدعم من مؤسسة جيمس راندي التربوية (James Randi Educational Foundation)، حكى راندي عن حيلة قام بها أحد الروحانيين، حيث زعم أنه قادر على تحريك علبة أعواد الثقاب فقط عبر وضعها على ظهر يده ثم التحديق فيها.

    الحيلة انطلت على عدد من الدكاترة الحاضرين، حيث قاموا بتحليل مكونات العلبة وأكدوا أنها فعلا علبة ثقاب عادية، وأنه استطاع تحريكها عبر قوة ماورائية. طبعا كلاعب خفة متقاعد استطاع راندي كشف الخدعة، لكن هذا ما لا يستطيع آخرون القيام به. 

    حادثة أخرى تكشف مقدار ضعف البشر على معرفة الحيل كانت عندما زعم أحد الهنود أنه قادر على البقاء لمدة 15 يوما دون طعام أو شراب. وقد انطلت الحيلة على الباحثين الذين راقبوه دون أن يلاحظوا أنه يشرب الماء خفية أثناء اغتساله.

    الشاب الإسرائيلي يوري جيلر أصبح اليوم كهلا ثريا يحيط به الملايين حول العالم ويؤمنون بقدراته الخارقة. أما بيتر بوبوف فمازال يحصد ملايين الدولارات سنويا، حيث حصل عام 2005 على أجر يناهز المليون دولار له ولزوجته، بينما حصل ابناه على 180 ألف دولار.

    آلاف الدجالين حول العالم يعيشون على آلام المرضى وخيبات اليائسين وطموحات المراهقين، ولا تكفي التجارب لإثبات تحيلهم أو زيف ادعاءاتهم. لذلك حاول أن تكون شمعة أخرى تنير العتمة من خلال نشر المعرفة والعلم، وكن سدا منيعا أمام الشائعات والحيل الرخيصة.

    للمزيد من المقالات الرائعة تعرف إلى مقال شمّاعات الفشل – السحر والشعوذة وما جاورها من الدجل.

    ميمون شكري مبرمج

    مبرمج ومهتم بالحلول مفتوحة المصدر.