رواية “كافي ريش” تاريخ مسيج بالأسرار!

  • 0
  • 0

  • بدأ الأمر بحلم للعودة إلى وهران أو كما يلقبها الجزائريون Deuxième Paris لتعود غزلان ريفيرا مجددا من خلال دعوة تلقتها بمناسبة احتفالية أقيمت تخليدا لذكرى افتتاح مقهى “كافي ريش ” الذي كان يرتداه الفرنسيون إبان الاستعمار الجزائري لتقودنا الكلمات إلى فترة حساسة من زمن الحرب (1962) تمهيدا للاستقلال من خلال معاهدة أقامها الفرنسيس مع الثوار الجزائريين لتأمين خروجهم بسلام تذكر الرواية كل الجرائم التي قامت بها منظمة السرية OAS التي كان ينضوي تحت لوائها كل المجرمين الناقمين على استقلال الجزائر وكانت شخصية “طاسو غريغوريوس ” عضوا بارزا فيها إذ اغتال “شيماء” الشخصية الجزائرية التي اختارت ان تكون صديقة غزلان بسبب كتابتها لشعر بلغة الفرنسيين هذا ما لم يستوعبه “طاسو” ليشك فيها ويغتالها ، لقد تحسست غزلان القلادة التي منحتها إياها شيماء كنوع من التشجيع النفسي لها للعودة ولكنها عودة مسيجة بتاريخ حافل من الدماء تستذكره غزلان في أحداث الرواية لتقرر حينها كتابة مذكرتها في مقهى كافي ريش الذي غير اسمه إلى مقهى” تيمقاد” بعد الاستقلال .
    تفكك الرواية حقيقة الأقدام السوداء في الجزائر وتغوص في تاريخهم الطويل من سفك دماء الجزائريين لتخط غزلان أول الحروف في أوراقها مستذكرة آخر ما قرأته عن الأقدام السوداء “شاهدة على حرب الجزائر ” يقتصر أمر رواية تاريخ الثورة على المجاهدين وكبار قادة الثورة ويتحاشى الجزائري أمر استنطاق الفرنسيس والأقدام السوداء وأحفاد “الڨومية”-الخونة- الذين قد تكون لديهم أسرار مخفية عن تاريخ الجزائر المغيب فأن تكتب بطلة الرواية غزلان تاريخها في الجزائر وتحكي عن فظاعة ما عاشه أهل المحروسة من قتل وتنكيل من طرف طائفة سرية أسند إليها مهمة الانتقام وتصفية كل من له كفأه أو دور في الاستقلال أمر نادر الحصول ، بين كلمة ‘ريش وتيمقاد’ تُخْتَزل الكثير من الأسرار و الدموع الأخيرة التي ذُرفت وآخر الكلمات التي سُمعت من طرف المجرمين الذين كانوا يخلفون وراءهم جثثا يعتبرونها رسائل مواجهة للعالم وبشكل خاص للحكومة المؤقتة آن ذاك .
    مقهى تيمقاد بملامح كافي ريش وفسيفساءه العتيقة رغم مرور الزمن إلا أن المكان لا يزال حيا بالأرواح التي سكنته، تستذكرها غزلان في أحداث الرواية لتقول لقد كنت هنا

    إن دقة السرد الحذر لتاريخ وبراعة الروائي في استلال كلماته جعلتني أطرح سؤالا بعيدا عن موضوع الرواية والسرد وهو ما مدى نجاح المنظمة السرية في مخططاتها وهل بقي أعضائها في الجزائر وهل هم بيننا اليوم ؟ أسئلة لا يمكن أن نجد لها أجوبة شافية لأننا لا نملك مصادر تجيبنا على مثل هذه الأسئلة والتاريخ الذي يُحكى لنا هو تاريخ مناطق وبطولات ثوار رحمهم الله إذ غالبا ما نجد ضبابية حول تاريخ اللحظات الحاسمة و المفصلية هذا العجز الحاصل في أعين التاريخ تسعى الرواية إلى ملأ فراغه من خلال التحقيق في روايات سرية تروى في المقاهي من طرف الشيوخ والمجاهدين يطاردها الكتاب مع توظيفهم للخيال، فالكثير من الحكايات التي حرمت من أن تروى بطريقة مباشرة كان القصاصون أو الرواة يضيفون لها لمسة إبداعية من مخيلتهم لتصل الرسالة ولا يصل صاحبها إلى العقوبات التي تجرم التفكير
    “هل تستطيع امرأة من الأقدام السوداء مثلي أن تكتب عن يوم رحيلها من الجزائر ؟ “
    هكذا تسألت غزلان ريفيرا في مونولوج درامي يملأه الكثير من الألم والحسرة عن تاريخها في هذا الوطن والذي فرت منه مرغمة لتعود وتكتب من نفس ذلك المقهى حول مأساة رحيلها; المميز هنا هو فعل الكتابة من طرف الآخر لتاريخه المظلم في الجزائر الكثير من الحكايات كانت لتتوضح عند القراءة ومقارنة الحكايات والتحقق من صحتها
    “من يهتم بغزلان وبأيام كافي ريش ؟شيماء هي البداية والنهاية ” هنا تسقط البطولة عن غزلان وعن مذكرتها بالرغم من أنها حققت حلمها في العودة إلى الأرض التي استعمروها سابقا إلى أن قلادة شيماء هي من منحتها الإذن بالعودة والسيطرة على ذلك الشعور بالخوف من استذكار الماضي بالرغم من زيارة الأقدام السوداء إلى الجزائر إلا أن أرواح الجزائريين هي من تمنحهم إذن العودة ليتذكروا وحشيتهم ،إن الأحداث التي كانت تخطها غزلان ريفيرا في مذكرتها يمكن القول عنها أنها صوت تأنيب الضمير الذي يلاحق المجرم في شيخوخته إذا اعتبرنا أن غزلان ريفيرا أحد أحفاد ديغول الذين عايشوا فترة الحرب
    لم يقتلع الفرد الجزائري أثار كافي ريش من جذورها بالرغم من التغيير الضخم الذي يقوم به وهو يتشبث بأصالته ويدافع عنها رغم ما يواجه به من عقبات نجدها في رواية كافي ريش للكاتب محمد فتيلينة والتي تجسد حقبة لا تزال أثارها بادية على هذا الوطن إلى يومنا هذا.

    نورالدين خنيش طالب دكتوراه