الفن ودروس من الحياة

  • 1
  • 1٬488
  • يذهلني الفن عندما يضطلع بدور المرشد المعلم لطريقة عيش الحياة، بالرغم من إيماني أن الفن سواء كان مكتوباً أو مرسوماً أو فناً مسرحياً أو سينمائياً ليس غرضه شرح الحياة وتعليمنا عنها بل تصوير الحياة وعكسها لنا نحن المتلقين مع اعطاءنا شعور المتعة الفنية من خلال عملية العكس هذه.

    وخلافاً لكتب التنمية البشرية المليئة بالوصفات السحرية للنجاح وتحقيق الأحلام ومؤهلات الناجحين فإن الفن قام بهذه المهمة على خير وجه، وأخص بالذكر هنا مسلسل نيتفلكس  الناجح “مناورة الملكة” والذي ارتفعت بسببه مبيعات الشطرنج وفيلم “فورست غامب” لتوم هانكس. وما ذكرتهما معاً الا لتَشَابُهُهُمَا بالنسبة لي في الأفكار وليس القصة، وخصوصاً فكرة النجاح وتحقيق الأحلام والتي تتلخص في نقطتين:

    1- أن الاحمق يعرف بأفعاله!

    فيلم فورست غامب يحكي عن طفل خامل الذكر ليس بألمعي صغيراً في عيون الناس الذين ما فتئوا يخبروه أنه غبي ولن يصبح ذا شأن عظيم في هذه الدنيا الواسعة لكن مقولة أمه الحكيمة: “أن الأحمق يعرف بأفعاله” جعلته ناجحاً.

    فقد بذل جهده ووجد هدفه في هذه الحياة وقام بواجبه تجاه وطنه وعائلته واصدقائه وحتى تجاه نفسه فأصبح ذو شأن يشار له بالبنان.

    فورست غامب أصبح ناجحاً لأن اهدافه واضحة يعرف ما يريده وهذا ما كانت تفتقده صديقة طفولته “جين” الذكية الجميلة، فبسبب صدمة حدثت لها في طفولتها أصبحت تائهة مشتتة تتخبط في هذه الحياة لا تعرف ماذا تريد فتارة تسلك هذا الدرب وتارة ذاك.

    وأيضا بطلة “مناورة الملكة” “بيث” برغم ذكاءها في الشطرنج والرياضيات إلا أن ماضيها الأليم وإدمانها للمخدرات والشرب يعوقانها عن الوصول للقمة ولم تصبح بطلة العالم في الشطرنج إلا عندما تولت زمام حياتها و تركت الادمان والتصرفات الطائشة وجعلت هدفها واضحاً أمام عينيها وهو الفوز ببطولة العالم للشطرنج.

     وهكذا نالتها.. مما يثبت لنا أن العبقرية ليست سر النجاح بل المثابرة والاجتهاد، وهذا ما نراه واقعاً في الحياة فليس كل النجاحين عباقرة ألمعيين، فالمرء حيث يضع نفسه وحكاية الأرنب والسلحفاة هي  حقيقة لا ريب فيها فالخطوات الواثقة الدؤوبة سر النجاح!

    2- الحياة مليئة بالمفاجآت كعلبة حلوى مليئة بالنكهات

    ومما يحسب لفيلم “فورست غامب” ومسلسل ”مناورة الملكة” أن الأحداث التاريخية فيهما مثل حرب فيتنام و تأسيس شركة آبل والحرب الباردة بين روسيا وأمريكا هي مجرد أحداث في خلفية القصة ولم تكن ذات تأثير مباشر على الأبطال بل كانت مجرد يوم آخر وعقبة أخرى عليهم تجاوزها وإن حبكة القصة وعقدتها تكمن في قدرة أبطال الحكاية في التغلب على صعوبات الحياة نفسها وصراعاتهم النفسية.

    فالصراع عند فورست غامب أن لا يحيد عن دربه ومبادئه ويثبت سوء حكم الجميع عليه. بينما عند “بيث” كان في التغلب على مخاوفها الداخلية التي كادت أن توردها مورد التهلكة.. لذلك كان لزاماً عليها أن تبتعد عن درب الهلاك و أن تتمالك أمورها جيدًا لتصل للقمة.

    ولذلك أقول أن فورست غامب رسالة من الجيل السابق لللاحق بأن عليه أن يعيش الحياة بحلوها ومرها ويتقبلها كما هي.

    فهي ليست نعيماً مقيم ولا مرار دائم، بل مزيج من هذا وذاك، لذلك كان تقبلها والرضى بها هو النضج الحقيقي كما يقول الشافعي:

    دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ

    وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ

    وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي

    فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

    وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً

    وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ! أما “مناورة الملكة” فهو تذكير للنفس بالرضى والتقبل وعدم الأسى على ما فات والتعلق بالماضي فنحن بشر خطائين وأن الغرق في الندم ورفض الأخطاء لن يجلب لنا الا التعاسة والنفس لن تسعد إلا إذا تصالح شُقيهَا الصالح والطالح وعاشا في سلام.. فالتسامح والغفران شرط للحياة ولكن عليه أن يبدأ مع ذاتك أولا فلا ترفضها بل تتقبلها كما هي وإن كان كره الآخرين مُدمر فإن كره الذات وعدم مسامحتها قاتل!

    مشاعل الهذلي كاتبة