لو كانت الحياة عادلة

  • 4
  • 1٬304
  • لم يُخطئ فيكتور فرانكل عندما وصف في كتابه التوثيقي «الإنسان يبحث عن معنى» ما جرى في معسكر أوشفيتز النازي بالقول: أنّ السجناء هناك كانوا قُبيل موتهم يهذون بشيء أشبه ما يكمن تسميته بـ «وهم الإنقاذ» إذ كان كل سجين يعتقد أنه لا يمكن أن يموت هكذا وهناك، لا يمكن أن ينتهي بهذه البساطة والسخرية، كان دائمًا يؤمن أن هناك أحد ما سيتدخل، أن هناك مَن سيأتي لينقذهم. لكنهم ماتوا. ماتوا ببطء شديد. وهو ما عرّفه بعدها بوهم الإنقاذ. تركيبة مؤلفة مِن كلمتين. إنقاذ خيالي لا وجود له، ووهم لأنه قائم فقط في أذهان سجناء لا أمل لديهم قد تبقى.

    حالة أشبه بأن تسقط في بئر النبي يوسف لكنك لست نبيًا! أنت إنسان عادي جدًا. حينها لن تمر القوافل كي تلتقطك. ستبقى وحيدًا في الظلام، تنظر إلى الأعلى وعيونك مفتوحة نحو الأمل. أمل أن يأتوا ويحملوك بعيدًا… نحو عالم جديد. عالم فيه عزيز مصر وامرأته. عالم تكون فيه أنت مهمًا، ذو قيمة. عالم صعب البلوغ لكنه يستحق، وتعد نفسك بأنك قادرٌ على التماهي معه.

    لكن كل هذا لن يحدث، لا أمل لك في الإنقاذ. ستترك في البئر وحيدًا لتموت ببطء. تموت وأنت تنظر للأعلى في انتظار قافلة لن تأتي أبدًا. قافلة قد مات صاحبها وتشردت جمالها في الصحراء تائهةً. تموت ببطء يخنقك تدريجيًا…

    يقول البعض أنه مِن المهم في هذه الحياة أن تترك أثرًا طيبًا وراءك، وهذا قد يكون خاطئًا بشكل ما لأن البعض يترك ندبة والبعض يترك شيئًا جميلًا. ولعلهم بشكل ما كليهما قد تركوا أثرًا وراءهم على الرغم مِن سلبيّة أحدهم وإيجابية الآخر، إلا أنه في معظم الحالات حتى الأثر بسوئه وطيبهِ لن يبقى.

    نأخذ مثلًا عالمًا شهيرًا كفرويد أو ألبرت آينشتاين. آينشتاين نعم قد ترك أثرًا عظيمًا بعد وفاته. لكن يجب أن تعي تمامًا أن عمر الجنس البشري 300 ألف سنة. آينشتاين فقط أثره معروف لمن ولدوا بعده. أي بعد عام 1950. بينما ما قبل ولادة آينشتاين أي لمدة حوالي 290 ألف سنة لم يسمع أحدهم به أساسًا! بمعنى أن الأثر موضوع زمني لا أكثر. يتعلق بموقعك على محور الزمان، وأثرك مَنوط بمن يأتون في نقطة بعدك لا قبلك.

    وكما قلت، البعض يترك ندبة أيضًا، ليس شرطًا أن يكون أثرًا جميلًا. كأدولف هتلر وستالين وكل السفاحين. هؤلاء مشاهير وحفظهم التاريخ لأنهم تركوا بصقة في جبين التاريخ لا أثرًا طيبًا. لكن التاريخ يحفظ الجميع. سواءً كانوا أشرارًا أم طيبين. على العكس، ربما للسيئين أولوية أيضًا.

    ولعلَ هنا تكمن فكرة المخلص ولماذا قد تبنتها العديد من المذاهب الفكرية عبر التاريخ، إذ دائمًا وجدت فكرة المخلص؛ ذلك الإنسان الذي سيأتي في النهاية ليحقق معه العدل والأمان والنصر أملاً في الإنقاذ، أملاً في الخروج مِن البئر المظلم.

    لكن هذا لن يحدث، لن يأتي أحد كي ينقذك. ذلك المخلص ما كان سوى شماعة أمل كي تستمر في المضي نحو الأمام منتظرًا في جدران البئر الباردة. لن يأتي أحد، لا قافلة ستمر، أنت لست يوسف. أساسًا لم تعد القوافل موجودة مِن أصلها، أنت تعيش في القرن الـ 21. لم تعد قوافل الجمال تعدو، لقد غدى طريقها منتجعًا ومصحًا لعلاج الأمراض النفسية وإعادة تأهيل الشباب اليائسين، لقد تبدّل كل شيء. قلبَ الفحم الحجري عالمنا رأسًا على عقب، غيّر المحرك البخاري كل المعادلات.

    يعتقد بعضنا أن الحياة تملك توجهًا رحيمًا وأنها ستمنحك فرصة أو مثلًا تراك قد تحطمت فتعطيك فاصل راحة كما في حلبات الملاكمة والمصارعة، عندما يسقط المصارع على الأرض يمنع الحكم الخصم من الإجهاز عليه حتى يستعيد وعيه. في الحياة التي نعيشها هذا لا يحصل، خصوصًا إن كنت متابعًا للأخبار وترى أن الإجهاز على الناس والمجتمعات يتم في أسوء أيامهم. وكأن لكمة واحدة لا تكفي، فيأخذون المزيد والمزيد.

    لهذا كان حقًا علينا أن نقول بأن هذه أوهام، لا أحد سيدفع لك منحة كاملة التكاليف لأجل فرصة أخيرة تأتي إليك، لا أحد ينتظرك يا صديقي، ستنتهي إن أتيت أو لم تأتي. وصلت إلى خط النهاية أم لم تصل. قدمت عرضك الأخير أو لم تقدمه. الحياة لا تبالي.

    حينها تمامًا تدرك أن العمل واجب عليك. فلا أحد سيخرجك مِن بئرك إلا نفسك. لا مخلّصون ولا أوهام ولا تخيلات طفوليّة بتدخلات خارقة لأجلك. اخلع عن عينيك غشاوة وهم الإنقاذ هذه.

    حينها فقط تفكّر بالتسلّق والخروج لتصدق حينها أن المخلص حقيقي، وقد أتى وأنقذك، لكن ذلك المخلص لم يكن سوى أنت نفسك. لا رجلًا آخرًا يأتي في نهاية الزمن، إنما رجل يخرج مِن الداخل. إنسان يُولد في بئر مظلم جدًا. بئر أشبه بذلك الذي كان فيه النبي يوسف، لكن في زمن آخر لا أنبياء فيه، لا قوافل تمر. لا شيء سوى أنت ونافذة ضوء في الأعلى كنت قد قررت أن تعبر إليها.

    لو كانت الحياة عادلة يا صديقي لما كان يجب أن يحدث كل هذا، تمامًا كما قالها الكنفاني منذ زمن بعيد مخاطبًا صفيّة: أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث هذا كله. لكنه حدث يا صديقي. حدث بأشد صيغة له. حدث بأقسى أشكاله. حدث بكل ما فيه من قيح ووذمات ودمامل تؤلمنا. لقد حدث. الحياة ليست عادلة، عوّد نفسك. لكن إن أردنا الدقة أكثر ستكون العبارة: الحياة لم تكن عادلة يومًا ولم تعدك بذلك أيضًا. لذلك عوّد نفسك عليها!

    عبدالرحمن عرفة مدير قسم المدونات

    طبيب أسنان ومسؤول قسم المدونات في مجتمع أراجيك. مُهتم بقضايا الفكر العُليا على اختلافها، أحاول رؤية العالم والنظر لقضاياه مِن زاوية مُنفرجة. سعيد بالتواصل معك عبر مختلف الوسائط. مدوّنتي الشخصية: Arafa.Blog