أنطونيو الصَّغِير (ذو الشّعرِ الأَبيَض)

  • 1
  • 992
  • قِصَّة قَصِيرَة كتابة: آنا ماريا بانونتو

    تَرجَمِة: حَلا الجَابر

    الثّامن عشر من ديسمبر، عام ألفٍ وتسعمئة وستة وخمسين
    سفينة الخطوط الإيطاليّة، الدّرجة السّياحية
    نابولي، هاليفاكس 

    لقد وصلنا تقريبًا إلى كندا, لقد كانت رحلةً طويلةً – أحدَ عشَرَ يومًا على متنِ سفينةٍ كبيرة – بيانكامانو؛ سفينة الخطّوطِ الإيطاليّة- على وجهِ الدِّقة. هذه هي سفينةُ الرّكّابِ التي تعبرَ المحيطَ الأطلسيّ وتنقل جميعُ المهاجرينِ الإيطاليّين إلى الرّصيف 21، هاليفاكس، كندا.

    أتعلم، ظننتُ حقًا أنّني لن أركبَ على هذه السّفينة، فأنا أعاني من دوّار البحر، لكن لم يكن لديّ أدنى فكرة أنّني سأمرض طوالَ الوقت. إذا كنتَ تفكّر في الهجرة عن طريقِ السُّفنِ – نصيحتي هي ألّا تفعل ذلك! السُّفن مخيفة وغير مُريحة، خاصّةً أثناءَ العواصف.

    كل ما تحدّثت عنه أمّي هو هذه الرّحلةُ إلى كندا. كانت تستيقظُ عندَ بزوغِ الفجرِ لتخيطَ ملابسنا المثقوبة، كقمصانَنا، سراويلَنا وجواربَنا. بعد ذلك، كانت تحزمُ البطانيّاتِ، الأطباقَ والمناشفَ، وتصنع أشياءَ صغيرةً قد نحتاجها لكندا، كالأوشحةِ المحبوكةِ بعناية، والقبّعات الصوفيّة. الصّوفُ مُكلفٌ وغالي الثّمن (كنتُ أسمعها تردّد هذا). كان لديها آلةَ خياطة صغيرة، كانت دائمًا بجوارِ سريرها، تصدرُ صوتًا صاخبًا أثناءَ العملِ، أعتقدُ بأنّها لجدّتي. في كلِّ صباح، كانت تُعدُّ لنا فطورًا صغيرًا وتتركهُ على المائدة. دومينيك، أخي الأكبر، كان يأخذُ دائمًا معظمَ الطّعامِ ويتركُ لي وكوزمو القليل جدًا. كان يذهب لمساعدةِ أمّي في مزرعتِنا الصّغيرة. كان لدينا مزرعةً جميلةً ولكنّها صغيرة، حيث كانتِ الأرضُ مُلْكًا لأجدادِ أبي. كان لدينا دجاج وبعض القمح، واثنينِ من أشجارِ التّينِ والزّيتون.

    لقد ولدتُ خلالَ الحربِ العالميّة الثّانية – قبل عامينِ من انتهائِها. كانت أوقاتًا صعبةً وقاسية. كان أبي جُنديًا، وعاد من جديد إلى المنزلِ في ذلكَ العام. كنتُ أسمعهُ يقول أنّه سُجِنَ في اليونان لمُدّةِ عامين. حتَى أنه تعلّمَ كيفَ يتكلّم بِضعَ كلماتٍ باليونانيّة. لم يشتكي كثيرًا، لأنّه قال أنّ هناك جنودًا آخرين يعانونَ أسوأَ منهُ بكثير. كنت أعلمُ أنّه فقدَ نصفَ إصبعَهِ خلالَ الحرب. لكن هذا لم يُزعجهُ كثيرًا. كما كوّن بعضَ الأصدقاءِ هناك – بعضهم من يوغوسلافيا. إنّهم أناسٌ طيّبون.

    على أيِّ حال، لقد أسموني على اسمِ زيو أنطونيو، وهو اسمُ الأخ الأكبر لأبي. اعتقدوا أنّه قد ماتَ خلال الحرب. لكنَه في الحقيقة لم يكن كذلك. بعدَ فترةٍ وجيزةٍ من ولادتي، عادَ زيو أنطونيو إلى المنزل. كانت زوجتَهُ، زِيا ماريا، سعيدة للغاية، ولذلك قد أطلقَ والديَّ عليّ اسمه. على ما يبدو، قد عانى عمّي زيو أثناءَ الحرب، ومرّ بأوقاتٍ عصيبة. لا أعرف كلّ التّفاصيل، عدا أنّه كانَ أصمًّا في أُذنٍ واحدة.

    عندما كنتُ أصغرَ سِنّاً، كنتُ أرى بعضَ آباءَ أصدقائي يمشونَ في السّاحة وهم حزينون ويبكون بلا سبب. بعضُهم كان يتصرّف بشكلٍ غريبٍ جدّاً- على سبيل المثال، اعتقدَ رجلٌ أنّنا جميعًا جواسيس ألمان، وكان يحمل سكّينًا معه أينما نذهب. ثمّ، كان يصرخ: “احذروا أيّها الجنود!”، لكن بعض الرّجال لا يغادرونَ منازلَهم، ويشربونَ الخمرَ طوالَ اليوم، ويضربونَ زوجاتَهم وأطفالَهم. على ما يبدو، لم يكن هؤلاءَ أسوياءَ عقليّاً، الحمد لله، لم يكن أبي كذلك. كان عادةً سعيدًا ويستمتعُ بالخروج. تعرف لماذا؟ لأنّه موسيقيّ. يعزفُ على الأكورديون. الجميعُ في القرية يعرفُ أمّي- بالمناسبة اسمها ماريا لويزابأنّها “زوجة الموسيقيّ”.

    اسمُ أبي دوناتو، كان يعزفُ الأكورديون أينما ذهب – في المنزل، السّاحة، حولَ المزرعة وبالطبعِ في الحفلات. يقول أنَّ عزفَ الموسيقى يجلبُ الفرح والبهجة للجميع، ويخيفُ الشّيطان. كما قالَ أنّ الشّيطان هو من خَلَقَ الحرب. لم أفهم حقًا ما كانَ يقصدهُ بذلك؛ لكنَهُ دائمًا ما كانَ يضحك بوجهٍ بشوشٍ عندما يقولُ ذلك.

    بعدَ أن غادرَ أبي إلى كندا، قبلَ أربعِ سنوات، كان على أمّي أن تعتني بالمزرعة بنفسها. كنت في التّاسعةَ من عمري فقط. كان أخي كوزمو في الثّانيةَ عشرة من عمرِه، وكان أخي الأكبر دومينيك في السَّابعةَ عشرة. كان علينا جميعًا مساعدَتها، لكن دومينيك قام بمعظم العمل الشّاق. لذلك، كان يُملي أوامرَهُ علينا كثيرًا ويتحكّم بنا. لم يكن لديهِ الوقتَ للخروجِ مع أصدقائِه، لأنّه كان دائمًا مُتعبًا في المساء. كنتُ لا أزالُ أذهبُ إلى المدرسة آنذاك. يا لي من محظوظ!

    أحيانًا كنت أسمعُ أمّي تبكي في الّليل. كانت غِرفَنا بجوارِ بعضها البعض. كنت أشعر بالحزن تجاهها. منزلُنا صغيرٌ مصنوعٌ من الحجر، ولكنّه متينًا. أتشارك غرفة مع شقيقيّ، وكان أسوأ شيء بأننا ننام جميعنا على فراشٍ واحد. لم يكن لدي مساحةً كبيرةً في ذلك السّرير، أصبحَ الأمرُ أكثرَ إزعاجًا كُلّما كبرنا. يأخذ دومينيك دائمًا أكبر مساحة. إنَه الأكبر، لذا يمكنهُ أن يفعلَ ما يشاء. لم أمانعْ كثيرًا، لكن هذا كانَ يزعجُ أخي الآخرَ، كوزمو. كانا يتشاجران كثيرًا. أمّا أنا فقد كنت أكره الشِّجَار، لذا تعلّمتُ أن أهتمّ بشؤوني الخاصّة فقط.

    “مزرعتُنا الصَغيرةُ لا تعملْ بشكلٍ جيّد. كيفَ سنعيشُ؟ هذا البلد كارثة ” كانت أمّي تكرّر هذا الكلام دائمًا، وتعيدهُ على مسامِعنا كثيرًا.

    غادرَ أبي قبل بِضْعِ سنواتٍ مع زيو أنطونيو واثنينِ من أبناءِ عمومَتِه. أتذكّرُ اليومَ الّذي غادرَ فيه. كانَ معهُ حقيبةً صغيرةً واحدةً فقط، وبدَا حزينًا. كانت أمّي تبكي قليلاً، وليس كثيرًا. قالت لهُ: ” الشَجاعة دوناتو الشّجاعة”. بالطبعِ، أحضرَ الأكورديون معَه. كان اليومُ الّذي غادرَ فيه يومًا ممطرًا. أعطتهُ أمّي المظلّة الوحيدةَ التي كانت لدينا. كانت مظلّةً سوداءَ كبيرة. لقد أخبرنا أن نكون أولادًا جيّدين ونعتني بأُمَنا. لم نكن نعرف متى سنراهُ مرّةً أُخرى. وعدنا بكتابةِ الرّسائلِ، وإرسال الأموال. لقد أرسلَ بالفعل بعضَ المال، لكنّه لم يكن كافياً. كنا نرتدي نفسَ الملابسِ، ونتناول نفسَ الوجبات (بالكادِ أيّ لحمٍ) ومع مرورِ الوقت، أصبحتْ أمّي تشعرُ بالإحباطِ أكثرَ فأكثر.

    آه، العودة إلى الواقع الآن، لم أتناول الكثيرَ من الطّعام على هذه السّفينةِ وكذلك أمّي. كنّا نُصاب دائماً بدوّار البحر. شعرتُ وكأنّني سجينٌ محاصرٌ في قمْرَتِنا (مقصورتنا). كانت صغيرة جدًا لأننا سافرنا في الدّرجة السياحيّة. بالمناسبة، كان معظمُ المهاجرينَ يسافرون في الفئةِّ السّياحيّة. كانت الكبائنُ في الجزء السّفليّ من السّفينة وهذا ما جعلها صاخبة، ذات رائحةٍ كريهةٍ ومخيفة. في كل مرّة، عندما كنتُ أُلقي نظرةً خاطفةً من النّافذة الصّغيرة وأرى المحيط، كنت أتقيّأ في كيسي الورقيّ. كان منتصفُ رحلتنا هو الأسوأ. عندما دخلنا المحيطَ الأطلسيّ، شهدنا عاصفةً استمرّت ليومين تقريبًا. في هذينِ اليومين، تقيّأت أنا وأمّي عشْر مرّات. أتمنّى ألّا أرى كيسَ ورقيًّا مرّة أخرى. وعلاوةً على ذلك، لم يكن لدينا الكثير من الضّوءِ داخلَ مقصورتنا، وهذا جعل الأمور أسوأ، لذلك عندما أتقيّأ، كان يتّسخ سروالي أحيانًا. أمّي المسكينة، كانت تُنظَفني على الفور رغم أنَها كانت مريضة أيضًا. قلتُ لها لا تفعل ذلك، إنّني لم أَعد طفلاً. عمري ثلاثةَ عشرَ عامًا، لكن بالنسبة لها، سأظلّ دائمًا طفلها. الجميع يخبرني أّنّني المفضّل لديها.

    كان إخوتي محظوظين لأنّهم لم يُعانوا من دوّارِ البحر، لذلك تجوّلوا في الطّوابق العُليا خلال النّهار، وكوّنوا بعض الصّداقات. لم يفعلوا ذلك كثيرًا، خاصّة عندما كانت الرّياحُ عاصفةً. لكن، على الأقلّ، كانوا يتنفّسون الهواءَ النّقيّ. مع مرورِ الأيّام، أصبح الطّقسُ أكثرَ برودة. يقولون إنّ كندا بلدٌ شديدُ البرودةِ، وأنّ فصلَ الشّتاءِ يستمرّ ستّةَ أشهر.

    كان هناك العديد من الإيطاليّين على متنِ السّفينةِ – لكنّ ليس كلَّهم ​​من منطقتِنا. نحن من كامبوباسو. نقطن في الجنوبِ الشّرقيِّ على ساحلِ البحر الأدرياتيكي. لدينا مدينتان كبيرتان: تيرمولي وكامبومارينو. أتذكّر قولَ معلّمنا في الصّف الساّدس بأنّنا فقط ثلاثمئةِ ألفَ شخصٍ. أعتقد أنّ هذا ليس بالكثير من النّاسِ. عائلتي من ريبابوتوني – وقريتُنا صغيرةٌ جدًا وقريبةٌ من الجبال.

     يا إلهي، الجوُّ باردٌ هنا! الرّيحُ قويّةٌ، وتلذعُ وجهي. لقد غادرتُ للتوّ المقصورة لأتنفّس بعض الهواء، أمشي على طول السّطحِ الّذي يقع في الطّرف السّفليّ من السّفينة. لذا، فإنّني أسمعُ صوتَ المحرّكِ العالي الّذي يؤلمُ أُذني. أرتدي حذاءً قديمًا باليًا، لدرجة أن النّعلَ كادَ ينفصلْ عنه. أجدُ صعوبةً في المشي فيه، وأقدامي تزداد برودة، ولكنّ على الأقل سُترتي الصُّوفيّة تجعلني أشعر بالدّفء. لقد صنعتها لي أمّي بالمالِ الّذي جنتهُ قبل أن نغادرَ في رحلتنا. وصنعتْ واحدةً لـ كوزمو أيضًا.

    لم يكن الطّعامُ على هذه السّفينة سيّئًا، لكنّني ما زلتُ لم آكل كثيرًا. أعتقدُ أنّني فقدتُ بعضَ الوزنِ لأنَّ سروالي يبدو أكبرَ من المعتاد. كانوا يقدّمون ثلاثَ وجباتٍ في اليوم – الإفطار، الغداء (عادة ما يكون حَساء) والعشاء. اليوم، أشعر بتحسّنٍ كبيرِ لأنّني لم أتقيّأ. لقد انتهينا للتوِّ من تناولِ الحساء. كما ذكرتُ مسبقًا، الجوّ بارد حقًا على هذه السّفينة، ويمرض الكثير من النّاس من حولنا. فهم يسعلون في كلّ مكان! هناكَ الكثيرُ من الأطفالِ الّذين يبكون أيضًا. لقد وصلنا تقريبًا إلى هاليفاكس. ساعةً أخرى تفصلنا عنها.

    ارتدت أمّي ملابسها للتوّ. إنها تبتسم وتبدو متفائلة. كلما ابتسمتْ، تلمعُ عيناها الزرقاوان. ارتدتْ أجملَ فساتِينها. هذا هو اليوم الّذي ستقابل فيه أبي مرّة أخرى بعدَ أربعِ سنوات. ولكنّها، تحزمُ بقلقٍ واضحٍ كلّ ما لدينا من أشياء في حقيبتنا. سألتها عمّا إذا كانت هناك أيُّ سيّاراتٍ في كندا. إنّها لا تعيرني أيَّ اهتمام. أسألها مرّة أخرى. تبدو منزعجةً وتصرخُ قائلة: “هناكَ كلُّ شيءٍ في كندا” وأن أتوقّف عن سؤالها عن السّياّرات. وتضيف أنّه ليس لدينا المال لشراءِ سيّارة. لكنّي أحبّ السّيّارات! لماذا لا تفهم هذا؟ ثم سألتها سؤالاً آخر- إذا كان عليّ الذّهابُ إلى المدرسة في كندا. قالت إن عليّ الذهاب إلى المدرسة. هممم … الآن، تقول لي أن أذهب لأغسل وجهي وأمشّط شعري لأننا سنصعدُ على متنِ السّفينة في غضون ثلاثينَ دقيقة.

    عندما أغسل وجهي بالماءِ شديد البرودة، أتخيّل نفسي في كندا. لم أذهب إلى المدرسة منذ عامين. هل سأحبُّ المدرسة في كندا؟ ألستُ أكبر من أن أذهبَ إلى المدرسة؟ عمري ثلاثةَ عشرَ عاماً! هل سأكوّن صداقات؟

    أفتقدُ أصدقائي! كان أعزُّ ثلاثةَ أصدقاءٍ لي: فينشينسو، بيبه، وجوفاني. لم يكن من السّهلِ قول وداعًا لهم. كان ذلك اليومُ صعبًا بالنسبة لي. كان أصدقائي الآخرين قد غادروا بالفعل إلى كندا وثلاثةً منهم إلى أمريكا. أشعر بالحزن الآن، تسقط دمعة من عيني، لكنّي سأمسحها بسرعة. أنا أكبر من أن أبكي.

    آه، أيّام الخوالي! عندما كنّا نلعبُ كرةَ القدم في حقلٍ قاحلٍ ليس بعيدًا عن المنزل. كانت لدينا مساحةً كبيرةً، وكنّا نذهب إلى هناك بعدَ المدرسة مباشرة. لقد استمتعت بلعبِ كرة القدم، لكن كُرتنا كانت قديمة حقًا. كنّا بحاجةٍ إلى واحدةٍ جديدة، لكن لم يكن لدى أحدٍ المالَ لشراء واحدة. في بعض الأحيان، نركب دراجاتنا نصفَ المكسورة، وأحيانًا نُشعل نارًا. وعندما أردنا أن نكون شقيّين وأن يضجّ بنا الحماس، كنا ندخن السّجائر ونشرب الخَمر. كان من الصّعبِ الحصولَ على السّجائر – كان علينا سَرِقَتَها من البالغين. كان الله في عوننا لو تمّ القبض علينا! لكن حقيقةً، لقد تم القبض علينا، ولأكون صادقاً أكثر، تمّ القبض علينا عدّة مرات، لكننا لم نأبه لذلك.

    مادتي المفضّلة في المدرسة كانت الحساب والجغرافيا. اعتاد أساتذتي إخباري بأنني كنتُ ذكيًا جدًا. لدي هذه القدرة على عَدّ الأرقام في رأسي. كنت أساعد زملائي الّذين لم يكونوا جيّدين في الحساب. أحب مساعدة النّاس لأنّ ذلك يجعلني أشعر بالرّضا والسّعادة. لكن لا تطلب مني كتابةَ أي شيء أو تدوينه؛ فالأفكارُ أحفظها كلّها في رأسي.

    لقد تعلّمت أيضًا بعضَ الحقائقِ المثيرةِ للاهتمام عن بلدي. ربّما سأشارك هذه الحقائقُ مع أصدقائي الجدد في كندا. علمتُ أنّه في عام ألف وثمانمئة وستة، أصبحت موليزه -المقاطعة التي ننحدر منها- مستقلّة. قبل ذلك، احتلّنا الفرنسيّون. سمعت أن النّاس يتحدّثون الفرنسيّة في مونتريال. علمتُ أيضًا أن لدينا واحدة من أقدم الكنائس في لارينو وهي ليست بعيدة جدًا عن بلدتنا. زرنا هذه الكنيسة عندما كنت صغيرًا جدًا. يطلق عليها، سان بارتولوميو. تم بنائها في القرن الخامس قبل الميلاد. أعلم أيضًا أن لدينا قلاعًا كبيرة، لكنّي نسيتُ أسماءَهم الآن.

    يستحوذ على تفكيري الآن، صورة تلك الفتاة، كانت في صفّي السّادس. كان اسمها روزا. كانت لطيفة جدًّا. أحببتُ مشاهدةَ ابتسامتها. كانت تبتسم لي طوال الوقت، وتقول لي إنّني ذكيّ. في بعض الأحيان، كنّا نسير إلى المنزل معًا. عاشت على بُعدِ بضعة منازل أسفلَ الحيّ. على أيّ حال، لقد كانت تتحدّث كثيرًا، لكني أعتقد أنّ معظم الفتيات يتحدّثن كثيرًا. كان لديها هذه العادةُ المضحكةُ لتخطّي أي شيء، في كلِّ مرّة كانت فيها متحمّسة لشيء ما! لقد وجدت هذا لطيفًا ومُحبّبًا. كانت تعرف الكثير عن الحيوانات والحشرات. كان حلمُ روزا أن تُصبح طبيبة. أعتقد أنها ستنجح. غادرت عائلتها إلى أمريكا منذ عامين. أتمنى أن تكون سعيدة.

    الجزء الوحيد الذي لم يعجبني حقًا في المدرسة هو أن الجميع كانوا يسخرون من شعري. الآن، شعري أثر قتامة وأغمق ممّا كان عليه. لكن عندما كنت أصغر بـ 7 أو 8 سنوات، كان لديّ شعرًا أبيض. قال الجميع إنّني غريبُ المظهر. لا أعرف لماذا كان شعري أبيضًا! على الأقل لديّ شعر. لا أريد أن أكون مثل أبي. يقولون إنّه فقد معظمَ شعره عندما كان في التاسعة عشرَ من عمره. أتفقّد شعري كلَّ صباحٍ، وأسحب الجذورَ لجعله أقوى ثم أقوم بتمشيطه. أتحدّث إلى شعري وأطلب منه ألّا يتساقط. إخوتي يعتقدون أنّني مخبول وغريب الأطوار.

    هاليفاكس ، الرّصيف البحريّ 21/ الميناء  21

     أستطيع أن أرى الأرض الآن! كل شيء يبدو مسطّحًا وفارغًا. ليس ما كنت أتوقّعه. هل يعيش الكثير من النّاس هنا؟ أين السّيّارات؟ أرى رجالًا وامرأتين يرتدون الزيّ العسكريّ ويبدو أنهم جادّون جدًا. أعتقد أنهم يتحدّثون باللغة الإنجليزية. أحبّ ألوان زيّهم الرّسميّ – الأسود والأبيض والأحمر. أوه، إنّهم ينفخون صفاراتهم ويحرّكون أيديهم ويقولون شيئًا لا أفهمه. الآن، هم يشيرون ويصفّرون مرّة أخرى وأنا أرى الجميع يصطفّون في دورهم. ربما هناك 20 صفًّا! تخبرني أمّي أن أقف بجانبها الآن. علينا الصّعود على متنِ السّفينة. أوه ، الجوُّ باردٌ جدًّا! الرّياح تهبُّ بقوة أكبر الآن! وهي تحمل في يدها المرتجفة عِدّة أوراق. قالت أن أحدها لي. إنّها وثيقةُ الهجرةِ الخاصّةِ بي برقم ( # 673) (ستمائة وثلاثٍ وسبعين) هو كلُّ ما يمكنني قراءَته. هممم … 673! رقمُ الحظِ الخاص بي، رُبّما؟ علينا أن ندخل غرفةَ خاصّةَ ونوقّع أسماءَنا. أحبّ التّوقيعَ باسمي. النّاس من حولِنا يتمدّدون، يتنهّدون، يسعلون ويشكون كم هم مُتعبون. تحاول أمّي أن تبتسم. هناك سيّدة أخرى خلفنا مع ثلاثِ فتياتٍ صغيرات. إحداهن تبكي بشكلٍ هيستيريّ وتطلب من والدتِها الحلوى. هذه الفتاةُ الصّغيرة تزعجني. كوزمو يقف بجانبي، يعضّ ​​أظافره. يفعل ذلك دائمًا عندما يشعر بالتّوتر. أفّ، هذا يزعجني أيضًا. نحن على وشكِ الوصول.

    عدنا الآن إلى الخارج في انتظار قطارنا. لقد انتهيت للتوّ من تناول الكعكةِ الّتي شاركتها مع كوزمو. تقوم أمّي بتثبيتِ غطاءِ رأسِها (المصنوعِ من الحريرِ الأزرق الّذي ترتديه للكنيسة فقط). تبًّا! الرّياح! كلّنا نقف هنا نتجمّد وننتظر القطار. متى سيأتي هذا القطار؟ أسمع أشخاصًا يتحدّثون بلهجاتٍ إيطاليّةٍ مختلفة. أنا حقًّاً لا أفهم بعض هذه الّلهجات.

    القطار، أوه نعم، إنّه هو، أعتقد أنّني أراه! نعم، أخيرًا هنا! متى سنأكل، أسأل الجميع. أمّي تقول لي أن أكون هادئًا. ردّت قائلة: “كلّنا جائعون”. إخوتي كلاهما صفعوني على رأسي. على عكسِ الفتاةِ الصّغيرة التي تقف ورائي، لا أريد حلوى بل قطعةَ خبزٍ طازجة! لم أتناول الخبزَ الطّازجَ منذ شهور! لم يكن لدى أمّي دائمًا الخبزَ الطّازج لنا، لأنّ بعد رحيلِ أبي لم يكن لديها الكثير من المال. ولكن عندما كان لديها المال لشراءِ الخبزِ الطّازج من المخبز، كانت تعدّ الكثير من الأشياء الّلذيذة. في بعض الأحيان، كانت تشتري الخبز القديم وتضعه تحت الماءِ الجاري. ثم يصبح رطبًا مرّة أخرى! هذه خدعة علّمتها إيّاها جدّتي، ثمّ تضيف القليلَ من زيت الزّيتون والأوريغانو. كان ذلك لذيذًا حقًّا! لقد أحببتُ جدّتي- والدة أبي. كانت دائمًا لطيفة معي كلّما ذهبتُ لزيارتها – في طريق عودتي إلى المنزل من المدرسة، كانت تعطيني الحليبَ الدافئ والكعكَ المُحلّى. اعتادت أمّي أن تذهب لزيارتها كلَّ يومِ أحد، حتّى عندما غادر أبي. في بعض الأحيان، كانت تعطيها البيض والجبن. لكن هذا لم يحدث كثيرًا.

    حسنًا، نحن جميعًا داخل القطار الآن. المقاعد غير مريحة للغاية. الألوان في هذا القطار محبطة جدًّا – الرّمادي الداكن والأسود. هناك رائحة غريبة أيضًا. أعتقد أنّها تنبعث من العرق والدُخان والمعادن. أرى الكثير من النّاس يدخنون. أنظر حولي ويمكنني سماع لغات مختلفة، وليس الإيطاليّة فقط. أرى أولادًا في عمري وحتى أصغر سِنًّاً. حسنًا، الآن أرى شخصًا قادمًا نحونا. هل سيجلب لنا هذا الرّجل طعامًا؟ لن أقول أيّ شيء الآن. أخبروني إخوتي أن أصمت. أنا أكره عندما يأمروني ويتحكّمون بي. لماذا يفعلون ذلك دائمًا؟ أتمنّى أن يكون لدي أخت. الأخوات ألطف بكثير من الأخوة. كان لأصدقائي أخوات. أتذكّر عندما كان لدينا عيد القدّيس أنطونيو هذا الصّيف. اشتريت لنفسي الفول السّودانيّ والنّظارات الشّمسيّة، الأمر الذي جعل إخوتي غيورين جدًا. سألوني من أين أتيت بالمال لذلك. قالوا إنّني سرقت المال من أمّي. أنا لم أسرق! كم هم أغبياء! كنت أبيع ألواحَ التزلّج. نعم، عملي الصّغير. لقد وجدتُ طريقةً لصنع ألواحَ تزلّج بالخشب المتبقّي الّذي كان لدينا في المزرعة. لا أحد يفكّر في صنع شيء بقطع الخشب الباقية. ها ها ها! كنت أتسلّل إليه بعيدًا عن منزلنا وأُخفيه خلف الأحراش. ثم وجدتُ عجلاتٍ لا تزال في حالة جيّدة. كان هذا هو الجزء الصّعب. احتجت إلى أربعِ عجلاتٍ لصنع لوح تزلّج. ولكنّني فعلتها. أحبُّ بناء الأشياء. إنّه عملٌ رائع، فيه الكثير من المرح!

    أحببتُ تناول الفول السّودانيّ! كان يستحقّ كلّ هذا العمل الشّاق. والنّظارات الشّمسيّة لديّ داخل جيبي. لن يأخذهم أحد لأنّهم بأمان معي.

    ها قد أتى الطّعام! يا إلهي! ما هذا؟ كل شيء يبدو مضحكًا – حتّى الصّحن. كيف يأكل النّاس هنا؟ كلُّ شيءٍ صغير جدًّا. هذا الرّجل الطّويل النّحيل أعطاني شيئًا يبدو غريبًا. استدرت وسألت أمّي إذا كانت تعرف ما هو هذا الطَعام وأخبرتني أنّه خبز كندي! لا أستطيعُ أكل هذا! إخوتي يضحكون عليّ، هم دائمًا يفعلون هذا. هفف! طعمُ هذا الخبز مثل القيء. إنّه ناعمٌ، أبيضٌ، ورقيق للغاية مع قشرةٍ لطيفةِ المظهرِ حوله، وهناك ثقبٌ صغيرٌ في المنتصف. قيل لي أن أصمت وأكله.

    حسنًا، أنا الآن أمدّ ساقي قليلاً وأحاول الاسترخاء حتى نصل إلى مونتريال. استدرت لألقي نظرة على والدتي. تبدو متعبة وقلقة. يداها متشابكتان معًا وأعتقد أنّها تصلي. أمّي امرأةٌ قويّةٌ ومتديّنة – يمكنها إدارةَ أشياء كثيرة. أعتقد أنها أقوى امرأة سأعرفها على الإطلاق. لقد جعلناها في بعض الأحيان مجنونة حقًا. لم تكن مساعدتها في المزرعة ممتعةً دائمًا. أتعلم، كرهت القيام ببعض الأعمال المنزليّة ، خاصّةً عندما كان علينا الاستيقاظ في السّاعة الرّابعة والنّصف صباحًا. تنظيف الحقول وإطعام الدّجاج، والأسوأ من ذلك كلّه، عندما كان يحينُ دوري للذّهاب لأخذ الأشياء عبر النهر. كرهت عبور ذلك النّهر الصّغير! لقد أخافني لأن هناك العديد من الثّعابين. لكن، لم أستطع إخبار إخوتي بذلك لأنهم كانوا يسخرون منّي ويدعونني بالمخنّث. كما كرهت عندما كانت تقتل أمّي تلك الدّجاجات الّلطيفة. لقد استمتعتُ بالّلعب مع تلك الدّجاجات! لم تفعل ذلك كثيرًا لأنّنا كنا بحاجة إلى البيض. لكن كلّما فَعَلَتْ ذلك، كنت أكرهه. يصفوني بالفتّى الحسّاس. هذا ليس صحيحًا، أنا لستُ حسّاسًا.

    على أيّ حال، أنا أحبّ أكل البيض! يمكنك أن تأكله بطرقٍ مختلفة. لكنَني لم أتناوله كثيرًا لأنّه كان علينا بيعهُ. آمل أنه في كندا، يمكنني أن آكل ما أريد منه.

    أشعر بالذّنب الشّديد حيالَ شيءٍ واحدٍ – سرقةَ البيضِ من المزرعة. نعم، لقد فعلت ذلك لفترةٍ من الوقت حتّى تمّ القبض عليّ. كنت أسرق البيضَ وأشتري أشياءً لألواح التزلّج الخاصّة بي، أو أشتري لنفسي الفولَ السّودانيّ. كما تعلم، الفولُ السّودانيّ كان غالي الثّمن. لذا، يجب أن أبيع ثلاثَ بيضاتٍ للحصولِ على كيسٍ صغير من الفول السّودانيّ. أوه، كان ذلك يومًا سيئًا عندما تمّ القبضُ عليّ بسرقة البيض! أمسك بي أخي دومينيك ثم أخبر والدي على الفور. بالطبع، لقد أحبّ أن يرانا ونحن متورطون في المشاكل! كان الوقت مبكرًا في الصّباح واعتقدت أن الجميع ما زالوا يتناولون وجبة الإفطار. لقد تسلّلت كما كنت أفعل دائمًا. لكن هذه المرّة لم تنجح. كان التّوقيت سيّئًا أيضًا لأن أمّي وأبي كانا يتشاجران كثيرًا في هذا الوقت. كان ذلك قبل مغادرةِ والدي إلى كندا. كان غاضبًا ممّا كنت أفعله وركض ورائي بحزامهِ لمدّة ساعة تقريبًا حتى أمسك بي أخيرًا. ثمّ بدأ ينهال بالضربِ عليّ حتّى تعرّضت لأسوأ ضرباتٍ وكدماتٍ في حياتي. أعتقد أنّني استحقّ ذلك. لن أنسَ أبدًا ذاك اليوم.

    يأخذنا الواقع مجدّداً، فلنعودّ إليه مرّة أخرى. يبدو كلّ شخص في هذا القطار منهكًا. يرتسم على وجوههم جميعًا التّعبير ذاته، لكنّني لا أفهمه حقًا. حسنًا، ربّما، يبدو أنّهم يريدون الضحكَ والبكاء في نفس الوقت.

    أغمضُ عينيّ لبضعِ دقائق ثم أفتحهما مرّة أخرى، والآن أرى بأنّنا نقترب من الأرض أكثر فأكثر. هذه المرّة، كلّ شيء يبدو مختلفًا، سيّارات، يا للدّهشة! جميع أنواع السيّارات! أقفز من مقعدي. أمّي تخبرني بأن أجلس. ولكن، يجب أن أذهب إلى الحمّام الآن. عندما أقوم من مقعدي، أشعر بدوّار بسيط. هذا القطارُ صاخبٌ جدًّا! هناك رجلُ عجوز يقف أمامي. أشعر بالضيقِ مرّة أخرى. إنه فقط يحدّق بي بعينيهِ الداكنتين البرّاقة. ما الذي يحدّق به – ملابسي القديمةِ التي بها ثقوب؟ أنظر إلى نفسي ثم أنظر إليه. غير خائف. علّمنا أبي ألّا نخاف أبدًا. أدار الرّجل وجهه بسرعةٍ بعيدًا. “حسنًا، توقّفْ عن التّحديق بي أيّها الرّجل العجوز”. كان يرتدي بدلةً جميلةً رغم ذلك. ربّما هو رجلٌ  ثريّ. أنا حقًّا أحبُّ حذاءه الأسودَ اللامع. يومًا ما، سيكون لدي حذاءً أسودًا لامعًا أيضًا. سوف ترى!

    شكرًا إلهي! قد وصلنا أخيرًا إلى مونتريال، إذاً، هذا ما تبدو عليه المدينة! هناك الكثيرُ من الأضواء. ألوان مختلفة أيضًا. ليس لدينا هذه الأضواء في بلدتنا.

    تبدو أمّي متوتّرة حقًّا. إنها تتّوتر كثيرًا، خاصّة عندما تكون في الخارج وسط الجموع. تفقد أعصابها بسبب أشياء غبيّة أيضًا. كما أنّها تكرّر نفسها عندما تكون قلقة. تخبرنا مرّة أخرى بأنّ والدنا ينتظرنا في محطّة القطار. وأنا أعرف ذلك مسبقًا! تستدير إلي وتطلب مني ترتيب شعري، لكي أبدو أنيقًا. أنا لست صبيًّا صغيرًا. لكن سرعان ما شعرت بالحرج منها، أخرجت على مضض مشطي الخشبيّ الصّغير، ورتّبت شعري بسرعة. وعندما كانت تنهض من مقعدها، كانت تصنع بيدها إشارة الصّليب. تفعل ذلك فجأة ثمّ تنهض. ثمّ همست بصلاة القدّيسة مريم. نظرت إليها وللمرّة الأولى، أدركت أنّها ربّما ليست متوترة. ربّما هي خائفة فقط. أردت أن أعانقها في تلك اللحظة، لكنّني قرّرت عدم القيام بذلك.

    كان أبي هناك في انتظارنا. كان مع زيو أنطونيو. بدا عمّي زيو خجولًا ومتواضعًا. كان سعيدًا برؤيتنا، ولا سيّما أنا. فأنا ابن أخيه المفضّل لأنّنا نتشارك الاسم ذاته. على أيّ حال، بدا أبي أنحف وأعتقد أنّه أكثر صلعًا. كان يرتدي سترة بنّية داكنة مع سروال أسود وحذاء بنّي كبير. كان لديه أيضًا قبّعته السّوداء. نزع قبّعتًهُ حالما رآنا. بدا حذاءَه مضحكًا بالرّغم من ذلك. كان زيو يرتدي نفس الحذاء المضحك. أولاً، عانق أبي أمّي. لقد تعانقا لفترة طويلة، أو بدا الأمر وكأنّه وقتٌ طويل، لأنّ الثّلج كان يتساقط والرّياحُ تعصفُ بشدّة. كانت أمّي تبكي وتضحك في نفس الوقت. ثم همست بشيء في أذنه. لابدّ أنه كان شيئًا لطيفًا لأنّه جعل والدي يبتسم. كانت هناك عائلات أخرى هناك أيضًا. كان بعضهم يتعانقون ويبكون بينما البعض الآخر لا. كان بعضُ النّاسِ يتحدّثون بلغاتٍ أخرى. بدا أبي مختلفًا اليوم – ربّما لأنّني لم أره منذ أربع سنوات. بدا فخورًا. على أيّ حال، عندما رآني، ربّتَ على رأسي برفق. قال إنّني أصبحت أطول وأن شعري أغمق. قلت له، “أنا أعلم”. ثم ردّدت قائلًا، “انظر يا أبي، ما زلت أملك كلّ شعري!”. أجاب، “حسنًا، هذا جيّد! هذا جيّد! ربّما، لن تصاب بالصّلع مثلي – أليس كذلك؟”

    حسنًا، لنعد إلى المنزل. ذهبنا إلى بيتنا الجديد في كندا. استغرقنا حوالي ثلاثينَ دقيقة للوصول إلى هناك. كان لأبي صديق يقودنا بشاحنة بنيّة الّلون. كان صديقَهُ إيطاليًّا، لكنّه من نابولي. بدا وكأنّه رجلٌ لطيف. لقد كان في كندا لفترةٍ طويلة. هاجر قبل عشرِ سنوات – مباشرةً بعد انتهاء الحرب.

    أثناء قيادتنا في الشّاحنة، رأيت أشياءً كثيرةً لم أرها من قبل، مثل الحدائقِ والمباني والحافلات؛ لقد دُهشت. بينما كان أبي يمسك بيد أمّي، في الشاحنة، أخبرها بابتسامةٍ كبيرة، أن هناك كنيسةٌ إيطاليّةٌ قريبة. يُطلق عليها، لا مادونا ديلا ديفيسا. ابتسمت أمّي وهي تنظرُ إليه وإلى الطريقِ سويّةً.

    كنت وما زلتُ أحبُّ الشّعور بأنّني داخلَ الكنيسةِ، لأنه يجعلني أشعر بالسّلام الدّاخليّ. ومع ذلك، لم أكن أحبّ الذّهابَ إلى جلساتِ الاعتراف. في بلدي، كان عليّ أن أذهبَ إلى الاعتراف هناك مرّةً في الشّهر، لأن أمّي قالت إنّه يتعيّن علينا إخبارَ الكاهن بخطايانا. لقد توقّفت عن الذّهاب منذ فترة، ولكن أمّي لم تكن تعرف ذلك. في آخر مرة ذهبت فيها أخبرتُ الكاهن أنّني سأكون ثريًّا يومًا ما. لم أخبره أبدًا أنني سرقت بيضًا من المزرعة. على أيّ حال، نظر إلي في ذلك اليوم وضحك، “ثريّ ؟ لن تكون غنيًّا أبدًا، يا ولدي! ” لم أحبّ هذا الكاهن أبدًا. كان كاهنًا شابًا ومتغطرسًا بعض الشّيء. عمومًا، لا أريد أن أعترف هنا في كندا. أنا رجل الآن، لذا عليّ أن أفعل أشياء أخرى.

    أيًّا كان من بنى هذه المدينة، كان ذكيًّا. أنا متأكد من أن الإيطاليين بنوها! الشّوارعُ واسعةٌ، وهناك سيّارات في كلّ مكان. ولكن بقي السؤال عالقًا في رأسي، كيف يزيل النّاس الثّلج من سيّاراتهم؟ في يومٍ من الأيّام، سأحظى بسيّارة بيضاء، وأقودها في جميعِ أنحاءِ المدينة. سأقوم بالعديدِ من الرّحلات البريّة أيضًا.

    هذه الشّقّة في شارع بابينو – اسم مضحك، “بابينو“. الباب الأماميّ غريب. إنّه باب خشبيّ بنيّ. يفتح أبي البابَ بمفتاحٍ مضحك المظهرِ أيضًا. قال إنّه سيكون لدينا جميعًا مفاتيح خاصّة بنا قريبًا – سنحتاجها للدّخول إلى الشّقّة.

    هناك الكثيرُ من الجدران هنا. بالرّغم من ذلك فهي بيضاء وقذرة. هناك أيضًا حمّام، مطبخ، غرفة للمعيشة، وغرفُ نوم. دعني أَعُدّ – غرفة، غرفتين، ثلاثُ غرف! هل سأحصل أخيرًا على غرفتي الخاصّة؟ أوه، هذا المكان رائحته كريهة. تنبعثُ منه رائحةَ العرق، والنّوافذ كلّها مبلّلة. يقول أبي أن هناك الكثيرُ من الرّطوبة في فصل الشّتاء، وهذا هو السّبب في أن النوافذَ رطبة. هناك أيضًا تدفئة بالزّيت في الشّقّة – ليس لدينا هذا في إيطاليا. على ما يبدو، فإن تدفئةَ الشّققِ باهظةُ الثّمن.

    نقفُ جميعُنا في المطبخ، ولا نقولُ كلمةً واحدة. ينظر كوزمو إليّ وأنا فقط أهزّ كتفي بلا مبالاة. بينما أمّي على وشكِ التّحدّث ، يرنّ جرسُ البابِ. يا لهُ من جرسٍ صاخبٍ! لقد كانت زيا، زيا ماريا زوجة زيو أنطونيو! لم ترني منذ وقتٍ طويل! عانقتْ الجميع، وخاصّة أمّي. كانوا يتعانقون ويبكون معًا.

     قال أبي أنّه اشترى الكثير من الطّعام. كان هناك ما يسمّى بالثّلّاجة – يمكنكَ وضعُ الثّلجَ فيها، للحفاظِ على الّلحومِ والخضرواتِ، والحليبِ طازجًا. لا أمانع في كوبٍ لطيفٍ من الحليب الآن. قال أبي أنّ مذاقَ الحليبِ جيّدٌ في كندا.

    طلبت زيا من أمّي أن تستريح قليلاً وأنّها ستبدأ في الطّهي. أومأت أمّي برأسِها. لم تكن طاولةَ المطبخ كبيرة جدًّا – لكنّها كانت طاولةً مستديرةً جميلةً مصنوعة من الخشب. أعتقد أن عمّي زيو وأبي من صنعاها.

    تتحدّث زيا ماريا كثيرًا، ولديها أيضًا ضحكةً مرِحة. تبدو وكأنّها تختنق في كل مرة تضحك فيها، وهذا يجعل الجميع يضحكون أيضًا. كنت سعيدًا جدًّا لرؤيتها مرّة أخرى.

     بدا أبي سعيدًا جدًّا لأنّه كان يساعدنا في تفريغِ الأمتعة والحقائب. كان من الجميلِ رؤيته يبتسم وفي مزاج جيّد. كان رجلًا متقلّب المزاج. لقد قال إن كلّ شيء سيكون جيّدًا الآن، لأنّ عائلتنا اجتمعت مجدّدًا.

    كان لدى والدي مفاجأة لي – لقد أعطاني كيسًا كبيرًا من الفول السّودانيّ، نعم كيس كبير من الفول السّودانيّ! بدأت أتناوله كصبيٍّ مجنون ملهوف قد حصل لأول مرّة في حياته على ما يحبّه، ثمّ أعطى كوزمو قطعتين من الشّوكولاتة، وعلبة سجائر لـ دومينيك.

    الآن، حانَ وقتُ العشاءِ! أعدّت أمّي وزيا العديد من الوجبات – كان هناك الجُبْنُ، الزَّيتونُ، الخُبز الطّازج، المعكرونة، الّلحوم، السّلطة وحتّى لحم الضأن(الخَرُوف)! وكان هناك كعكةُ الّليمون المفضّلة لديّ.

     كالعادة، حصلتُ على طبقي أخيرًا، بعدَهم جميعًا، وبالطّبع حصلتُ أيضًا على أصغرِ قطعةٍ من لحمِ الخَرُوف الّتي تحتوي على أكبر عدد من العظام.  حتى في هذه الّليلة. أنا الأصغر سنًا ولذلك، فقد حصلت على كلّ شيء في النّهاية. لكن عندما لم يكن أحد ينظر، أخذتُ زيا جانبًا وطلبت منها شريحة كبيرة من كعكة الّليمون تلك. أومأت برأسها وغمزت في وجهي. أخبرتني أن أنتظر قليلاً، وأنها ستصفّر عندما يحينُ الوقتُ للحصول عليها. أكلت تلك الكعكة بسرعةٍ لدرجة أنّني كدتُ أختنق بها.

    كان الكبار يضحكون ويشربون الخمر، وكان أبي يعزفُ على آلة الأكورديون. كان يخبرنا بأنّه هنا في كندا، كان يستيقظ السّاعةَ 4:00 صباحًا للذّهاب إلى العمل. كان يعمل في المناجم مع العديد من زملائه الأخرين. كانوا يبنون شيئًا تحت الأرض، يسمّى “مترو”. سألته عن المترو، وأخبرني أنّه سيأخذني إلى هناك، ويريني إياه الأسبوعَ المقبل. سألته عمّا إذا كان جميع العمّال إيطاليّين، فقال إن معظمهم إيطاليّون، ولكن هناك عمّال ايرلنديّون، بولنديّون، أوكرانيّون، ويونانيّون أيضًا. في الأسبوع الماضي، فقدوا رجلاً إيطاليَّا دفن حيًّا وهو يحفر المناجم. كان الأمرُ محزنًا للغاية. جمع كل الرّجال مجموعةً من المال ليعطوها للزوجة. لم يكن لديهم الكثيرَ ليقدّموه، لكن على الأقلّ كان أفضلَ من لا شيء. ثم واصل العزفَ على الأكورديون. يقول أنّ هذا ما يبقيه قويًّا. كانت أمّي تصفّقُ بيديها، وترقصُ على أنغام الموسيقى. كان أبي يعرف كلّ الأغاني، أمّا أمّي فأحبّت الغناء لهم.

    كنت أنا وكوزمو جالسين في غرفة أخرى – كان هناك أريكةً صغيرة في غرفة المعيشة. كانت توجد طاولةً خشبيّة صغيرة أمام تلك الأريكة. كان هناك أيضًا صليبًا معلّقًا على الحائط. شعرت أنا وكوزمو بالملل والإرهاق. كان دومينيك مع الكبار يعزفون على الأكورديون ويشربون النبيذَ ويدخّنون السّجائر. تسلّلت أنا وكوزمو للخارج لتدخين سيجارة أيضًا. لم يُسمح لي بالتّدخين أمام العائلة بعد، لأنّني ما زلتُ أعتبر “صغيرًا جدًّا”. لذا، أبقاني كوزمو بصحبته. أنا أحبّه لأنّه أخ صالح. يعزف دومينيك على الأكورديون كمحترف، وهذا يجعل أبي فخوراً للغاية. مع ذلك، أتمنّى أن يبتسم دومينيك أكثر. هو دائمًا في مزاج سيّئ معنا. بعد ذلك، أعلنَ والدي للعائلة أن دومينيك سيتزوّج قريبًا. نأمل أن يجعلَ هذا دومينيك أكثَر سعادة. اسمها لينا، وهي من أهل قريتنا. أعتقدْ أن دومينيك ذهب إلى المدرسة معها. عمومًا، ستعيش معنا في الشّقّة بعد الزّواج مباشرة.

    يريدني أبي أن أتعلّم كيفيُّة العزف على الأكورديون كما فعل إخوتي. قلت له إنّني لا أريد ذلك ولن أفعل ذلك أبدًا. ولا حتّى في كندا. سأشتري سيّارة بدلاً من ذلك. نظر إلي وضحك، “سياّرة؟”. قلت نعم”. لقد غضب منّي. كيف يمكنك أن تطلق على نفسك اسم ابن دوناتو ولا تعزف على الأكورديون؟ لم أجبه. تعلّمت عدم الرّد.

    بعد بضع أغانٍ أخرى، بدأنا جميعًا نشعر بالتّعب الشّديد. كانت أمّي تغفو على كرسيها. لقد كانت رحلة طويلة إلى كندا – أحد عشر يومًا على تلك السّفينة!

    قال أبي هذه الَليلة فقط، يجب أن أنام أنا وكوزمو على الأرض. سيشتري لنا سرير غدًا. لم نكن سعداء بذلك، لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ على الأقلّ هنا في كندا، سأشارك الفراش مع كوزمو فقط. يبدو أن دومينيك لديه بالفعل غرفته الخاصّة. هذا جيّد.

     كل شيء ممكن في هذا البلد الجديد. انتابني شعورًا جيّد. يقولون أنّ الأوقاتَ في فصل الصّيف، جميلةٌ وممتعةٌ هنا. هناك العديدُ من المتنزهات. أنا أحبّ الجبالَ، لذلك ربّما، سأحبّ أيضَا المنتزّهات والحدائق. علينا الذّهاب للنّوم الآن. أعطتنا أمّي أنا وكوزمو بطّانيتين. أوه يا إلهي! سيشعرنا النّوم على الأرض بالبرد الشّديد. لكن، سننام هنا لهذهِ الّليلة فقط. قمتُ بتلاوةِ صلاةٍ صغيرةٍ في رأسي، وسألتُ الله أن يعتني بي.

    “إلهي، أطلبُ منكَ أن تجعلني ثريًا يومًا ما.”

    طابتْ ليلًتَكم جميعًا، أراكم غدًا! .

                                      * * *

    *رسالةُ الابنة*

    كنتُ أنا وأنتَ بُحيرةً مُنقسمةً إلى قِسمين.

    تعكسُ انعكاس كل منهما للآخر،

    كانَ ضوءُ القمرِ صَمْتَنَا.

    ومع ذًلك، عندما بدأتِ البُحيرةُ في البكاء،

    سارعتِ الرّيحُ التي لا هَوَادَة فيها

    لكي تتجلّى بحضورها الدّائم.

    بحيرةٌ عاكسةٌ من القطعِ المكسورة.

    نجومُ الحدادِ تُنادي أسماءَنا.

    وهناك وجودٌ جديدٌ في انتظارِ

    النّجم المفقود.

    دموعٌ مالحة

    يتضوّرون جوعًا في عزلتي .

    مشهدٌ فارغٌ لأرضٍ قاحلةٍ منسيّة،

    توقّفَ الزّمن – وكذلك قلبي النّابض.

    يقفُ ملاك الرّحمة فوقَ سريري كلَّ ليلة.

    أرى ولادتكَ – في خِضَمِّ الحربِ عندَ غروبِ الشّمس

    أرى ولادتي في خِضَمِّ الحريّةِ الدّيمقراطيّةِ عندَ شروقِ الشّمس

    عاهدتكَ في نجواي أن أعيشَ في حريّتي المُحدّدة

    بدون السّلاسل حول عنقي.

    وها أنا هنا، واقفة على أرصفةِ المُشاة.

    لكن، أين صوتُكَ؟

    أين ضحكتُكَ؟

    أين يداكَ؟

    أين وميضُ عينِكَ؟

    يتسلّل الإحباطُ إلى داخلي في بحثي عنك

    لا زلتُ مثلَ المرأةِ المجنونة.

    ثمّ أسمعُ صوتكَ داخلَ روحي

    ليسرقُ أنفاسي بعيدًا، مردّدًا:

    “أنا إنسان وأنتَ إنسان

    نحنُ بحاجة لأن نتعلّم كيفَ نعيش معًا.

    عليّ أن أكسبَ لقمةَ العيش،

    وعليك أن تكسبَ لقمةَ العيش

    علينا أن نتعلّم كيفَ نعملَ معًا

    لديّ طريقتي في التّفكير،

    ولديكَ طريقتكَ في التّفكير

    لا يتعيّن علينا الحكم على الآخرين “.

    رسالتكَ إلى العالم، أنطونيو.. توني.. بابا .. أبي….

    تمّ إرسالها.  

    حلا الجابر مترجمة

    مُترجمة، كاتبة سيناريو أفلام قصيرة، مُدرّسة لغة انجليزية، مشروع ناقدة مسرحية و سينمائية.