لم أعلم قط!

  • 5
  • 0
  • اليوم هو الأول من بين أقرانه الذي أشعر فيه أنني لا أشعر، يراودني شعور اللاشئ، المكان مختلف، الأجواء مختلفة، الأشخاص مختلفين، حتى أنا، لم ألحظ أني بِتُ مثلهم مختلفٌ وغريب، أبصرت غرباءً بملئ الأرض، كنت صغيراً لا أعي بضخامة العالم ولا بوجود حيواتٍ ذات صلة في أماكن أخرى، لم يتجاوز عمري الرابعة عشر، سؤال واحد ظل يطاردُني، يختلق الكوابيس، ويميتني قلقاً، يعميني عن اللذة، عن الأستمتاع ، أين أصدقائي، أين بيتنا ذو الثلاث طوابق، أين حارتنا، لماذا اختفى مسجد حيُنا، أصدقائي، طفولتي، أين أنا يا رجُل من كل هذا؟! .. قرر أبي على حين غُرة أن ننتقل إلى جدة بالمملكة العربية السعودية، لا أدري كيف تجرأ، ولا أدري كيف تحمس، كنا أول من يترك حينا ليسافر إلى بلدٍ آخر، كانت تنهال علينا الإنتقادات لاذعة، كيف لهم أن يتركوا مصر؟! كيف لهم أن يتركوا حياتهم هنا بكل هذه البساطة خلف ظهورهم، نعتونا بالأوغاد مؤخراً لأننا سننتقل للعيش بالسعودية متعللين بأنها تكلفة لعينة ولا طائل منها، ونحن أولى بفلوس السفر، لم يعلم هؤلاء أن الغُربة لم تكن اختياراً، لم يعلم هؤلاء حجم القسوة النفسية التي تتصدع داخل أفئدة المغتربين، لم يعلم هؤلاء أن ما باليد حيلة وأنه موت غير رحيم، نعتونا بالأمس بأننا أوغاد وأنه لا يلزمنا السفر وأنه كذا وكذا، وها هم اليوم يتنافسون بالخروج واحداً تلو الآخر..
    لم ألتحق بالمدارس السعودية، كنت أدرس تبعاً للسفارة المصرية، وكانت عبارة عن مجاميعٍ صغيرة ” مختلطة ” شقة واسعة أو شقتين، تقام خِلسة بعلم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت لها الحق في أن تُشمع المكان وترحل أصحابه، لا أدري كيف مرت أيامي الأولى هناك والذي تحولت إلى حب جارف في نهايتها، مابين خوف الطفل الذي أنا عليه، والترقب الدفين الذي ينغصني، حاول أبي أن يُذيب جبال الجليد التي بيننا بكل الطرق ومع ذلك لم ألين بسهولة، اندمجت مع مجتمعي الجديد بعد معاناة أو قل متتابعات الإبتعاد عن الوطن والحنين، وكأنها أعراض الإنسحاب لا أدري.. تعرفت على أبناء حارتي الجديدة رويداً رويداً قربوني فتقربت، لعبنا كرة القدم ثم الكريكت مع أصدقاء باكستانيين ثم غيرها مع أصدقاء يمنيين وسعوديين، تكيفت على مهل توسعت صداقاتي مع جنسيات متعددة، التحقت بمدرسة تحفيظ القرآن، بدا الأمر في بدايتة يحمل نشوة خفية ولذة أستشعرها، ولكنها تبقى غُربة..

    في أحد الأيام الدراسية بعد عامٍ أو عامين قالت لي معلمة أعجبها ذلك الكمبيوتر الآلي الذي يقبع في رأسي والذي يحفظ الأشياء عن ظهر قلب ويرددها حتى نال إعجابها والفول مارك في اختباراتها ” عزيزي أمير سأحزن كثيراً إن لم تصبح طبيباً ” مُعلمتي العزيزة ما هذا العبث؟! ما علاقتي الآن بالدكترة بل وما علاقة حفظي الراسخ بأن أصبح دوكتوراً هل تعي ما تقولين؟! كل ذلك وأكثر بتساؤلات طفولية بريئة تزاخم في رأسي، وظللت أرددها بداخلي فقط مع قليل من العُجب الخفي الذي أصابني فأصبته..

    مرت أيام طوال بين السعادة الغامرة والشعور بالوحدة، بين الأمان والحب مرت أيام ثقال، ذهب من ذهب.. مات من مات وحيَ من حيَ.. تغيرت الأماكن وتبددت آمال وولدت أخرى، لا أصحاب ولا أقارب، الوقت يمر، يمر، وصوت عقارب الساعة الكئيب تك تك تك.. أنهيت المرحلة الثانوية بعد تقلبات صدعت فؤادي كلما أتذكر آمال معلمتي المحطمة بداخلي أبتسم إشفاقاً لا أدري عليها أم على كلانا، عدنا إلى الديار مصر الحبيبة، رحلة العودة فقط تحتاج إلى مليونيات من المعاني لوصفها، من التعبيرات لإستشعارها، رحلة العودة فقط تحتاج وصفاً يستنفذني لم تواتيني الفرصة بعد أو قل الشجاعة لتدوينها.. عُدنا، بمحض الصدفة أو الأمل أو دعاء والدّي والستر إلتحقت بكلية الترجمة، بعد صراعات داخلية وخارجية كدتُ لهولها أن أُسلم الراية، وأعلن أنني ضقت ذرعاً من تلك الحياة، استعدت قواي.. جازفت.. يجب أن أحيا.. ركضت، يجب أن أنهض.. بكيت وكأنني السماء، يجب أن أعيش..انهرت انهياراً مدويا.

    انتهت مأساتي في الجامعة، خرجت وحيداً كما دخلت، تخرجت كـ مترجم، أؤلف قصص قصيرة، دائماً ما كنت على منصات التتويج بالمراكز الأولى في المسابقات الأدبية شعراً كانت أم نثرا، تعجبهم كلماتي ومقالاتي وتغريداتي الساخرة، يحدفونني بعبارات الثناء، أستقبلها في زهدٍ وأمضي..

    لم أشعر بنفسي إلا وأنني أصبحت شخصاً عادياً، يصاحب الكتب، يحلم بـ ڤان جوخ في حضرة دوستويفسكي، يتناول جانب الحديث مع طه حسين، يمشي بجوار نجيب محفوظ، ثم يُبكي مأساة أنطون تشيكوف، ويضحك بسخرية، عادياً عادياً للغاية.. كلما جلست أتقهوى راودتني أطياف المجرة، ولا يقف أمامي سوى طيف معلمتي وكلماتها ” سيُحزنني كثيراً إن لم تصبح طبيباً ” ولا زلت أبحث عن العلاقة..

    أمير محمد مترجم وكاتب

    وجدَ ليكون..