فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

بين الحظ والاجتهاد في الحياة

  • 2
  • 1٬800
  • ما هو مفتاح النجاح هل هو محالفة الحظ أم العمل باجتهاد؟ وكيف يمكن أن نتصالح مع الحظ بشكل فعّال؟

    ناقش المقدم الظريف ديريك موللر ضمن قناته على يوتيوب لتبسيط العلوم موضوع الحظ والعمل بجد في فيديو رائع له جمع دراسات مهمة حول الموضوع وقام بمقاربته بأفضل شكل مرّ علي مٌلهَماً من كتاب النجاح والحظ: حسن الحظ وأسطورة الجدارة.

    بعد الحجر المنزلي الواسع الذي ساد العالم، كانت العناوين البارزة: يقول ما يقارب نصف الرجال أنّهم يقومون بمعظم التعليم المنزلي للأولاد، إذا سألتم النساء فستتفق فقط 3 بالمئة مع تلك النسبة ! 

    ما سرّ ذلك الفرق؟

    هذا ما يسمى التحيّز الأناني حيث يعتقد الناس دوماً أنّهم يقومون بمعظم العمل ولا ينتبهون لما يقوم به غيرهم. إذا أردتم معرفة أمثلة عن التحيّز الأناني يمكن ملاحظة أنّ أمثلة كثيرة يكون فيها مجموع إجابات طرفين مختلفين متكاملين هي أكثر من 100% عوضاً أن تكون كاملة، مثلاً سأل الباحثون مؤلفي الأوراق البحثية المتعددة المؤلفين: ما هي النسبة المئوية للعمل الذي قاموا به شخصياً، وعندما يجمعون هذه النسب، يكون المجموع في المتوسط 140 بالمائة، أي ان كل شخص يقدر عمله بأكثر من الآخرين دوماً.

    عندما يُطلب من الأزواج تقدير مقدار الأعمال المنزلية التي يقومون بها،يكون الإجمالي دائمًا تقريبًا أكثر من 100٪، كل طرف يعتقد أنه يقوم بـ 70% من العمل مثلاً ! لا يعود ذلك أنّ الاشخاص يريدون إظهار أنفسهم بأنهم يعملون أكثر من الآخرين أبداً، وإنما يعود ببساطة إلا أنّهم لا ينتبهون فعلاً لعمل الآخرين بنفس ما ينتبهون لعملهم، ببساطة هم يتذكرون بوضوح كل ما يفعلونه، ولكن ليس كل ما يفعله الآخرون، ولذلك من الطبيعي أن يبالغوا في تقدير مساهماتهم وأن يقللوا – للأسف- من شأن مساهمات الآخرين.

    بتلك المقدمة يصل ديريك إلى النتيجة الذهبية، ألا وهي أنّه ما دمنا كأشخاص نقلل من تأثير الآخرين، فهذا يقودنا بشكل أكيد إلى تقليل دور الصدفة في نجاحنا أيضاً. يشعر الكثير من الناس الآن بالإهانة إذا أشرت إلى مدى أهمية الحظ والفرصة في نجاحهم، ويجادلون أنّنا مجرد نتاج ظروفنا وأنّ من جد وجد ومن زرع حصد ومن سار على الدرب وصل وأنّ عملنا الجاد سبب نجاحنا دون أي شيء آخر.

    يعتقد الكثير أنه يجب أن تكون المهارة أو الحظ هو ما يفسر النجاح ، لكن الحقيقة هي أننا بحاجة إلى كليهما.

    خذ مثلاً الأرقام القياسية الثمانية في سباقات الجري: من الواضح ومما لا لبس فيه طبعاً أن جميع الرياضيين الذين حققوا هذه الأرقام القياسية العالمية هم رياضيون عالميون، متفانون للغاية، وموهوبون، ومع ذلك، عندما حققوا أرقامهم القياسية العالمية، كان لسبعة من أصل ثمانية دوراً مساعداً بأن الرياح الخلفية كانت في صفّهم. الآن ، كان لدى هؤلاء الرياضيين جميعًا القدرة على الفوز بميدالية ذهبية، لكن تسجيل الرقم القياسي العالمي يتطلب القليل من الحظ أيضًاً، أن تقف معك الرياح ، وطبعاً لا يوجد عاقل يدّعي أن الرياح هي أمر كافي لرياضي عادي أن يحصل على رقم قياسي.

    منحني الحظ والاجتهاد
    منحني الحظ والاجتهاد

    لكن هل من المفيد أن نؤمن بوجود الصدفة في الحياة؟

    للأسف لا ، حتى لو اقتنعت بدور الحظ فإنّ أخطر ما يمكن أن تفعله هو أن تؤمن به، عليك للأسف أن تعيش وهم أنّ الحظ غير موجود، هل تدري لماذا؟ 

    ينجح الناس حين لا يقتتعون بوجود الحظ!

    ببساطة يؤدي التقليل من أهمية أحداث الصدفة في الواقع إلى تحسين احتمالية نجاحك لأنه إذا كنت ترى أن النتيجة غير مؤكدة، وأنّ هناك دوراً للحظ، فمن غير المرجح أن تستثمر الجهد فيها، مما يقلل فرصك في النجاح بسبب عدم إقدامك أصلاً. إذا كنت مقتنعاً بدور الحظ في المنح ( وهو موجود طبعاً) لن تقدم على المنح بجدية أو لن تقدّم أصلاً وهذا يعني أنّك لن تنال منحة طبعاً!

    لذلك ، من الوهم المفيد أن تعتقد بأنك تتحكم بشكل كامل في مصيرك وأنّ لا دور للصدفة! فهذا وقود مهم لك

    يا لها من مفارقة !  أخبرك بدور الصدفة ولكن أطلب منك أن تعيش وهم عدم وجوده!

    لكن مهلاً عليك أن تعود في نهاية المطاف بعد نجاحك لتذكّر الحظ لأنك إذا اعتبرت أنّ كل نجاحك في الحياة بسبب جهدك فقط، فهذا سيؤدي أن لا تتعاطف مع الآخرين وأن تبرر سلطتك التي جاءت بسبب الحظ إلى جهدك وبالتالي زيادة عدم المساواة على من تشرف عليهم وعدم رد الجميل لهم مما يخلق صورة مشهوة لما تراه في الواقع.

    بعد أن تحصل على منحة، تذكر أنّ الحظ حالفك بشكل أو بآخر، ولا تنظر باستهجان الى الآخرين الذين لم ينالوا منحة معتبراً اياهن مقصرين ! إذا تغافلت عن الحظ في حياتك ستتخيل أن نجاحك نابع من جهدك ومثابرتك فحسب، وأن فشل الآخرين نابع فشلهم وليس ظروفهم وسترى العالم عادلاً ينال الناجح فيه نصيبه لأنك النموذج الذي لا يعترف بالحظ وهذا خطير جداً للأسف.

    إذا ما هي النصيحة المثالية للتصالح مع الحظ، هل نعترف بدور الحظ مما يؤدي إلى تكاسلنا ورمي كل شيء على الظروف أم نعترف بالعمل الجاد مغفلين دور الحظ مما يجعلنا مغرورين غير عادلين مع الآخرين؟

    لعلّ أفضل نصيحة متناقضة هي:

    أولاً: يجب أن تؤمن بأنك تتحكم بشكل كامل في مصيرك،وأن نجاحك يعود فقط إلى موهبتك وعملك الجاد، ولا عزاء آخر لك، ولا خيار آخر لك بالحياة سوى أن تعمل بجد وتجتهد لكي تنجح.

    لكن ثانياً: عليك أن تعرف أن هذا ليس كافياً بالنسبة لك أو لأي شخص آخر، إذا وقفت الظروف ضدك أو لم يحالفك الحظ.

    إذا حققت النجاح، فقد لعب الحظ دورًا مهمًا ونظرًا لحظك الجيد، يجب أن تفعل ما في وسعك لزيادة حظ الآخرين وفتح الفرص لهم وأن تكون باب خير وحظ لشخص مجتهد يحتاج فقط أن يحالفه الحظ. إذا وجدت شخصاً مجتهداً مثابراً وينقصه مثلاً من يدفع عنه رسوم امتحان، كن تلك الصدفة السعيدة له ليكتمل نجاحه بأن حالفه الحظ. لا تركن لغرورك أنّ من جدّ وجد وأنّك نجحت لوحدك دوناً عن الآخرين وليعاني الآخرون بعيداً عنك.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.