معنى أن تكون سوريًا: سيريا فوبيا وأشياء أخرى

  • 7
  • 504
  • عن السيريا فوبيا وأشياء أخرى

    في أحد صفوف واحدة من المدارس الديستوبية التي تستحضر في كل يوم مشاهد من رائعة أورويل 1984، كان أستاذ مادة القومية يتلو على مسامعنا دوما أمثولة صغيرة في حب الأرض والوطن، تقول أن شابًا بدوياً أخذ إجازة من قطعته خمسة أيام، قضى منها ثلاثًا يبحث عن مضارب ربعه، ويوم للذهاب ويوم للإياب. ولأنه كان ملزمًا بالمثال ونحن أحرار بالفهم، فهمنا أن الوطن هو الأهل ومن نحب، حتى لو لم تطاوعنا الجرأة يومها على التصريح بذلك.

    مضت الأيام، وكبرنا، وصارت أحلامنا وبالًا علينا. من بين أحلام كثيرة انتهى بها الحال إلى كوابيس، كان حلمٌ راودني طويلًا وأنا أقطع البلاد من شرقها إلى غربها، كنت دائماً أفكر بأنني ينبغي أن أكتب عن هذه الأرض شيئًا، ولو خاطرة صغيرة لأنها كانت وما زالت تستحق، لكن وكما أسلفت، كان حلمًا! وها أنا اليوم أكتب عنها وقد ارتبطت برُهاب نفسي حسبت أنه مزاحًا حين سمعته للمرة الأولى. فعذرًا، كنت أود الكتابة عن فخامة حلب وعراقة دمشق وبساطة حمص، وسأستعير شذرات إيمانية لأقول: قدر الله وما شاء فعل!

    طبعًا، كي لا أستغرق طويلًا، هناك ما يجب أن أقوله بموضوعية، وهو أن سوريا لم تكن جنة عدن قبل هذه السنوات العشر، لكنها لم تكن كذلك، ولا هكذا كانوا أهلها أيضًا. كان للشجر لغة نفهمها، وحتى الأسوأ كان اسمه غدًا، أما الآن فكل شيء في مهب الريح وهي مالكة أمره.

    في بداية بحثي عن المصطلح “السيريا فوبيا Syriaphobia” أردت تقصي آراء الشريحة المعنية بالمصطلح وهم السوريون، سألت فئة في الداخل وأخرى في الخارج، أردت التحدث بموضوعية، لكن وللأسف فشلت. فشلت فشلًا ذريعًا في أن أكون موضوعية، ولهذا أنا هنا في قسم المدونات، فقد تحولت من صياد إلى فريسة. إذ أن الموضوعية في هذا الطرح بعد أن نكأ الجرح الغائر في نفسي ونفس من سألتهم، تشبه طلبها من نزيل زنزانة منفردة مطلوب منه أن يعدد الخصائص الفيزيائية والكيميائية لجدران زنزانته وقضبانها وحجر مرحاضها أيضًا.

    عن السيريا فوبيا Syriaphobia (رهاب سوريا)

    يُعرف Urban Dictionary السيريا فوبيا بأنها حاله القلق الجماعي الذي ظهر على جيل الألفية في سوريا وتحول إلى رُهاب جرّاء الانحلال والفساد والدمار الذي شهدته البلاد في السنوات العشر الأخيرة (في القاموس ستجدها 8 سنوات) فالمصطلح أصبح ابن عامين. وتحديدًا، هي خوف شباب سوريا من قضائهم ما تبقى من حياتهم في بلد غارق في الدمار، أما الأعراض العامة لهذا الرهاب فهي القلق المستمر حيال انعدام القدرة على مغادرة البلاد لبدء حياة جديدة في مكان آخر، أو خشية العودة لأولئك الذين أسعفهم الحظ بالمغادرة.

    ما قد لا يأخذه كثيرون على محمل الجد، أن من مظاهر هذا الرهاب الكوابيس الليلية التي كانت تراود من غادروا سوريا وكانوا فيها يروون أنفسهم عائدين للحياة فيها.

    كما ذكرت، ظننت أن المصطلح استثقافًا من أحد مثقفينا الأشاوس الذين لم يقدموا ما يساوي ما استهلكوه من قهوة سادة، لكنه فعلًا حقيقة.

    سألت كثيرين أتوجه لهم بالشكر والأسف لما سببته من ألم لبعضهم، وحين راودتني فكرة الموضوعية كنت أنوي إجمال آرائهم في فقرة واحدة، لكن تقديرًا لما تكبدوه في الإجابة، ولأن معظمهم أتت إجابته بعد تفكير مرير، سأعرض إجابات الأغلبية، وسيجد من لم أعرض إجاباته عذرًا لي. والآن: شدوا الأحزمة، ليس ما ستشاهدونها مشهدًا طبيعيًا خلابًا.



    ستشاهدون من معرضي الصور أني استهدفت مجموعتين، الأولى من الخارج والثانية من الداخل، ولا داعي للشرح بأن مخاوفهما متباينة، فما يسعى من هم في الخارج كي لا يلاقوه بعد أن تخلصوا منه، يرزح تحته من هم في الداخل، أضف إلى أن سقف التطلعات لكل من الفتين اختلف.

    اللاجئون السوريون في العالم

    ونحن نتكلم عن فوبيا ارتبطت بسوريا، والمعني الأول والأخير بها هم أبناؤها، لا مانع من التعريج على إحصائية بسيطة.

    بلغ عدد اللاجئين السوريين حتى شهر فبراير من عام 2020، 5.6 مليون لاجئ، موزعون كالتالي:

    • تركيا: 3.6 مليون لاجئ سوري، يعيش خارج مخيمات اللجوء أكثر من 90% منهم، ويعد وصولهم إلى الخدمات الأساسية محدودا في الغالب.
    • لبنان: 915 ألف لاجئ سوري، معظمهم يعيش في ظروف معيشية صعبة للغاية وبعضهم في مخيمات لجوء غير مسجلة.
    • الأردن: 656 ألف لاجئ، منهم 120 ألفًا في مخيمات اللجوء (الأزرق والزعتري).
    • العراق: 250 ألف لاجئ.
    • مصر: 150 ألف لاجئ.
    • الاتحاد الأوروبي: 1.3 مليون لاجئ.
    • الولايات المتحدة الأمريكية: 18 ألف لاجئ.

    يمكن القول أن الظروف المعيشية لمعظم اللاجئين الذين بقوا في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليست بالجيدة، أسوأها في لبنان. وتنتشر في أوساط اللاجئين الكثير من القضايا التي أفرزها اللجوء وسوء تعامل بعض الدول المضيفة، لعل أبرزها تسرب الأطفال من المدارس وزواج القاصرات وعمالة الأطفال وسوء الأوضاع الصحية…. وغيرها من الأمور التي ينبغي إفراد العديد من المقالات لها.

    مضغات كل منها تتشكل في رحم مختلف

    قد يعيب أحدهم علي صغر العينة أو محدوديتها، لكني أحيطكم علمًا أني راعيت فيها التنوع كثيرًا، والقاسم المشترك بين كل هؤلاء هو أنهم يعملون بجد، بعضهم يصل الحقيقة الليل بالنهار وهو يعمل.

    شنا أم أبينا، أصبحنا مختلفين، حتى في البيت الواحد، لا يمكننا الادعاء بحال من الأحوال أن تطلعاتنا واحدة، فما نخشاه نحن القاطنين في داخل البلاد، يخشاه من هم خارجها إن عادوا ليها، كما أنهم عرفوا أشياء أخرى ربما لم يتسنى لنا معرفتها بعد.. ربما. سنعرف مستقبلا أولاد أخوة وأصدقاء، والأصدقاء أنفسهم، بإصدارات جديدة، وعادات أخرى. أما أولادهم فنتمنى أن يحققوا ما عجزنا نحن عنه.

    بالعودة إلى الفوبيا التي افتتحنا بها ما ذكرناه، علينا ألا نخرج من هنا إلا ونحن نرفع القبعة لواضع هذا الوصف، لقد اختار فأبدع! فسجل سبقًا التصق بالاسم، سبْقٌ لم نعرفه ربما منذ عهد تدوين المأمون.

    هل بتنا نحلم بأوطان بديلة

    أيام الصبا تغرينا دائمًا بنفحات ثورية، كنا يومها نعيب على إحدى الإثنيات هنا اعتيادها فكرة الوطن البديل، لكن أنظر اليوم ابتداءً مني لأجد أن ما من احد منا (الغالبية العظمى) إلا وتحلم بوطن بديل يقيها شر ما تتعرض له اليوم. ناحت هذا المصطلح علينا ان نوجه له جائزة في الحرص على راحة المستخدم، لقد فضل اختصار الوقت عليه بأن جمع الإيكوفوبيا والفايننشال فوبيا وريليشن فوبيا وفودفوبيا والإلكتروفوبيا وغازوفوبيا والفيول فوبيا والسكيوريتي فوبيا والميليشيافوبيا والفريدوم فوبيا…………….. وقائمة لا تنتهي من الفوبيات في كلمة واحدة. وكان محقًا.

    بدون اتجاهات

    حسناً أنا الآن عالقة في المنتصف، في منتصف هذه الكتابة، العودة لم تعد تجدي نفعاً بعد أن قضيت أياماً عديدة في التفكير وسؤال من سألتهم، كما أن استكمال الكتابة عمل مضني لكن لا بد لي من القيام به. تماماً كما هو حالي في هذا الوطن، فلا أنا أعرف الخروج منه، ولا أنا بالراضي عن مسيرتي فيه، ولا يمكنني العودة في الزمن إلى الوراء وترتيب أولوياتي. لكن ما أعرفه ان الرؤية في كل شيء ضبابية.

    نشاهد اليوم أطفالنا يخرجون إلى المدارس، ورغم كوفيد-19 وما ترتب عليه، يجلس في المقعد الواحد اثنان أو ثلاثة، ويكفي للتعريف بهذه المدارس أننا تندرنا في بداية الجائحة بانه ما من أحد شرب من صنابيرها يمكن أن يُصاب بالفيروس، سيكون بغاية الميوعة إن فعل ذلك.

    لن نأتي على ذكر الجامعات والمعاهد، لقد باتت معروفة جداً لكل من في البلاد أو عرفها. أما الدوائر الحكومية، فلا يسعنا إلا أن ننحني إجلالاً لمساهمتها في صياغة هذه الفوبيا.

    تعيش سوريا اليوم وضعًا بالغ السوء، لا تُحسد عليه البتة، يجعل العودة إليها كابوساً، والبقاء فيها سجنًا مؤبداً. ولن أسترسل في ذكر القوائم. يكفي القول أننا ننتظر التيار الكهربائي أربع ساعات، وأن النقود لم تعد تجدي نفعاً إلا للتدفئة إن كان معنا منها ما يكفي. لقد ثبُت وبالدليل القاطع أن تحاميل الصمود والتصدي عجزت حتى أن تقوم مقام تحاميل الغليسرين.

    عن My Syriaphobia

    مثقلة أنا وغيري الآن بلاءات كثيرة لا تجد سبيلاً للخروج، كالأحلام المؤجلة، وبعد عمر طويل قضيته في الفخر بأني لا أمل، أنا الآن مللت كل شيء، حتى عتب المحبين. أصبح الشوق سكيناً تعتمل في نفسي كل لحظة، مللت هذه الشاشة التي لا تقل رأفتها بي عن لؤمها، أنا الغائب ليس كلية والحاضر ليس بالكامل. مثقلة بالأيام التي تمضي بلا عودة. أخشى انتظار أمي وأبي وغيرهما من الأهالي، طبعا لا ينتظرون عودة أولادهم التي يخشونها لعلمهم بما ينتظرهم، لكنها شرعة الغياب المصحوب ببروتوكول الانتظار .

    أخشى أن يكون مصيري مثلهم، فمثلي كالكثيرين، أتمنى أن يذهب أطفالي للخارج، لا ليعودوا، بل ليعيشوا.

    أنوء بمشهد الناس الذين لا يمتلكون سوى ملاحقة شعاع الشمس من الصباح وحتى المساء في الشتاء، وأنا التي لا يمكنها أن تفعل شيئا لأجلهم. أتوجس كل صباح من ذهاب أولادي إلى المدارس والتعليم الملغوم الذي يتلقونه فيها، هواء ثقيل أصبحنا نتنفسه. أخشى اعتيادي الهزائم كل يوم، أكاد لا أصحو على واحدة إلا لأنام على أخرى جديدة. أما الخيبات فبالجملة. المُضحك أنني أبحث عن أي شيء لأتعلق به، أبحث عن وتد أغرسه في أرض رخوة، لأثبت عليه خيمةً تشبه خيمة راحل عابر.

    علاقتي بما حولي هي علاقة راصد متلصص، يعنيه ما يرى كليّا، وفي لحظة ما يمكنه الادعاء أنه يرصد فقط. وأنا أعلم أن هذا غير صحي، وأنه ليس من الجيد أن أمارس دور المنتظر في محطة قطار آتٍ ليقله. ورغم مرارة الانتظار وقسوة هذه المحطة، هزيمة أخيرة أنا بانتظارها، إنها الامل.

    نجوى بيطار مدير

    مهندسة كيميائية، أهوى النجوم، وأحب كل ما يتعلق بالفيزياء وعلم الفلك. أعمل حاليا كمدير لمجتمع أراجيك ..