الجَاهِلِيَّةُ الحَاضِرَة

  • 0
  • 4٬800
  • الحرب الجسور بين البشر والنّاس والإنسان، الكلّ مختلف والكلّ في تَشَعّبه وفروقاته واضح..

    لكن حقيقة الإختلاف -بنظري- تكمن في السّريرة ومدى الإنسانيّة.

    تلك السّريرة التي لا لأحدٍ تظهر وحتّى عن ذاتِ النّفسِ قد تغيب، هي دليلُ تصرّفاتِ المرء، عنوانُ كتابه، ولسانُ قوله وحاله، وهامشُ صفحاته، وحتّى مُسَوَّداتُه، لكنّها قد تخطئ مرةً وقد تصيب في أخرى. أمّا الإنسانيّة فهو شعورٌ ملاصقٌ للضّمير والسّريرة؛ إن ضلّا الطّريق نبّهتْ، وإن وقعا تماسكتْ، وإن زلّا توازنتْ، وإن ماتا بَقِيَتْ حيّةً تُكفّر الذّنب وتسعى.. تسعى لكمالِ الرّضا.
    هي شيءٌ بالنّفس يُشترى.

    والآن صار بيننا من يتباهى بدناءةِ خلقه وبذاءةِ قوله، وآخرٌ يتفاخر بالسّيّء من عمله، وآخرون أُخَر لايُفزعهم موتُ ضميرٍ ولا يكترثون لأمرٍ حَسَنٍ تناهى، لا يُنكرون منكرًا ولا تُعرض عنه قلوبهم، ثمّ إنّه “عادي”. جهلٌ يُبرّرُ بجهلٍ مثله و “عادي”.
    لم تغب الإنسانيّة وحدها وحسب، إنّما بأفعالهم حتى الجاهليّة حضرت.

    ولست أعني بها زمنًا كان قبل الإسلام، إنّما الجهل الذي تأصّل في لُبِّ المعرفة، الجهل الذي تنامى في وجود أسباب غيابه، ولكن احتضنه البشر؛ فقامتْ عليهم الحُجَّة -حجّة اتّجارهم بعقلهم-.
    أمّا النّاس فكانت لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، تارةً يعترفون بأنّ احتضانه حرامٌ وإسرافٌ في الخطأ، وتارةً يُراوغون ويقولون ما ضُرّ بالجهل أحد.
    أمّا الإنسان؛ فكان يكفيه أنّه إنسان.

    الجاهليّةُ الحاضرةُ هي مثالٌ واقعيٌّ لمُسَلَّمَاتٍ تفكّكَتْ وأصولٍ تَشَتّتَتْ، حتى أنّها كالسّمِّ تميّزت عنه بأنّها واضحة غير مدسوسة.
    ثم هي تأسلمت ونحن استسلمنا، فصرنا نعرف أنّ فُلانًا دنِيء الخلق؛ حقٌ علينا تجنّبه، وأنّ هذا وذاك وذاك لا يُؤتمن السّرّ عندهم، وأنّ آخرًا يُظهر مودةً ويُبطن خبثًا؛ فمنه احذر وعليك احرص. وعلى هكذا حالٍ استمرّ الحال إلى أن اختلط علينا، فصرنا نحن لهم نبرّر، أو بحضور جاهليّتِهم تعايشنا، وما عدنا بالعَجَبِ نَعْجَب؛ إذ صار كلّ شيءٍ “عادي”.

    وعجبي..

    فنحن إن اختلفنا عن العاديِّ نُهِرنا وعشنا بيننا في غربة، وإن تماشينا مع العاديِّ تغرّبت عنّا إنسانيّتنا واستعرّتْ، وصار حالنا كحال بعض النّاس، كحال كلّ البشر.
    ثُمّ رويدًا رويدًا سننسى الإنسان الذي كان.
    هي مصيبةٌ ستحلّ إن صار ونسينا ما يعني أنّنا إنسان. ستكون أمّ البلاء.

    مخيفٌ جدًا هو هذا العاديُّ ومريبةٌ هذه التّحوّلات، أخشى تصعّدها فتصير انسلاخًا جاهليًّا يَدُبُّ في قلبِ كلّ قيمة، وفي عَضَدِ كلّ فضيلة؛ حتى يمتاز الكلّ بالتّشابه، ويصير كلّ شيءٍ كواقع الخيال، لا يشابه فطرةً جُبلنا عليها: نَغْرَبُ من الكَلِمِ الطّيّبِ ونخافُ المعروف، ونُدَنِّسُ كلّ محرّمٍ وكلّ قدسيٍّ ككلّ العلاقات وكلّ التّعاملات، وياويحَ الظّن إن حَسُن؛ سيسوء مرغمًا بالشّكّ.
    أمّا عن مكارمِ الأخلاق تلك؛ فستكون مُتغرّبةً ومدفونةً في أرضٍ ما، وسيجور عليها الزّمان لكنّها ستبقى محفوظةً تنتظر الإنسان.

    ثُمّ بعد كلّ خيوطِ الجهلِ التي عرفناها؛ لِنَنْعَمَ باجتنابها، لندحضها. اختار البعض منّا الإبتعاد عن فطرته، وما الإنسانيّة إلّا فطرةً لم تُلوّث.

    ثُمّ هو الإنسان وحده المدرك؛ أنّ الجهلَ حكمةُ العارفِ.