أهم من الكلمة

  • 1
  • 2٬184
  • المصريون – أطفالًا وشبابًا – تعجبهم أفلام ديزني المدبلجة باللغة العامية، بل وأحيانًا يتفاعلون معها أكثر من النسخة الأصلية للفيلم لخفة ظلها وقرب الحوار بين الشخصيات من كلامنا اليومي، فيضحك الصغار ويفرحون بها، ويتعلق بها الكبار ويشاهدونها بشغف الصغار، والمثال الأشهر لهذا التفاعل فيلم الأسد الملك؛ ولا نجد أبدًا من يتعلق بفيلم مدبلج بالعربية الفصحى، بل ونغير القناة فورًا إذا ما صادفنا مثل هذه النسخ.

    ومن الأشياء التي حالفني الحظ بها، هي التقاء أستاذ عصام السيد – المخرج المسرحي الكبير ومخرج عدد من أفلام ديزني باللهجة المصري، وأشهرهم فيلم الأسد الملك- واستماع تجربته ودروسه لطلابه عن المسرح والتمثيل وشكسبير، ولا سيما هاملت؛ نصًا وشخصيةً.
    وفي مرة من المرات تحدث أستاذ عصام معنا عن اللغة وطريقة إلقائها واستخدامها ما بين الفصحى واللهجة المصرية.

    • “اللغة العامية غنية ومعبرة أكثر من اللغة العربية؛ شوفوا لغة سيد حجاب وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين.”

    بعد أن سمعت هذه الجملة، بدأت إعادة سماع كلمات من ذكرهم الأستاذ بأذن فاحصة للغة وحسن توظيف الكلمات. وبدأت أتساءل هل اللغة المصرية أجمل أم العربية؟ وإذا كانت اللهجة المصرية أقرب لأسماعِنا وقلوبنا فلماذا نحب أغاني فيروز وهي تطربنا باللهجة اللبنانية، بما فيها من مفردات بعيدة عن ثقافتنا ولغتنا، وكيف تصل إلى عواطفنا؟

    وانطلقت من هذه الأسئلة في رحلة بحثًا عن الإجابة. فالبحث في أمر الكلمة؛ كيف تستخدم، كيف تؤثر وتخترق القلوب، وكيف تختار الكلمة أصلًا بناء على الظرف والشخصيات الناطقة به والقارئة له، كل هذا يهم لمن يريد أن يستخدم الكلمة في مهنته، أو يقدرها لأنها طريقة التواصل الأهم. صحيح أنها ليست مثل الموسيقى؛ وهي اللغة التي تستطيع أن تصل للجميع عابرةً للحدود السياسية والجغرافية، وقاهرةً لظروف الحروب، ولا تعرف العنصرية فيتلقاها البشر أجمعين على اختلاف عروقهم وأجناسهم. ولكن الكلمة على أية حال هي الأهم، وكما قال عبد الرحمن الشرقاوي على لسان الحسين: الكلمةُ نور.

    تهنا لا قنديل ولا حادي ودليل
    إلا لافتة خافتة في القلب النبيل

    سيد حجاب

    كيف نختار الكلمة؟ أسمع في أغنية جملة حب وشوق، أصدقها ويبقى قلبي معها وأشعر بها، وأسمع جملة أخرى، ربما بنفس الكلمات ولكنها تستفزني بزيفها، وركاكتها. نضحك ونبكي عندما نشاهد أفلام شارلي شابلن الصامتة، ولا كلمة! فقط موسيقى تصويرية توجه مزاج المشاهد حيث يكون الحدث. نصدقهم، ونستقبل الإيهام بالحوار الذي دار بين الشخصيات ليس لأن الكلمة غير مهمة؛ فهم تواصلوا باستخدام الكلمة كي يوصلون إلينا هذه المشاعر، فعاشوا الحدث قبلنا لينقلوه بصدق. الإحساس بالكلمة هو مفتاح السر.

    يا باب يا مقفول.. امتى الدخول؟
    صبرت ياما واللي يصبر ينول
    دقيت سنين.. والرد يرجع لي: مين؟
    لو كنت عارف مين أنا كنت أقول
    عجبي

    صلاح جاهين

    وفي إجابة سؤال (كيف نختار الكلمة؟)، رشحت لنفسي قراءة – واستماع-  صلاح جاهين، بقلب متسع وعين متأملة، وقد سمعت أحد الأطباء النفسيين يقول عن كلمات صلاح جاهين في الحزن: “اتعلموا الاكتئاب”، في دعوة للمتخصصين في الطب النفسي أن يدققوا في تعبيرات الفنانين كيف وصفوا الحزن، فضلًا عن الاكتفاء بقراءة المراجع الطبية فقط، إيمانًا منه أن الاكتئاب شعور إنساني يتطلب فنانًا لاستيعاب مرضاه.

    دخل الربيع بيضحك لقاني حزين
    نده الربيع على اسمي لم قلت مين
    حط الربيع أزهاره جنبي وراح
    وايش تعمل الأزهار للميتين؟
    عجبي

    ولعل هذه الكلمات تصف بكل عمق، وباللغة الدارجة التي نستخدمها كل يوم شعور المكتئب، ولكنها ليست فقط الكلمة، بل كيف وضعها في جملة، وكيف تلاعب بالمفردات، وكيف رسم الصور، وكيف عرض شعوره؟

    وأما التاريخ يواكب ويزاحم بالمناكب
    يتعبى في المراكب وغناوي الصيادين

    أحمد فؤاد نجم

    ولعلنا عند إتقان اختيار الكلمة أن نصل لحد أدنى من الجمال في كل كلمة، أن نُكَوِن جُملًا مكثفة، لا ازدياد فيها ولا نقصان. عندئذٍ تكون السخرية، وكلمات الحب، وكلمات العتاب، حتى كلمات الحزن تصبح مدخلًا للأعماق، يصبح الكلام مصدرًا لمتعة الاستماع، تصبح الأشعار أرقى، والألحان أجمل. فالأهم من الكلمة الشعور بها.
    هكذا تكون اللغة العامية أغنى وأمتع.

    قل الكلمة بأي طريقة، الأهم ألا تنشق على نفسك وطبيعتك، وتتكبد عناء البحث عن مفردات غريبة وصعبة. المهم أن تقول الكلمة كما تراها، و كما وقعت في خاطرك، وكما تحب أن يتلقاها الآخر.

    سلمى البهي ..