مغنو العالم الجديد

  • 2
  • 1٬704
  • في مقالته “الإنسان وازدواجيته – Man and his doubles” يشَرحُ لنا ميشيل فوكو، المفكر الفرنسي، قول نيتشه بإيجازٍ في اللغة، رأى نيتشه أن اللغة قد “اُستهلكت” من قبل القدماء، وأن الكلام قد نفذ، وكل ما كان يمكن أن يقال قد قاله القدماء بالفعل وما نفعله اليوم ما هو إلا إعادة صياغة لكلام القدماء، وهو بلا معنى جديد.

    بدأ يتبين لي قول نيتشه عند اطلاعي على بعض الشعر العربي، كقول أعشي قيس في معلقته، وهو شاعر جاهلي:

    وسبيئةٍ مما تعتقُ بابلٌ
    كدمِ الذبيحِ سلبتُها جريالها


    وهو يعني بذلك الخمر، وهي السبيئة، لونها الأحمر “كدم الذبيح” قد انتقل لجسده ووجه، وبهذا فقد “سلبها جريالها” كما يفسر يونس بن متى[1]، ليأتي في حقبة بعيدة تمامًا، شاعرٌ على الأغلب أنه لم يطالع شرح الأعشي ليقول عن الكأس معنى يكاد يكون مطابقًا، وإن اختلف نصه:

    كأسًا إذا انحدرت في حلق شاربها
    أجدته حمرتها في العينِ والخدِ

    ويجدي هنا تعني السيلان، أي أن حمرتها تسيل على العين والخدِ. وقد يتضح ذلك أكثر في بيتي أبي تمامٍ والبُحتري على الترتيب:

    فكاد بأن يرى للشرق شرقًا
    وكاد بأن يرى للغرب غربًا

    فأكون طورًا مشرقًا للمشرق
    وطورًا مغربًا للمغربِ

    وعلى أن البعض قد يرى أن هذه “سرقة شعرية” إلا أنني أراها أبعد ما تكون عن ذلك، فإن البحتري لا ينحل البيت له، ولا يعارض بقصيدته قصيدة أبي تمام ولكنها جديدة تمامًا علينا، إلا أن المعنى قد اُستهلك من قبل عند أبي تمام، ولعلنا إذ تتبعناه لوجدنا مثله فيما سبقه، كما نجد في بيت أبي تمام، والأمثلة مثل ذلك كثير.

    إن أكثر ما ينعكس به فراغ وموت المعنى: الفن. والموسيقى خصوصًا إذ سألتني، وهذا ما ينتباني بخصوص موسيقى القرن الجديد: ميته كمعناها، وكلها تشبه بعضها حتى تكاد تفشل في التفرقة بين اثنين لنفس المطرب، وهذا كله بكفة ومغنيو “اللحن الواحد” بكفة أخرى، هؤلاء المغنيون الذين لا تختلف أغنيتهم الأولى منذ عشرين عامًا عن الأخيرة مُذ بضع يوم.

    من إحدى قصائدي أو أغانيَّ المفضلة، هي أُغنية “مغنو الريف الجديد New Country Singers” لجيمس كاروثز، والتي تذكرني بالمناسبة بأغنية قديمة لإيفان إيفانوفيتش وهي “مغنو القرن الجديد New Century Singers” ولكن على كلٍ ليس هذا موضوعنا، تُقدم أغنية كاروثز هجائًا لطيفًا لأولئك المغنيين الذين يصفهم بمغني الريف الجديد:

    مغنو الريف الجديد هؤلاء
    كلهم يغنون الشراب
    يغنون عن البيرة والفتيات الجميلات
    لم أصبحت الحياة أشبه بأغنية لجورج جونز!
    These new country singers
    They all sing about drinking
    They sing about beers and beautiful girls
    Why life’s became like a George Jones song

    على الرغم من أن المؤلف لم يذكر اسماءًا معينة لهؤلاء المطربين، إلا أننا يمكننا أن نعرفهم ببساطة، مغنو القرن الجديد التي لا تغادر اغانيهم الحديث عن الشراب والفتيات الجميلات التي جعلت الحياة كلها كأغنية كبيرة لجورج كوجنز.

    هذا هو ما أجد عليه أغاني اليوم، تفشل في أن تأتي بمعنى يؤثر النفس، وإن فعل فإنه ليس بجديد (ولست اتحدث عن كلمات الغناء فقط بل طريقة الغناء واللحن التي تكاد تنفد هي الأخرى فتتشابه علينا ألحان الأغاني مع بعضها) إلا على من سمعه للمرة الأولى، قد يكون هذا هو السبب الذي يعجل البعض يفضل كلاسيكيات الفن دائمًا على الفن الحديث، العديد من المعاني في تلك الأعمال القديمة لم نعد نجدها في الفن الحديث، فنعود إليه فيما قد خلا.

    والحق أنا ما أحاول قوله، وما حاول نيتشه وفوكو قوله، قد استهلك كثيرًا هو الأخر، ألا نذكر مطلع معلقة عنترة بن شداد الشهير: هَلْ غَادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ، ما قصده عنترة بهذا البيت يشبه كثيرًا ما أراده نيتشه: هل ترك الشعراء شيئًا إلا تحدثوا فيه، أو كما يشرح الزوزني في شرح المعلقات السبع[2]: “لم يترك الأول للآخر شيئًا، أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعًا أرقعه ومستصلحًا أصلحه” أو بنصٌ أوضح ما يقوله محمود درويش:

    “لكن قيل ما سأقول
    يسبقني غد ماض
    ربما نسي الأوائل وصف شيء ما
    لأوقظ فيه عاطفة وحسا”.

    مصادر:
    1. أبو بكر الأنباري، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، دار المعارف ط1 1988، المجلد الأول ص520.
    2. عسين بن أحمد الزوزني، شرح المعلقات السبع، دار احياء التراث العربي، ط1 2002، المجلد الأول ص245.

    صالح محمد ‍‌

    قارئ مهتم بالفلسفة، العلوم العصبية، علم النفس، علم الإنسان والموسيقى.