دوام الحال من المحال

  • 0
  • 808
  •  لقد عمرنا هاته الارض ملايين السنين، شيدت خلالها الأبنية ثم هدمت، ظهرت مماليك ثم اندثرت، ذاع صيت أناس ثم انجلت حتى أسماءهم عن الأذهان، و أناس عاديون مضوا في هاته الحياة و لم يتركوا حتى وقع أقدام، خاضعين جميعا لمبدأ اللااستمرارية، وأن ليس لأي حال دوام.

    حسب هذا المبدأ العجيب ، كل شخص وكل شيء و كل حدث على هذه الأرض يفقد وجوده أو قيمته بعد زمن. لكن الأعجب منه أننا رغم معرفتنا به نتجاهله كل يوم. نعيش حياة لن تدوم، وسط أناس لن يدوموا، ومع ذلك نبحث عن أشياء دائمة. نبحث عن الاستمرارية في ظل حياة لن يستمر وجودها.

    فالحياة في الحقيقة تجد مغزاها في الفقدان. أن تفقد شيئا أو شخصا أو أن تفقد نفسك حتى. أن تتعلم أن تفقد كل شيء وأن يفقد كل شيء قيمته في عينيك، لكن أن تستمر في المضي في الطريق، ما دام عمرك بين يديك.

    و لأن مبدأ اللااستمرارية كان دوما عقدة البشرية، فالتاريخ وكذا واقعنا يشهد عن كم المجهودات التي نبذلها في سبيل عدم التضحية بكل ما تعلقت به النفس، و كي لا نعيش مرارة الفقدان تلك. أناس يدفنون أموالهم معهم، واخرون يطاردون حلم الخلود، و نساء وجودهن ارتبط بأزواجهن، ان مات دفنت نفسها معه، فلا عيش لها بعده. حتى حياتنا صرنا نأمنها خشية ضرر الموت. ونسأل الله كل يوم  دوام الصحة والعافية، فإن غابتا يوما صعق كياننا الصغير، كأن ما يحدث غريب عن واقعنا.

    نعلم أن السوء يحل كل يوم، لكن نتوقعه دوما بعيدا عنا. ذاك أننا لم نتقبل بعد، بعد كل هذا العمر فوق الأرض، أن لا شيء خلق ليدوم.

    لكن السؤال الأهم هو كيف تستطيع أن تتعلق بشيء حتى يغدو من ضروريات يومك، ثم تقنع نفسك أنك قد تفقده، و تفقد معه معالم يومك العادي. أو أن تحب شخصا حد ربط سعادتك بوجوده. ثم تتوقع أن تكمل طريقك بدونه.

    هل عيشنا يغدو اسهل ان نحن عشنا بواقعية، أم بأحلام الكمال و دوام الحال؟

    أحيانا يكون غض الفكر عن كل هذا أريح لنا. فالقادم من سوء أو خير لن يحجبه عنا شيء. آنذاك سنعيشه، و ستركد حياتنا برهة لأن بنياننا فقد عمودا من أعمدته. لكن سنغير معالم يومنا بعدها و نستمر.

    ثم من قال أن وجودنا يتوقف يوما. الأجساد تبلى و الأعمار تفنى، لكن أجزاء منا تعيش للأبد في ارواح اخرى عاشرناها أو صادفناها.

    لا نعلم كم روحا نحمل بداخلنا، و كم تجربة عيشت قبلنا لنكون ما نحن عليه. لكننا و بلا ادنى شك، نعمر في الأرض بقدر ما تركت أرواح قبلنا أثرها فينا، و بقدر ما نترك من أثر في أرواح تعمر بعدنا.

    فاطمة الشاردي مدونة

    مهندسة اعلاميات و مدونة. روحي تميل لكل ما هو كلاسيكي، و أجد نفسي في بحث دائم عنه. كاتبة هاوية، أرى الكتابة فنا يمنح أبعادا أخرى لكل كلمة، ثم يمنح أبعادا أخرى وعوالم أخرى لكل قارئ و كل كاتب.