فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

شراء الوقت من خلال المساعدين عن بعد!

  • 0
  • 1٬960
  • لا تنتهي قوائم المهام الطويلة لدى الناس عموماً ولا يقتصر ذلك على المدراء ورجال الأعمال وإنّما هو سرّ الإنتاجية الحقيقي لشراء المزيد من الوقت، إذ تستنزف هذه المهام التقليدية أغلب الوقت والتفكير، فيمضي الشخص يومه ولمّا ينجز القائمة نصفها، وقد يغفل أهم المهمات الواجب التركيز عليها لأنه ضاق ذرعاً بكثرتها، ووجد أنه لا طاقة لديه لمتابعتها.

    في مقالة رائعة مفصّلة في المجلة العريقة نييوركر يعرض ناثان هيلر أفكاراً هامة عن تعهيد قائمة المهام اليومية من خلال مساعد عن بعد، أو مساعد تنفيذي عن بعد يقود فريقاً كاملاً من المساعدين عن بعد للمساعدة في التخفيف من عبء المهمات التي تستهلك وقتنا وطاقتنا، وكيفية توظيف التعهيد الخارجي كوسيلة للتغلب على زحام المهمات اليومي، وإنجازها بأقل كلفة من وقت ومال.

    ماذا لو كان بإمكانك تعهيد قائمة مهامك بأكملها؟

    يستهلّ ناثان هيلر مقاله بدايةّ بأنّه لم تخطر على باله بداية ضرورة وجود مساعد شخصي إلى جانبه إلى أن رواده ذلك الأمر في شهر ديسمبر حين تراكمت فيه المهام المكتبية عليه و تكدست أكوام من الايصالات والوثائق والمهام التي يجب متابعتها مع المؤسسات، حيث اكتشف أنّه يضيع ساعات هامة وهائلة وطاقة كبيرة في متابعة امور رويتينية لا تستحق منه ذلك، و أدرك فجأة أن تلك الساعات الضائعة يمكن استغلالها بأمر أهم وذي نفع أكبر عليه. لم يكن ناثان ذي دراية بأنّ فكرة المساعد الشخصي موجودة أصلاً، حتى تفاجأ حين كان يراسل أحد زملائه ومن ثم تفاجأ بوجود شخص آخر في المراسلة لكي يتابع تنسيق الأمور والمواعيد وحتى يلخّص محاضر الإجتماعات، ويتابع تنفيذ المهام، وحينها لمعت الفكرة في رأسه.

    يبذل الناس جهدهم في التركيز على زيادة الإنتاجية من خلال العمل بعمق، وتقليل المشتتات، إلاّ أنّ الحل دوماً ليس بمجرد ساعات قليلة تكسبها من خلال زيادة الإنتاجية، وإنّما من خلال شراء الوقت بحد ذاته والحصول على وقت أكثر بشكل ملحوظ.

    إنّ تفوق وتقدير المبدعين يأتي من الوقت المنفق على أداء المهمات والإنجازات الحقيقية  الإبداعية لا المهمات الروتينية غير ذات المعنى، وعندما يخطر في بالك السؤال: كيف يجد الرجال والنساء الرائعون الوقت لفعل كل تلك الإنجازات، تأتي الإجابة التي لن يخبرك بها الكثير: السر كامن في المساعدين المحيطين بهم من محاسبين وخادمين ومحامين ومربيات وأي مساعدين آخرين قادرين على أداء المهمات الروتينية وتوفير الوقت على رب عملهم، ليتسنى لهم التفرغ لأعمالهم الإبداعية التي تدوّن أسماءهم في سجلّ الخالدين، مارك توين و الأم تريزا ومالكوم اكس كان لديهم مساعدون شخصيون يؤدون عنهم أمور حياتهم، مما يفسح لهم في المجال ليتفرغوا هم للأعمال الأكثر أهمية، ليس الأمر حكراً على فئة معينة من الفاعلين والمؤثرين، إذ لكل منهم من المهمات ما يعرقل مسيرتهم ويعطل نجاحهم.

    لقد كانت مهنة المساعد الشخصي شائعة حقاً لكنها بدأت بالتضاؤل مع سيطرة التكنولوجيا والأتمتة التي قللت الكثير من الوظائف الروتينية، والتخبطات الاقتصادية التي تدفع الشركات إلى سياسة التقشف ليكون المساعدون الإداريون أول من يتم التخلي عنهم لتخفيض الإنفاق العام، ولتكتفي الشركات بالتعهيد الخارجي لمهمات معينة عندما يحتاجون إلى ذلك. ولكن هل فعلاً تلبي التكنولوجيا ذلك الفراغ، هل تحل حقاً المساعدة من أمازون أليكسا محل شخص حقيقي لتنظيم مواعيدك، او تذكيرك بجدول أعمالك، أو كتابة محضر اجتماعك؟

    إنّ وجود مساعد شخصي تنفيذي ذي مهارات في البحث والتحليل أمر هام لشراء الوقت لك، والقيام بالمهام الرويتنية التي تستنزف طاقتك، ليس هذا فحسب، ولكن اللجوء لشخص خبير في مجال معين يوفر عليك وقتاً هائلاً، ونتيجة مرضية.

    بدأت العديد من الشركات الالتفات لذلك حقاً وخاصة مع فروقات الأجر بين الدول المختلفة، واللجوء إلى دول ذات دخل منخفق مقارنة مع الدول الغربية، فالأجر المنخفص في أمريكا مثلاً هو أجر محترم جداً في كينيا، وإذا أردنا التعميم يمكن تحويل المهام الروتينية للطبقة المتوسطة غير القادرة على تحمل كلفة مساعد واحد في دولهم إلى مساعدين عدّة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وأماكن أخرى وذلك من أجل إدارة مهامهم اليومية الروتينية، ومن ثمّ يمكن للشركات الناشئة الصغيرة ورجال الأعمال المشغولين التوسع في أعمالهم بشكل أكبر.

    يطرح الكاتب إحدى الشركات التي تطبق هذا الموضوع والتي وصل فريقها للتوزع في أكثر من35 دولة، من ماليزيا إلى غانا، ومن صربيا إلى باكستان. لقد نشأت هذه الشركة وتطورت إنجازاتها بناء على حجم اليد العاملة الرخيصة المتوافرة في البلاد النامية. يشير فرانسيس بيدرازا مؤسس Invisible ومديرها التنفيذي إلى الفكرة الذكية بأنّ العمالة رخيصة بشكل لا يصدق في دول أخرى، وهي فرصة هائلة لتعهيد المهام و من ثم الربح من خلال فرق السعر،وخاصة مع دول لديها بنية تحتية جدية بالانترنت و أشخاص يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وبعقليات منفتحة.

    إنها قدرة لا نهائية على الاستفادة من هذه الأسواق النامية وتوظيف الناس في خلق المشاريع من العدم وتطويرها.

    الفكرة بسيطة ورائعة، وهي أنّ المهام التقليدية الروتينية في الحياة يمكن تعهيدها لمساعد عن بعد لتنفيذها والتركيز على الأهم وما يرفع الدخل حقاً، وبالنتيجة انجاز أكثر وكلفة أقل. لم يكن ذلك سرّا فقط استلهم مؤسس الشركة ذلك من هنري فورد الذي أشار إلى توظيف ذلك السر في سيارات فورد إذ لوحظ في كل عام، استمرار سعر سيارات فورد بالانخفاض، واستمرار الجودة في التحسن، وكان السر كامناً في تقسيم الإنتاج إلى مهمات بسيطة، يقوم كل عامل بمهمة واحدة محددة، ثم يتمّ تجميع تلك المهمات معًا كاللوغو ضمن المصنع، مما يسمح ببناء العمليات دون تعيين فرق جديدة تفهم العملية من أولها إلى آخرها، هذا التخصص هو من يصنع الفرق

    هناك فرق أساسي بالمناسبة بين التعهيد لمساعد شخصي عن بعد، وبين التعهيد الجماعي من خلال المستقلين، ففي التعهيد الجماعي يمكن توظيف مجموعة من الأشخاص لانجاز كمية كبيرة من العمل بنفس الوقت مثل توظيف من يقوم بمهمات محددة مثل كتابة الإعلانات أو معالجة البيانات، أما في حالة المساعد الشخصي فأنت توظف شخصاً ليقوم بالعمل نيابة عنك و قد يكون من ورائه فريق متكامل يقوم بإدارتهم وتوزيع المهمات عليهم، فيقوم بعدد كبير من الأشياء في وقت واحد نيابة عنك.

    ليس الأمر هنا مجرّد مساعد شخصي واحد عن بعد، إنّما الفكرة الهائلة هي أنّه يدير مجموعة أخرى من المساعدين عن بعد ويمثلهم أمامك مما يعني قدرة هائلة لتنفيذ الكثير من المهام في آن واحد، تخيّل فقط هذا السيناريو: قام أحدهم بطلب موعد معك عبر الايميل، يقوم أحدهم بفحص جدولك وتحديد الموعد الأفضل، ويقوم آخر بالمراسلة المهنية لمتابعة تحديد الموعد، ويقوم شخص ثالث بكتابة مذكرة الاجتماع أو تسجيله اذا كان أونلاين !

    لا ريب أنّ الأمر ليس بمثل هذه الرومانسية وخاصة مع الأمور التي تتطلب قرارات شخصية أو وصولاً حساساً للبيانات أو توقيع شخصي لبعض الوثائق، كما أنّه أمر يختلف تقبله من ثقافة لأخرى، إلا أنّه أمر مطبق حقاً في أماكن عدة وحسب شركة Invisible التي أشرنا لها والرائدة في هذا الموضوع، تصل أجوره مجموعات المساعدين الشخصيين عن بعد إلى خمسة دولارات في الساعة، ويتم ترقيتهم وتقسيمهم بحسب مستواهم الوظيفي وتدريبيهم السابق، ولا توظف الشركة أكثر من ستة بالمئة من أكثر المتقدمين خبرة، وتتم مراقبة العاملين بمشاركة شاشة طوال فترة عملهم، يراقبهم رؤساؤهم من خلالها للتأكد من الوقت اللازم لأداء المهمة، وتقدم الشركة خطوات إنجاز المهمة بمجرد تعيين الشخص للإسراع فيها، وهذا يحول دون استبدال اليد العاملة البشرية بالربوتات فيكون العمل بإنتاجية مقبولة ومحاكمة عقلية سليمة.

    شارك نيثان تجربته في المقالة و كيفية توظيف مساعد شخصي دائم له، وكيف أنّه بذل بعض الوقت والجهد بدايةً لشرح الأمور له، ولكن لاحقاً حصد الكثير من الوقت، ويشير نيثان أنّ السر يكمل بمدى روتينية الأعمال الموكلة، فكل ما تكرر فعله في حياتك هو أمر مثالي للتعهيد، مثلاً تنظيم قائمة المصروفات الدورية، جمع الايصالات وفرزها، الرد على المراسلات التقليدية، الاعتذار عن مهام بشكل دور.

    يضمّن الكاتب مقاله قصة نجاح شركة ناشئة أخرى في مجال التعهيد الجماعي والمساعدين الشخصيين عن بعد وهي شركة باريتو ومقرها في سان فرانسيسكو. وتُعنى هذه الشركة بتمكين المرأة وإدخالها في سوق العمل، وهي تعتمد على مجموعة عمل من النساء الفلبينيات في الغالب، والجدير بالذكر أن أجر الواحدة منهنّ يبدأ من أربعة دولارات في الساعة. وتلخص مؤسستها فيبي ياو جانبهم المجتمعي بالقول:

    ما نقوم بتعليمه هؤلاء النساء بشكل أساسي هو كيفية التفكير النقدي في العالم وتحليل مشكلات العالم، وكيفية طرح الأسئلة الصحيحة

    وتشير أنّ تمكين النساء أدّى لحصولهم على مصدر دخل، وأنّ السر هو في ضرورة طرح الأسئلة الصحيحة التي تثمر توصيفًا دقيقاً للمهمة ومن ثمّ الحصول على أداء احترافي لها.

    يفاجئنا الكاتب في نهاية المقال أنّه استقى معلوماته بعد حديثه المطوّل مع فرانسيس بيدرازا مؤسس Invisible، في مقر الشركة الذي لا يعدو عن كونه مكتب صغير في شقته في بروكلين، يناقشون فيها أمور موظفين في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وشرق أوربا.

    إنّ تراكم الوقت خير من تراكم الثروة، فالأول يجلب الثاني وعكس ذلك لا يحدث، لكن مع تسلطنا وبيروقراطية اتخاذ القرارات يكون التعهيد مراً كالعلقم لا تستسيغه عقولنا، وغالباً ما نربط بين انخفاض الجودة وعمليات التعهيد، وهذا صحيح دون شك خاصةً في الأعمال الإبداعية، لكن يكفي إيجاد من يفكر خارج الصندوق ويبدع ويخطئ ثم يتعلم من خطأه فينجز ولا يخطئ، حتى يكون تعهيدنا سليماً وناجحاً، وليس في ذلك استغلالاً لجهد أحد بل تمكين وتطوير لقدرات المساعدين، فخبرة الخبير لا تأتي إلا من احتكاكه بالخبراء.

    هناك حلول كثيرة، وفي عالم مليء بالانتاجية يمكن للمساعد الشخصي أن يدير بريدك الإلكتروني وأنت ضامن بأنّه لن يغير كلمة السر، أو يفتح رسالة لا يحق له ذلك، وذلك من خلال مراقبة سطح مكتبه مثلاً، وتدريبه على سرية المعلومات، وتفويضه بالشكل الصحيح.

    بقي أن أقول أنّ هذا المقال لم يكن ليرى النور بأقل وقت ممكن دون قوة التعهيد الجماعي، اذ وصلني المقال من صديق غال، ولم استطع مقاومة نقله، فلجأت لمساعدي الشخصي الذي قام باستخلاص العبر منه ومن ثم عاد لي بنسخة أولية بأهم الأفكار لأضع لمساتي و ليقوم مدقق لغوي بتدقيق النص، ولا أخفيك أنني أضفته على أراجيك شخصياً اليوم، لكنني أطمح بأن يقوم بذلك شخص آخر في المرة القادمة لأتفرغ لما هو مهم أكثر.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.