مسبار باركر الشمسي – Parker Solar Probe

  • 0
  • 272
  • منذ أن تمكن الإنسان من جوانب العلم، وطموحه أصبح لا حدود له، وكان شغف الإنسانية دائما النجوم والكواكب، فكان النظر إلى السماء من أول خطوات الإنسانية نحو العلوم، فتفوقت معظم الحضارات في علم الفلك، حضارة ما بين النهرين، والحضارة المصرية القديمة، والحضارة الهندية والصينية، مرورا بحضارة المايا رواد علم الفلك، وهكذا فتنت السماء البشر للبحث فيها وعن ماهيتها.وكان كسر حاجز السماء والإفلات من جاذبية الأرض في رحلة نحو أقرب الأجرام إلينا وهو القمر خطوة عظمى في التاريخ الإنساني، وبعد الوصول للقمر بدأ العلماء بإرسال مسبار تلو الآخر لفك شفرات وألغاز وغموض السماء، فأرسلت عدة مركبات فضائية للمريخ، ومسبار نيو هورايزون الذي وصل إلى الكوكب القزم بلوتو الواقع على حدود المجموعة الشمسية والتقط صورا عالية الوضوح له بعد أن كان مجرد شبحا على التلسكوبات، وذلك بالإضافة لتلسكوب هابل الفضائي الذي صور لنا الملايين من الصور للنجوم والمجرات وكان منجم لعلماء الفلك، ولكن بعد كل ذلك لم يتوقف شغف العلماء وكان هناك مشروعا بدأ في تسعينيات القرن الماضي لإرسال مسبار لاستكشاف الشمس عن قرب وكان التمويل وغياب التكنولوجيا التي تسمح بذلك الأمر هي العقبة لتنفيذ المشروع الذي ظل فكرة.جاء عام 2009 بخبر سار لكل عشاق الفلك من العلماء والهواة على حد سواء، وذلك حين تم الإعلان عن إعادة إحياء المشروع القديم لاستكشاف الشمس عن قرب، وأعلنت وكالة الفضاء الأشهر “ناسا” عن قيام مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جون هوبكنز بتصميم وبناء مسبار فضائي يقوم بتلك المهمة بتكلفة وصلت لـ 1.5 مليار دولار، وتم تسمية ذلك المسبار “مسبار باركر الشمسي” تكريما للفيزيائي “يوجين باركر” الأستاذ الفخري بجامعة وشيكاجو، وتعد تلك هي المرة الأولى التي تقوم فيها ناسا بتسمية مركبة باسم شخص على قيد الحياة اعترافا بجهوده.وفي يوم الأحد 12 أغسطس 2018 تم إطلاق مسبار باركر لاستكشاف الهالة الخارجية للشمس، ومن المقرر أن يقترب المسبار إلى حدود 8.86 نصف قطر شمسي (6.2 مليون كيلومتر) من سطح الشمس، وتلك الآلة تعد أسرع الآلات التي صنعها الإنسان على الإطلاق حيث أنها تسافر إلى الشمس بسرعة تصل إلى 700,000 كيلومتر/ساعة.وبالطبع يثار تساؤل عن كيفية وصول مركبة لذلك القرب من الشمس دون أن تحترق، وهذا الأمر هو ما أخذ الكثير من الأبحاث حتى تم التوصل لصناعة درع يحمي المركبة، وهو عبارة عن درع سداسي الشكل مصنوع من الكربون المقوى، مثبت على الجزء الذي سيواجه الشمس من المسبار ويبلغ قطره 2.3 متر، وسمكه 11.4 سنتيمتر، وهو مصمم لتحمل درجات حرارة تصل إلى 1370 درجة مئوية، والدرع مغطى بطبقة من الألومنيوم العاكسة التي تقلل من امتصاص الحرارة، وتم وضع الأجهزة العلمية في الجزء المركزي من حماية الدرع حيث سيتم حجب الإشعاع المباشر للشمس عن الأجهزة الهامة لحمايتها، وقامت ناسا بتركيب بطاقة ذاكرة على باطن المركبة تحتوي على أسماء 1.1 مليون شخص من حول العالم، كما تحتوي أيضا على صور للعالم يوجين باركر ونسخة كاملة من أوراقه العلمية التي ترجع لعام 1958 والتي كان قد تحدث فيها عن جوانب هامة عن الفيزياء الشمسية.وتلك المركبة تعد أول مركبة فضائية تصل لذلك القرب من الشمس حتى تكاد تلامسها، وستقوم بتقييم وتحديد بنية الشمس، ورصد ديناميكيات حقل الشمس والبلازما والمجال المغناطيسي، وحساب تدفق الطاقة الذي يعمل على تسخين الهالة الشمسية ويحث الرياح الشمسية، والآليات التي تسرع الجزيئات النشطة، وتم برمجة المسبار بنظام ذكاء اصطناعي قادر على جعل المركبة تتصرف بشكل مستقل وسريع لحماية نفسها عند الخطر، وذلك لكي تستطيع إرسال معلومات كافية إلى الأرض، وقد وصف مدير المشروع هذا المسبار بأنه الآلة الأكثر استقلالية على الإطلاق.

    أحمد فرحات كاتب

    كاتب وروئي، صدر لي كتاب «تاريخ الفكر الإنساني»، و روايتين: «خيفا»، و«رعب الفيروس».