القراءة أو الكتابة

  • 4
  • 432
  • أحيان كثيرة لا أستطيع القراءة، الكتابة مسيطرة على الفكر، أُمسك الكتاب، لكنّ الفكر عائم في مكان آخر؛ في كلماتٍ يقرأها، لا أستطيع القراءة حينها، أضع الكتاب، وأشرعُ في الكتابة. دائماً القراءة مقدّمة عندي، وأحب القراءة أكثر من الكتابة، والكتابة تعلم بذلك، ولا ضير في ذلك، فالكتابة فهمت أن القراءة من أجلها، والواقع هو أن القراءة ليست لأجل الكتابة أبداً، لم أقرأ كتاباً واحداً لكي أكتب! ولم أقرأ كتاباً لأجل تحسين الناحية اللغوية والأسلوبية وغيرها، إلا الكتب المتخصصة في ذلك، في مجال الكتابة تحديداً، فبالتأكيد قرأتها لأجل هذا الغرض، وهو الكتابة، وفي الحقيقة لها أبعاد أخرى غير الكتابة.

    الكتب الأخرى هي للقراءة فقط، لا أقرأ رواية لأجل أن أكتب رواية، ولا قصيدة كي أكتب قصيدة، وغيرها. أقرأ هذه الكتب بتجرّد تام، أستمتع بكل التفاصيل الممكنة. وبالتأكيد لم أقرأ كتاباً لمنفعة دنيوية مادية بحتة، إلا تلك الكتب الجامعية المقررة. فالقراءة لأجل القراءة والكتابة لأجل الكتابة، والكتابة تعتقدُ كبرياءً منها أنني سأقرأ لأجلها! هناك أيام معينة تتأجج فيها الكلمات، وتكثر فيها الكتابة، لا أستطيع التركيز في الكتاب الذي بيدي، أحاول صرف الكتابة عن ذهني لكن لا أستطيع، فالكلمات والجمل والأفكار تدور في فلك ذهني، وأحياناً صدري، عندما تكون قصيدة احتدمت وحان كتابتها.

    في هذه الأيام أتأخر عن الحصة اليومية للقراءة، وفي الأيام التالية، أجد نفسي متأخراً بصفحات كثيرة، أضغط على نفسي، أحاول استدراك هذا الفوات، جدولي يزدحم بشكل غبي، لا أحب التأخر في الكتاب، أنظر إلى الكتاب التالي وأقول له انتظر قليلاً سآتي إليك في الموعد المحدد، لكن هذا لا يحصل، أتأخر دائماً عن الموعد المحدد، وأبدأ في الكتاب الجديد بعد يومين من موعده، وأركض مجدداً في القراءة وأختلس الأوقات، وأطرد كل أفكار الكتابة المتطفلة، وأوصد على فكري كل الأبواب، وأصب تركيزي في الكتاب. هل القراءة والكتابة ضرتان؟ لا أظن ذلك، لكن المشكلة في الكتابة، الكتابة مزاجية جداً، ليس لها وقت محدد كما تعلمون، تأتي وتذهب حسب ما تريد، وأنا كذلك عنيد أيضاً ولا أستطيع دائماً التعامل مع هذه المزاجية المفرطة! لذلك هي تعلم ما تواجهه مني من صدود أحياناً وتجاهل، وعدم اكتراث فتنفجر في وجهي غاضبة، عندئذ لا أستطيع مجابهة هذا الغضب، أداريه بكل ما أستطيع. وعندما أريد أنا الكتابة، عندما أشعر بمزاج جيد لها، بلحظة أريد كتابتها، تتجاهلني، تبتسم في وجهي وتصدّ! تسعل وتتصنع التعب!

    تقفز وتهرب بعيداً، هكذا تفعل يا أحبتي، حتى لو غضبت، فهي لا تداريني كما أفعل معها، حينها أكتب الأفكار مبعثرة وغير مرتبة، كتابة بدائية قبيحة، هي تقول ماذا تفعل؟ لماذا تكتب بهذه الطريقة! انتظرني عندما آتيك. عندها أبتسم بجمود، وأستمر في الكتابة الرديئة. تغتاظ مني، لكنني أستمر، ولا يهمُّني إن كان ما أكتبه جيداً أم لا، سأكتبه، ولن أنشره، سأكتبه للريح، للصمت، للسحابات التخزينية، لا يهم، لكنني سأكتب متى ما أردت ذلك، حتى لو ابتعدت الكتابة عني. أفضل اللحظات وأجملها وأحلاها عندما نكون في وفاق معاً، عندما آتي إليها، وتأتي إلي، بلا موعد ولا اتفاق، آه ما أجمل هذه اللحظات، نكون في وفاق تام وتناغم، نتحدث سوياً في ذات الكلمة دون أن نشعر، ونضحك، نكتب الجمل تلو الجمل بكل اتساق، وننتهي بالقُبلات، نريد أن لا تنتهي هذه اللحظات أبداً، لكن لا بد أن تنتهي.

    رائد المقبل كاتب

    قارئ وكاتب.. أشارك ما أحبه.