فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

قراءة في كتاب “أنت تحتاج لموازنة”

  • 0
  • 4٬520
  • لا بدّ وقد سمع معظمنا، أو جميعنا بمصطلح “الموازنة” فهو مصطلحٌ شائعٌ ليس فقط عند طبقة الأثرياء، وأصحاب المشاريع، بل في جميع الأوساط، وفي جميع الفئات المُجتمعيّة على اختلافها، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الجميع على علمٍ بما وراء هذه الكلمة من تفاصيلٍ، وأسرار، وأنّ نجاح أو فشل الكثير من المشاريع -على اختلاف أحجامها- مرتبطٌ بضبط الموازنة، فهي أشبه ببرنامجٍ ماليٍّ يُنظِّم عمل الكثير من الأمور الإداريّة، والاقتصاديّة، والمجتمعيّة حتّى. 

    إنّ جوهر فكرة إعداد الموازنة يكون للتّخطيط للمستقبل، وليست فقط لكسب الكثير من الأموال في المستقبل، أو بناء الثّروات، إنّما التّحكم بما يملك الإنسان حاليًّا، أي التّخطيط بمنهجٍ دقيقٍ ليصل إلى أهدافه مُستقبلًا، كما أنّ تنظيم ميزانيّة الفرد لا يتطلّب منه جداولَ بيانيّة يذكر فيها ما يُريد إنفاقه بشكلٍ شهريٍّ ودقيقٍ، لأنّه إذا قام بذلك سيكون مقيَّدًا، وسيفقد المرونة في التّعامل مع ما يملك، وستضيع أولويّاته حتمًا، تخيّل معي أنّه لديك مثلًا 400 دولار لتنفقها، وقررت أن توزّعها حسب احتياجاتك، فمثلًا قد تخصّص 50 دولار لفاتورة الهاتف، و 100 لتصليح الحاسوب، و100 دولار لتناول العشاء مع أحد المقرّبين، يبقى لديك 150 دولار عليك دفعها لطبيب الأسنان، هل تستطيع تحديد أي هذه الأمور يُعتبر أولوّيَّة أكثر من غيره؟ بالطّبع لا، عليك إعادة النّظر بالأموال المُخصّصة لكلٍّ منها.

    كيف أخطط لموازنة ناجحة؟

    الموازنة هي أن تعرف ما لديك ثمَّ تقرّر كيف ستنفق، هي ليست عمليّة تخمينيّة بالمُطلق، ولا تظنّ أبدًا أنك ستعرف ما ستكون نفقاتك في المُستقبل من خلالها، هي أشبه بخطّةٍ مبنيّةٍ على معرفتك بتفاصيل نفقاتك الحاليّة، ما هو دخلك؟ وما هي مسؤوليّاتك؟ وكيف ستوزّع دخلك على هذه المسؤوليّات؟ هي مُحاكاةٌ للواقع، من غير فرضيّاتٍ، أو توقّعاتٍ.

    قد يشعر البعض بالذّنب حين ينفق أمواله على أشياء غير هامّةٍ، في هذه الحالة أوّل ما يجب تغييره هو تصنيف الأشياء، ومعرفة أهميّتها بالضّبط، وبالتّالي تجنّب هدر الأموال على أشياء غير هامّة، والبدء بادّخار هذه الأموال عوضًا عن ذلك.

    حدّد ما هي التزاماتك، وعلى ماذا يجب أن تصرف أموالك، وعن أيِّ شيءٍ يُمكنك الاستغناء، لتتمكن من ادّخار مبلغٍ أكبر.

    هل هذا يعني حرمان نفسك من التّلذُّذ بمتعة شراء الأشياء؟ لا على العكس، تحديد الالتزامات، ومعرفتها يمنح الإنسان المزيد من المرونة في تصنيف الأشياء، والتّعامل معها حسب الحاجة، وضمن المقدرة.

    قواعد أساسية نحو تخطيط مالي أفضل

    يُخبرنا جيسي ميتشام مؤلف كتاب “You Need A Budget” ومُبتكر برنامج ماليٍّ يحمل نفس الاسم، بعض القواعد في كتابه من شأنها أن تسهم في عمليّة تنظيم الموازنة، ورفع الإنتاجيّة الماليّة بطرق بسيطةٍ، تتّسم بالواقعيّة، والمرونة، والفاعليّة.

    ينطلق الكتاب من القاعدة الأساسيّة التي بنى عليها المؤلف كتابه وبرنامجه هي أن تعرف كيف تصرف أموالك بالضّبط، تعرف أنّ كلّ دولارٍ ستكسبه سيُصرف على شيءٍ مُحدّدٍ، وبهدفٍ واضحٍ، وحسب الكتاب بهذه الطّريقة تستطيع استغلال كلَّ ما لديك من أموالٍ، وموارد، وبالتّالي تتجنّب تجميد أموالك، وتتجنّب هدرها، أو ركودها الذي يؤدّي بشكلٍ أو بآخر إلى ضياعها.

    تجنّب الديون

    القاعدة الأولى تجنّب الديون، تعتبر الديون أمرًا خانقًا، ومُربكًا، وينصح الكاتب أن تحاول قدر الإمكان تخفيف ديونك، لأنّك ستكون أمام عبءٍ إضافيٍّ وستكون مُضطرًّا إلى ادّخار المزيد من الأموال لسدّ هذه الدّيون، بدلًا من ادّخارها بطريقةٍ تعود عليك بالنّفع، وتزيد من أرباحك مستقبلًا لتحقيق مشاريع مستقبليّة.

    في حوارٍ ملهم أجراه بريت مكاي مع الكاتب سأل فيه بريت مكاي ضيفه جيسي ميتشام عن رأيه في الدّيون، وسدادها؟

    يُجيب ميتشام:

    “أنا لا أحبُّ ذلك، أنا لا أعارضه أخلاقيًّا، فإنَّ سبب سوء الدَّين هو أنَّه إذا كانت وظيفتنا هي إعطاء كل دولارٍ وظيفة، فبهذه الحالة نصف أموالك، أو جزء كبير منها سيخصَّص لسداد الدّيون؛ إنّه يمنعك من إعطاء كلّ دولارٍ وظيفة لأنَّك غير قادرٍ على تمويل الأشياء التي تريدها حقًّا، إنَّك تدفع ثمن أخطاءٍ سابقةٍ، فالدّين يُطالب بأموالك قبل أن تتمكَّن من إعداد ميزانيّتها ولهذا السّبب لا أحبه”.

    قوة الإدّخار

    القاعدة الثانية المهمة، لا يجب أن تكون عملية ادّخار الأموال عمليّةً جافّة، ومقيّدة، ولا محدودة بثوابت، وضوابط، ولا أن تكون محدودةً بنسبٍ مئويّةٍ؛ فلكلِّ انسانٍ ظروف خاصّةٍ به وحده، قد لا تشبه ظروف أيّ شخصٍ آخر، ولكلِّ انسان طريقة عيشٍ تميّزه عن باقي النّاس، ولا تنسَ أن تحاول أن تضيف شيئًا من العاطفة إلى خطّتك، فهذه حياتك أنت، ويجب أن تخطّط لها بطريقةٍ تُناسبك، وتجعلك سعيدًا بالدّرجة الأولى.

    هناك قاعدة أخرى حول الادّخار، وصنع الموازنة، تقول يجب مراعاة ادخار المال في حالة مواجهة أمور طارئة يتوقّع حدوثها لاحقًا، في طبيعة الحال، أعياد ميلاد، حفلات، ومناسبات، أقساط مُفاجئة، لا يُمكن التّنبؤ بهذه الأمور، ولا بموعد حدوثها، ولا بضخامتها، ولكن تبقى أحداثًا واردة الحدوث، ويجب الاستعداد لها.

    على صعيد آخر، في بعض الأحيان، يتعيّن علينا تعديل ميزانيتنا حسب مُعدّل إنفاقنا، وليس العكس، أي يجب أن تتّصف ميزانيّتك بالمرونة، فمهما واجهتك تغيّرات، وصعوبات، عليك تحويل هذه المُستجدّات إلى صالحك، وبالتّالي لا تتأثّر خطّتك بأيِّ تغييرٍ قد تواجهه.

    حدد أولوياتك ثم انطلق

    يرى بعض الأشخاص أنَّه من غير المريح التّحدث عن الأمور الماليّة مع الشّريك، وأفضل طريقة للتّغلب على ذلك ما يُسمّى بالموازنة المُشتركة، أي الادّخار لتحقيق أهداف مُشتركة، فهي تحتوي على ثلاث مجموعات من الأولويّات:

    أولويّاتك، وأولويّات شريكك، والأولويّات المُشتركة.

    يجب أن تجلس مرّةً واحدةً في الشهر على الأقل لتناقش الموازنة، وتخبروا بعضكم بصراحة مقدار المال الواجب إنفاقه، وكيف سيتمّ إنفاقه، ومن الرّائع أيضاً أن تربّي أطفالك تربيةً ماليةً صحيحةً، وخلّاقة، وأن تشرح هذه القواعد، وغيرها لهم بأسلوبٍ مُبسّطٍ، وجذّاب، أعطهم الحرّية الماليّة، والقرار لينفقوا أموالهم، وراقب نفقاتهم. وتذكّر دائمًا أنّ ضبط الموازنة لا يعني أبدًا، وحُكمًا أن نتقيّد، ونشعر بالحذر الدّائم، على العكس تمامًا هي وسيلةٌ عبقريّةٌ للتكيّف مع ما نملك للحصول على ما نريد.

    ختاماً..

    يساعد اتّباع القواعد السّابقة في الحصول على حياةٍ ماليّةٍ واعيةٍ، ومنع العواقب الوخيمة النَّاجمة عن النَّفقات المُفاجِئة غير المتوقَّعة، كما تمنحك عقليَّة إعداد الموازنة المرونة لإعادة ترتيب أولويَّاتك في أوقات الحاجة، بتفكيرٍ فلسفيٍّ، إداريٍّ، واقعيٍّ، وعمليٍّ. إنّ الموازنة أسلوب حياة، تتطلّب العمل الجاد، والمُثمر، وتذكّر دائمًا عليك أن تعيش في حدود إمكانيّاتك، ومواردك، ومن العظيم أن تسعى لتوسيع هذه الإمكانيّات، وإنمائها.

    من الطّبيعي جدًّا أن تشعر أحيانًا برغبةٍ كبيرةٍ بالتّوقّف عن وضع الموازنة، لذلك ضع جانباً الجانب العاطفيّ في الموازنة، لا تطمح للمثاليّة دومًا، تأكّد من ميزانيّتك، ومن أهدافك، واترك مساحةً للرّاحة، فلا يُمكن تغيير عادات الإنفاق بين عشيّةٍ أو ضحاها، عليك تغييرها تدريجيًّا، الموازنة هي أداة لتخدمك، وليس سجنًا لتقيّدك، والأفكار كثيرة، إن لم يعجبك أحد الخيارات، فهناك الكثير غيره، وكلّها لراحتك.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.