التعميم والاجتزاء والتبسيط

  • 0
  • 440
  • يتصف أسلوب تفكير العصبية النموذجي بخصائص أبرزها: القطعية الإطلاقية، والتعميم، والتحيز، والأحكام المسبقة، والأحادية والاجتزاء، والتبسيط، والأزلية.

    كذلك هو حال الأمور في الخطاب العصبي، كما يتجلى في لغة زعيم العصبية، حيث يتصف باليقين القطعي.

    فالعصبية هي دوما على حق والآخر هو الباطل، وحقوق العصبية قاطعة مطلقة ولا تحتمل التسويات مما يعتبر بمثابة انتقاص، ليس من هذه الحقوق، وإنما هو مس بكيان العصبية ذاتها، يستدعي الانخراط في الصراع دفاعاً عنه کاملاً غير منقوص، تماماً كالقتال دفاعاً عن الشرف الذي لا يتجزأ أو يقبل التسويات.

    التعميم الذي يتجاوز الوضعيات الجزئية، فيعمم حالة أو موقفاً على كل المواقف، مسبغاً طابع الدوام والشمول على قضايا جزئية أو ظرفية. فالإساءة الجزئية هي دليل إساءات دائمة، وتشمل جميع الأمور التي تلحق بالعصبية. كذلك حال التعميم في الحياة اليومية. فمن قصّر مرة هو دوماً مقصّر، ومن أخطأ مرة هو دوماً مخطئ، ولطالما كان كذلك. وإذا بدت خصلة سيئة من أحد أفراد جماعة أخرى، تعمم الأحكام على الجماعة كلها؛ بأنهم كلهم سيئون أو عدوانيون … إلخ .
    كما أن التعميم هو ما يميز مشاعر الاضطهاد التي يعانيها بعض المضطربين نفسية، حيث لسان حال الواحد منهم يقول: كلهم ضدي، كلهم يريدون بي السوء، مما يطلق العنان لعدوانيته وميوله الانتقامية، دفاعاً عن حقه. وهكذا فتعميم الأحكام هو المدخل التلقائي لعلاقات الصراع والاتهامات المتبادلة.

    وفي مقابل التعميم هناك الاجتزاء في النظرة والتفكير، حيث تركز الأحكام على بعض الخصال أو السلوكات فتضځم سلبياتها بحيث يمكن أن تصل حد شيطنة الآخر. تلك هي إحدى الخصائص الأساسية في النظرة إلى العصبيات الأخرى. ويتم في الاجتزاء إلغاء التفكير الجدلي، الذي يقرر أن لكل أمر ولكل إنسان سلبياته وإيجابياته، وأوجه قوته وأوجه ضعفه، وإنجازاته وتقصيره. وبالتالي فإن الاجتزاء يبتعد عن إنصاف الآخر، والنظرة المتكاملة للواقع بما له وما عليه. الاجتزاء هو أحد محركات الصراع مع الآخر أفراداً أو جماعات. ذلك أنه يركز على السلبيات التي تمثل المدخل إلى الشيطنة. والشيطنة بدورها تبرر إطلاق العنان للمشاعر والعدوانية وبالتالي الصراع.

    ويندرج التبسيط ضمن المنحى ذاته في أساليب التفكير. منها تبسيط الشعارات في خطاب العصبية وزعيمها، في صيغ مكثفة يطلق عليها طابع اليقين وإطلاقه: العرق النقي، شعب الله المختار، خير أمة أخرجت للناس، أشرف الناس. كلها شعارات تبسيطية تختزل غنى الواقع وتنوعه وتعدد أوجهه. وكلها تؤدي إلى إغلاق التفكير النقدي والجدلي من خلال تبني يقينيات مطلقة تشكل محفز إطلاق حماس جمهور العصبية وقطعية مواقفها، وإعطائها وهم المشروعية التي لا تجادل.


    المصدر:
    د. مصطفى حجازي
    كتاب: العصبيات وآفاتها

    ماهر رزوق مترجم

    مترجم وكاتب روائي.