فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

الدِّماغُ الخفيُّ

  • 0
  • 3٬000
  • غلاف كتاب الدماغ الخفي-شَانكار فيدانتام

    يَسودُ الاعتقادُ أنَّ البشرَ يتخّذون القراراتِ بكاملِ إرادتهم ويغلبون دَوافعهم على عواطِفهم، لكن هل هذه هيَ الحقيقة، أم أنَّ هناك عواملٌ خفيَّةٌ وراء السّلوك الإنسانيِّ تُسيّرنا في غفلةٍ من أمرِنا؟!

    في كتابِه الدماغُ الخفيُّ، يُثيرُ شَانكار فيدانتام الصَّحفي والمُراسل الأمريكّي في الرَّاديو الوطنيّ العامِّ، والمُهتم في السّلوكِ البشريِّ والعلومِ الاجتماعيَّة هذهِ التّساؤلات، ويطرحُ وجهة نظرٍ مختلفةٍ تتعارضُ مع هذا الاعتقاد يستمدَّها من الإقتصاد السُّلوكيِّ رغم إغفاله قول ذلك في كتابه، ويقولُ إنَّ جميعَ الأحكامِ المسبقةِ والرَّغباتِ اللاشعوريّة هيَ القالبُ الّذي يشكِّلُ السُّلوك الإنساني. ويؤكّدُ الكاتبُ على حقيقةِ أنَّ الانحيازاتِ اللاشعورية، أو الدِّماغ الخفيِّ هي السّبب وراء معظمِ الأزمات التي تعاني منها البشريّة اليوم، ومع ذلك تُصرُّ السّياسات على تجاهلِ أهميّة الدّماغِ الخفيِّ في صناعةِ القرار، وتأتي أهميّة هذا الكتاب من محاولته الكشف عن وظائف الدِّماغ الخفيِّ، وعن تفسيرِ العديدِ من المشاكلِ كالعنصريّة، وغيرها في ضوء عمليَّات التَّفكير غير الخاضعة للتّدقيق، وعن توضيحِ أسباب استمرارِ هذه الممارسات حتَّى في المجتمعاتِ، والثّقافاتِ التي تنادي بالعدالة والدِّيمقراطيّة، ويكشفُ الكاتبُ بين سطورِه فشلَ عملياتِ التّحليلِ المنطقيِّ في تفسيرِ السّلوكِ الإنسانيِّ في أوقاتِ الأزمات.

    يوضّحُ الكتابُ أنَّ البشرّ عبرّ التّاريخِ طوّروا قُدرتهم على خلقِ الاستدلالاتِ السّببيّة وتكوين الافتراضات، ما جعل حياتهم أقلَّ تعقيدًا، واتِّخاذُ القرارات عمليَّةٌ أسهلٌ، وهو ما يراه الكاتب تطوّرًا ثوريًّا هامًّا في تاريخِ الإنسانيَّة، فعلى سبيل المثال، ربطَ الإنسانُ بين شعوريِّ الألمِ، والخطرِ الذي يستدعي منه استجابةً سريعةً للنَّجاة؛ ولكنَّ البشرَ غالبًّا ما يجهلونَ وجودَ هذا النَّوعِ من العلاقاتِ إلا عندما يتعرَّضونَ إلى موقفٍ يتضمنّها، وينصحُ الكاتبُ قرّاءه إلى مراقبةِ النّقاشاتِ العامةِ، وتصرّفاتِ البشرِ في أوقاتِ الكوارثِ والأزماتِ؛ لاكتشافِ تأثير الدِّماغِ الخفيِّ علينا -نحن البشر- وتصرّفنا وفق ما نملك من انحيازاتٍٍ معرفيّة لاشعوريّة، ولَكن في نفس الوقتِ لا يكونُ لها أهميةٌ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بتفسيرِ تعقيداتِ الحياةِ اليوميّة؛ لأنَّها تكونُ عائقًا في سبيلِ تحديدِ الأسبابِ الحقيقيَّة وراءها، ويقترحُ الكاتبُ استراتيجيتي التأمّلِ، والتّفكيرِ الذَّاتيِّ كممارساتٍ تساعدُ في الحدِّ من تأثيرِ هذه الانحيازات، الّتي يشكّلها الدِّماغُ الخفيُّ مع مرورِ الوقتِ في غفلةٍ منّا عن إدراكِ تفضيلاتنا الخاصّة.

    Book Review | 'The Hidden Brain,' by Shankar Vedantam - The New York Times

    ويعرضُ الكتابُ بعض أشكالِ تأثيرِ الدّماغِ الخفيِّ على السّلوكياتِ الإنسانيِّة وهي:

    التّفضيلاتُ اللاشعوريّةُ، والسّلوكُ الإنسانيُّ

    توضِّحُ الدراساتُ والأبحاثُ الإحصائيّةُ، والمخبريّةُ عدم قدرةِ البشرِ على اتّخاذِ قراراتٍ جيّدةٍ في معظمِ الأوقات؛ لأنَّهم كائناتٌ سريعةُ التَّأثرِ بالذِّكرياتِ اللاشعوريّةِ داخلهم ويتصرَّفونَ وما ينسجمُ معها، ويسمّي الكاتبُ جميعَ هذه الانحيازاتِِ المعرفيّةِ اللاشعوريّةِ “بالدماغ الخفيِّ” وهي -في رأيه- عبارةٌ عن اختصاراتٍ عقليّةٍ تنطلقُ منها جميع القراراتِ التي يأخذها البشرُ ليستجيبوا إلى موقفٍ ما بسرعةٍ، وتعرف علميًّا بالفلسفةِ وعلمِ النّفسِ بمصطلح الاستدلال.

    وتُعتبر عمليَّاتُ الاستدلالِ اللاشعوريّةِ وسيلةً مفيدةً في معالجةِ عددٍ هائلٍ من القراراتِ اليوميّةِ التي يتوجّبُ على الإنسانِ أن يتَّخذها، وتكون شيئًا ثانويًّا في القراراتِ البسيطةِ مثل تفضيل طعامٍ على طعامٍ آخر.

    الدِّماغُ الخفيُّ، والسُّلوكُ الإنسانيُّ في ظلِّ المعاييرِ الاجتماعيَّةِ

    تساعدُ الاختصاراتُ العقليّةُ، واسترجاعُ المعلوماتِ اللاشعوريّةِ في تلافي ارتكابِ أيِّ سلوكياتٍ غير مقبولةٍ اجتماعيًّا، وبالتَّالي المحافظةُ على المعاييرِ الاجتماعيّة.

    أجرت الباحثةُ ميليسا باتيسون تجربةً على سلوكيَّاتِ الموظَّفينِ في أحدِ المكاتبِ حولَ المبلغِ الّذي يدفعونَه لقاءَ فنجانِ قهوةٍ، أو كأس شايٍّ يشربونَهُ يوميًّا، مستخدمةً بالتَّناوبِ إشارتين مختلفتين في الانطباع الذي تعطيهِ: صورةُ زهرةِ أقحوان، وصورة عينين مفتوحتين، وطلبت من الموظَّفين الدّفع عن كاملِ الأسبوعِ.

    توصّلت الباحثةُ أنَّ المبلغَ تضاعفَ في الأسبوعِ الذي استخدمت فيه صورةَ العينين -التي تعطي انطباعًا بالمراقبة- مقارنةً بالأسبوعِ الذي استخدمت فيه صورة زهرةِ الأقحوان، وفسّرت هذا التَّغيير أنَّ سلوكَ البشرِ يتغيّرُ وفقَ التّصورِ الذي يتعرَّضون إليه، وخلصت إلى أنَّ سلوكيَّاتنا كبشرٍ تتغيَّر يوميًّا دون إدراكنا لتلك التّغييرات.

    يساعدُ الدِّماغُ الخفيُّ على بناءِ علاقةٍ بينَ الأشياءِ دونَ الحاجةِ إلى التَّفكيرِ بردودِ فعلٍ مناسبةٍ، ومعظم روّاد الأعمال يستندون إلى هذه العلاقة في تقديمِ النّصائحِ لعقدِ صفقاتٍ، أو إجراء مقابلاتِ عملٍ ناجحة.

    ويستجيبُ البشرُ فطريًّا، وبشكلٍ أفضل إلى الأشياءِ التي تعبّرُ عن الانتماءِ من أحدِ الأطرافِ، فمثلًا استخدامُ الأفعالِ الحركيّةِ في مقابلاتِ العملِ والسِّير الذاتيّة، يعطي انطباعًا لاشعوريًّا بانتماءِ المتقدِّم إلى الشّركةِ، ما يزيدُ من فرصةِ قبولِ صاحبِ العملِ له.

    الدِّماغُ الخفيُّ وشعورا الرَّاحةِ، والأمانِ

    يربطُ الدِّماغُ الخفيُّ بين شعوريِّ الرَّاحةِ والأمان؛ ما يفسّر ميلَ البشرِ إلى مجتمعاتهم. فهو يحفزُّ البشرَ إلى تفضيلِ شعوري السلامةِ والأمانِ على شعورِ الخطرِ من خلالِ خلقِ هذه العلاقةِ بينهما. قد كشفَ بعضُ الباحثين ميلَ المستثمرين إلى المغالاةِ في تقديرِ قيمةِ الشَّركاتِ التي تحمل تسمياتٍ سهلةَ النّطقِ وأشاروا إلى تفوّقِ هذه الشَّركاتِ على منافسيها منذُ اللحظةِ الأولى لانطلاقها بنسبة 11.2 % ولاحظوا ميلَهم إلى تمويلِ الشَّركاتِ التي يسهلُ عليهم نطقَ أسمائها، رغمَ معرفتُهم أنَّ الأسماءّ لا تعتبر مؤشرًّا موثوقًا على نجاحِ الشَّركةِ اقتصاديًّا، ويفسّرُ الباحثون ذلك أنَّ شعورهم بالراحةِ يمنحُهم الشُّعورَ بالأمان.

    الدماغُ الخفيُّ وسلوكيَّاتُ البشرِ في الأزماتِ

    يحاكي البشرُ خلال الأزماتِ سلوكَ الجماعةِ عوضًا عن المبادرةِ، لا سيّما إذا وُجدَ ارتباطٌ عاطفيٌّ مع أغلبِ أفرادها. يميلُ الدماغُ الخفيُّ إلى القراراتِ الجماعيَِّة، وهذا يفسّرُ الغلبةَ للظاهرةِ المعروفةِ بتأثير المتفرِّج وهي ظاهرةٌ تشيرُ إلى امتناعِ الشَّخصِ عن تقديمِ أيِّ مساعدةٍ للضحيَّة، إذا كانَ هنالك حاضرانَ آخران. فاحتمالُ المساعدةِ يرتبطُ عكسيًّا مع عددِ المتفرّجين، ويفسرّ العلاقةَ بينَ حجمِ المجموعةِ والوقتِ الذي تستغرقُه للنّجاة من الخطرِ. فهنالك أمثلةٌ كثيرةٌ تبيّن أنّ البشرّ يميلونّ إلى البقاءِ مع المجموعةِ حتّى لو لم تمتلك منظورًا مختلفًا، ففي الأزماتِ يميلُ الإنسانُ إلى الشّعورِ بالرَّاحةِ ومحاكاةِ المجموعةِ في ضوءِ الفكرةِ المسبقةِ أنّ الجماعةَ لا تتَّفقُ على خطأٍ، ولكن حتَّى لو تطوّرت قدرةُ البشرِ على اتِّخاذِ القراراتِ وقتَ الأزماتِ، قد لا تكون بالسّرعة الكافيّة للنّجاة من الخطرِ. فوجودُ الفردِ ضمن المجموعةِ مؤشِّرٌ قويٌّ على سلوكه.

    الفطرةُ، وتقديرُ حجم الخطرِ

    يفتقرُ البشرُ إلى التَّقديرِ الفطريِّ السّليمِ لحجمِ الأخطارِ، والأزماتِ البشريّةِ الّتي تعاني منها البشريّةُ جمعاء. يفتقرُ الإنسانُ القدرةَ على الإحساسِ بالآخرين فطريًّا، والتي اكتسبوها وطوَّروها مع مرورِ الوقت، فلطالما كانوا غيرَ قادرين على تقديرِ معاناةِ من حولِهم على النَّحوِ الكافٍ، وهذا ما يفسّر الاستجابةَ الضَّعيفةَ للسُّكانِ حولَ العالمِ اتِّجاه الأزماتِ التي حدثت وتحدث عبر التَّاريخِ كالمجاعاتِ والإبادات الجماعيّة.

    يؤدِّي تركيزُ البشر فطريًّا على المشاكلِ الصَّغيرةِ المرتبطةِ بنا عاطفيًّا إلى امتلاكِ البشرِ ميلًا لاشعوريًّا إلى إنقاذِ أكبرِ عددٍ من الضَّحايا دون التَّفكيرِ بالحالة الإنسانيَّةِ عمومًا، فالتَّفكيرُ، والتَّعاطفُ يكونان على نطاقٍ ضيِّقٍٍ فقط.

    أكّدَ الكثيرُ من فلاسفةِ المذهبِ النَّفعيّ أمثالَ بيتر سينغر على تفوّقِ المعايير الأخلاقيّة على جميعِ المعاييرِ، والعواملِ الأخرى التي قد تكونُ متاحةً، وأشارَ إلى أهمِّيةِ الأسبابِ في إلقاءِ الضَّوءِ على المشكلةِ، وبالتَّالي العملُ على التخفيفِ من المشكلةِ، أو إيجادِ حلٍّ لها كأزمةِ الفقرِ، أو مرض الملاريا، ويرى الإيثار أسلوبَ حلٍ يساهمُ في مساعدةِ أكبر عددٍ من الكائناتِ ويتوافقُ مع الفلسفة الإيثاريَّة.

    ختامًا

     الدماغُّ الخفيُّ هو واحدٌ من أشكالِ البقاءِ التي استخدمها أجدادُنا واستمرّت إلى يومِنا هذا، ورغمَ أنَّه ذو تأثيرٍ قويٍ في الشَّخصيّةِ الإنسانيّةِ، فلا يعني ذلك أنَّ هذه الانحيازات المعرفيّة اللاشعوريّة هي نتيجةٌ حتميّة؛ فالتَّطورُ المدنيُّ يتطلبُ الكشفَ عن هذه الانحيازاتِ والتغلّب عليها من أجل تفادي نتائجها الكارثيَّة.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.