الشم والذاكرة والعواطف

  • 0
  • 1٬288
  • قامت الباحثة النفسية راشيل هيرز Rachel Herz من جامعة براون في الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء تجربة لترى ما إذا كانت الرائحة تشكل عاملاً مثيراً للذكريات أقوى من الإشارات اللغوية والمرئية واللمسية أو حتى المقطوعات الموسيقية. وقد وجدت الباحثة أن الإجابة هي لا.

    فإن كل الإشارات أو المؤثرات تساعد على التذكر بنفس الدقة وبنفس الدرجة. غير أن المشاركين أفادوا بأن الذكريات التي أثيرت بالروائح كانت محملة بالعواطف بدرجة أكبر. إن القوة العاطفية للذكريات التي تستدعى بالروائح تبرز بوضوح في المجال الحسي. وبعبارة أخرى فإن حاسة الشم ليست أفضل من بقية الحواس في استدعاء الذكريات ولكنها تعيد تنشيط العواطف المرتبطة بهذه الذكريات أكثر من بقية الحواس.

    وأحد الأسباب لهذه الظاهرة هو أن المناطق المسئولة عن الشم في الدماغ هي أيضاً مناطق مهمة للعواطف. وهذا على وجه الخصوص ينطبق على اللوزة Amygdala واللحاء الحجاجي الجبهي Orbitofrontal Cortex. و تعتبر اللوزة في الواقع مركزاً مهماً من مراكز حاسة الشم في الدماغ. وأما بالنسبة للحاء الحجاجي الجبهي فهو المنوط بفعلنة أو معالجة الصفة الهيدونية (اللذة أو عدم اللذة) للروائح: ويظن أن الناحية الجانبية (الوحشية) منه Lateral Region تعالج على وجه الخصوص الروائح الكريهة، بينما الناحية الإنسية Medial Region مسئولة عن معالجة الروائح الطيبة. ولكن ما هو دورهما في معالجة العواطف؟

    إن للوزة دوراً مركزا في معالجة المغزى الوجداني للأحداث المحيطة بنا، والتي تسمح لنا بتقدير المدى الذي تؤثر فيه هذه الأحداث على تسهيل الوصول إلى أهدافنا واحتياجاتنا، أو على العكس عرقلتها. وأما اللحاء الحجاجي الجبهي، فإن له دورا في تقدير تكافؤ الأحداث العاطفية وتنظيم العواطف (قد يكون التكافؤ إيجابياً أو سلبياً أو متعادلاً اعتماداً على كيفية تقييم الحدث).

    وقد أثبتت دراسات عديدة استخدمت تقنيات التصوير الإشعاعي للمخ أن “المخ العاطفي” Emotional Brain حساس جداً للروائح. ولكن كيف تولد عاطفة ما من الشم. كيف نشعر حينما نشم رائحة ما أن هذه الرائحة محببة أو على العكس غير محببة؟

    ولكي نعلم ما إذا كانت هذه الصفة الهيدونية تعكس البنية الكيميائية للمادة، قام نوام سوبيل Noam Sobel وزملاؤه في معهد وایز مان في إسرائيل بإجراء سلسلة من التجارب لتأیید هذه الفكرة؛ واكتشفوا أن الصفة الهيدونية للروائح (كل منها يتكون من جزيء واحد فقط) تختلف فيما يبدو باختلاف الترکیب الكيميائي والفيزيائي للجزئيات التي يتم شمها. وهكذا وببساطة يمكن التنبؤ طبقا للتركيب الكيميائي لمادة ما عن كونها ذات رائحة محببة أو غير محببة، أياً من كان الشخص الذي يقوم بالشم. بل وطبقا لهذه التجارب يمكن للأنوف الإلكترونية أن تميز الرائحة المحببة من غير المحببة.


    المصدر:
    سطوة العواطف – دافيد ساندر

    ترجمة : د. طلعت مطر

    ماهر رزوق مترجم

    مترجم وكاتب روائي.