لماذا ننشر المعرفة؟

  • 0
  • 0
  • الكفاح البشري نحو المعرفة والابتكار ليس سلسلة من صراعات شخصية معزولة، ولكنه مشروع تعاوني، نشاط اجتماعي يتطلب لنجاحه أن يعيش البشر في مستوطنات توفر للعقل وفرة من العقول الأخرى للتفاعل معها.

    يمكن العثور على تلك العقول الأخرى في كل من الحاضر والماضي. تكثر الأساطير حول العباقرة المنعزلين الذين أحدثوا ثورة في فهمنا للعالم أو أن لهم مآثر خارقة في مجال التكنولوجيا، ولكن كل ذلك خيال.

    على سبيل المثال، يُقال إن جيمس وات، الذي طور مفهوم القدرة الحصانية والذي سميت وحدة الطاقة، وات، باسمه، قد فَسَّر فكرة المحرك البخاري من إلهام مفاجئ كان أتاه أثناء مشاهدة البخار ينفث من إبريق الشاي .
    في الواقع، ابتكر وات فكرة جهازه أثناء إصلاح نسخة سابقة من الاختراع الذي كان مستخدمًا بالفعل منذ حوالي خمسين عامًا. وبالمثل، فإن إسحاق نيوتن لم يخترع الفيزياء بعد أن جلس وحيدًا في حقل يشاهد سقوط تفاحة. أمضى سنوات في جمع المعلومات، التي جمعها الآخرون، فيما يتعلق بمدارات الكواكب. ولو لم يكن استوحى من زيارة قام بها عالم الفلك إدموند هالي (ذائع الصيت في عالم المذنبات)، الذي استفسر عن مسألة رياضية أثارت اهتمامه، لما كتب نيوتن على الإطلاق كتاب Principia، الذي يحتوي على قوانينه الشهيرة للحركة وهي سبب تبجيله اليوم.

    لم يكن آينشتاين أيضًا ليكمل نظريته النسبية لو لم يكن قادرًا على تعقب النظريات الرياضية القديمة التي تصف طبيعة الفضاء المنحني، بمساعدة صديقه الرياضي مارسيل جروسمان.

    لم يكن بإمكان أي من هؤلاء المفكرين العظماء تحقيق إنجازاتهم العظيمة في الفراغ. لقد اعتمدوا على البشر الآخرين وعلى المعرفة البشرية السابقة، وتم تشكيلهم وتغذيتهم بالثقافات التي انغمسوا فيها. وليس العلم والتكنولوجيا فقط هما اللذان يبنيان على عمل الممارسين السابقين: الفنون تفعل ذلك أيضًا. حتى أن ت. س. إليوت ذهب إلى حد القول: “الشعراء غير الناضجين يقلدون الشعراء الناضجين… والشعراء الجيدين يجعلون الشيء أفضل، أو على الأقل يجعلونه مختلف”.

    تُعرَّف “الثقافة” بأنها السلوك والمعرفة والأفكار والقيم التي تكتسبها من أولئك الذين يعيشون من حولك، وهي مختلفة في أماكن مختلفة. نحن البشر المعاصرين نتصرف وفقًا للثقافة التي نشأنا فيها، ونكتسب أيضًا الكثير من معرفتنا من خلال الثقافة، وهذا صحيح بالنسبة لنا أكثر بكثير مما هو الحال بالنسبة للأنواع الأخرى. في الواقع، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن البشر قد تكيفوا تطوريًا لتعليم البشر الآخرين!!
    .
    المصدر: كتاب Upright Thinkers
    ترجمة ماهر رزوق

    ماهر رزوق مترجم

    مترجم وكاتب روائي.