لنُحاول الحفاظ على ماتبقّى من سوريّتنا في خاطرنا

  • 0
  • 0
  • نُسألُ كثيراً كشباب سوريّ لماذا نلوّن جروحنا بحديثنا المستمر عم جمال بلدنا ، وما الفائدة ؟

    ولمَ نشغل بالنا بقضايا أكبر مننا تخص سوريا ، المجتمع السوري أو الإصلاح و المستقبل ؟

    ترانا نكتب تارة، نصوّر تارة، نعمل و نحضر مؤتمرات نتحدث فيها عن سوريا تارة أخرى، نشغل بالنا بها حتى أصبح القلق رفيق ليلنا اليوميّ، ننهَك بإلحاح شديد على الواقع أن يتغير ولا نرى أي شيئ يتغيّر.
    فبما أن مواقفنا وصرخاتنا لاتقدم ولاتؤخر وشخصياتنا وأحلامنا و مطالبنا “الموقرة” لاتساوي وزن بعوضة على واقع الأحداث، وبما أن المأساة أصبحت كبيرة ، و التحديات هائلة،
    بتنا غير قادرين على حمل أي هوية تجمعنا في هذا الوطن إلا المصيبة، هويتنا الوحيدة، وقد أصبح ثقيلاً على الروح تعلقنا بأي شيء آخر، فلم تعد تحمل قلوبنا إلا ما خفّ همّه ، وزاد أثره ؛ نقطه أمل نعم نقطة أمل بسيطة تسمح لنا أن نستمر ولا نعلم إذا ما كنّا حقّاً نستمرّ .
    ولأن آلامنا وخسائرنا جمعاء هي أضرار جانبيه لاتهز كيان المنظومة، نسمع ونختبر يوميّاً قصصاً لاتجرؤ روايات الكون أو أفلام هوليود أن تجتر تفاصيلها بنفس القدر من المعاناة .
    فكل شيء يتغير حولنا بشكل يوميّ، ينهار حولنا كل ما شكّل يوماً صورة وطننا في مخيّلتنا حتى ضاق جداً .
    لم تعد أشعار درويش أو نزار قباني عن دمشق تحيي عواطفاً جميلة تجاه بلدنا ، لم تعد المسلسلات السورية القديمة تحيي فينا المشاعر ذاتها ولا حتى ذاكرتنا، التي تتمحّى مع الزمن لصالح اليوميات المُثقلة بالآهات. لم تعد المسلسلات التي تحاول خداعنا _في الشوارع التي تصور على أنها شوراع دمشق_ ، والتي تدّعي قصصاً حدثت في دمشق ، بتنا نكشفها أنها مركّبة في استوديوهات جامدة وليست أحيائنا، ولا حتى شوارع بيروت التي تظهر في المسلسلات على أنها دِمشق تقنعنا أنها حقاً شوارعنا ، فلم نشتمّ رائحتها وذكرياتنا في تلك المشاهد قط ، بتنا نكشفها من اختبار شعورنا تجاهها فقط.
    لم يعد رحيل فنانينا السوريين يثير فينا غير القلق على ذاكرتنا البصرية التي كونوها مع الزمن تجاه بلدنا ، من سيغذي ذاكرتنا البصرية الخاطرية والسمعية بعد رحيلهم ؟
    تبدو الصورة لي وكأن جرحاً عميقاً فُتح فجأة وبدأ ينزف كل ما ربطنا يوماً بوطننا ، من صور وأصوات، ذكريات وأشخاص.. وبشكل أسرع من أن نلملمه .
    خرجنا نجول العالم هرباً من السلاح، بالسلاح الوحيد الذي نمتلك ألا وهو أحلامنا، نراقب كل الفيديوهات التي تصلنا من البلد آملين ألا تتغير هويتها ونكهة أحيائها في غيابنا ، فتنهار آمالنا هذه .
    لم يعد يجمع السوريين في الداخل سوى الطوابير، والمشقّة ، ولم يعد يجمع السوريين في الخارج سوى الإنتظار الممل بعد أن نسانا العالم كله بالتكرار اليومي للأحداث نفسها .
    ليس مريح أي مكان في العالم بعيداً عن الشّام ، أي منزل ليس وطناً ولا دافئاً.
    كلّ الأماكن هنا تُشبه محطه قطار .. مهما عشت فيها تشعر وكأنك تنتظر عودة ما، أو أحد ما يذكرك بالرجوع .

    نعمل ليل نهار على صورة بلدنا لأننا على يقين ، بذلك اليوم الذي سيأتي وتوضع فيه كل الإمكانات بين أيدينا مجدداً كي ننقذ ما يُنقذ، وحينها علينا أن نحسن الإختيار ، أن نتذكر ما مررنا به، أن ندرس، نخطط، نعلم أولادنا وأحفادنا ، جيلأ بعد جيل قصة هذه الدروس وكم دفعنا ثمن غبائنا واستسلامنا ، ومن الآن حتى يأتي ذاك اليوم لنحافظ على ماتبقى من سوريتنا في خاطرنا، علّها تكون الشفيع الأخير لنا حينها .