نبي الطوارق وإعادة كتابة المقدس “آني” الضائع!

  • 0
  • 0
  • تتماهى روحه وتضمحل في الوجود والموجود، في كل مرة يكتب فيها عن قداسة الصحراء يقول بأنه ليس هو من يكتب رواياته، ينفي ذاته الكائنة ليستحضر لنا حكمة الله في صحراءه، فهو المرسل الذي حمّل نفسه واجب قول كلمة الصحراء التي ضاع من أمتها كتابها المقدس وحكمتها المسروقة فهل استطاع إبراهيم الكوني إعادة بعث كتاب الطوارق المقدس “آني” من خلال كاتباته؟

     كاتب يحمّل نفسه مشقة التأريخ وحماية الصحراء وإعادة بعثها من جديد بحث عن الأساطير والمرويات، خوض في تجارب الدم والحياة،   صراع مع الكائنات من أجل اثبات الذات والبقاء بحث عن وجود في اللاموجود لقد شغفه الله بكثبانها .

    بكلام تأسيسي يقودنا الكوني إلى بعد آخر من الزمن والذي يطلق عليه بالزمن الميثولوجي انه يفصل الزمن الذي نعيشه و نؤرخ له بالعمران وغيرها من الآثار الدالة على مرورنا في الدنيا  حتى لو بعد ألاف السنين عن الزمن العابر لصحراء و الذي لا نملك أي دليل على مرور الحضارات و الأقوام في الصحراء، هنا يقتل الكوني الزمن بقلمه ليكتب عن عالمه الخاص كون خارج الزمن.

     إنه يمتلك الزمن في نصوصه منذ الوجود الأول إلى نهاية النص، لهذا فالدارس لجزئية الزمن في نصوص الكوني يجد نفسه ملزما بالبحث عن مفهوم الزمن كما يقول به إبراهيم الكوني لا كما يقول به المنظرون. 

    الصحراء وخف البعير

    في طفولة الكوني خاض رحلة التيه التي دامت يومان وليلة وقد أهتدى في ذلك بخف الناقة ليتتبع أثرها  نحو الواحة ولكن الأعيان أخبروه بأنه كان لزاما عليه أن يتتبع الأثر بالعكس غير أنه أجاب بأن الطبيعة هي التي قادته لأنه فَكَّر في احتمالية ان يرحل أهله عن المكان. إن فضاء الصحراء يراه الإنسان الطارقي عكس ما يراه الإنسان الغريب عن بيئة الكثبان  وكذلك تفعل الصحراء، إنها تحمي الإنسان الأصلي من الموت فهولا يتخيل نفسه خارج هذا الفضاء بالرغم من إمكانية الرحيل عنها كما حدث مع الكوني، انه يحملها معه في كل ثانية  فهي تسكن جوارحه قبل أن تكون موطنه فخياله مرتبط بها بحبل سري تُشع من خلاله القصص و الحكايات إنها فضاء الخلود الذي بعث منه الأنبياء والرسل. 

    يأبى الكوني أن تمر حياته من دون نحتٍ لوجوده وحكمته  في شيء غير الحجر كما فعل أجداده إنه يأبى التلاشي في الرمل لهذى اهتدى الى الكتابة من أجل بعث الذات الصحراوية من خلال مقدساتها وتراثها الأسطوري إنه نبي كتب  نصوصه  من دون وحي السماء.

    نبي الصحراء بحث عن المقدس “آني”:

    لم يتخلى الكُوني عن شبح الأجداد إذّ في كل فرصة للكتابة يغيب الجسد وتكتب الروح تلك الحكمة المسروقة منهم هذه الروح التي يقول صاحبها في وعيه أنها تفكر بالأمازيغية “الطارقية” إنه يفكر من خلال لغته الأم ومن خلالها يستدعي وجود كل إنسان طارقي فروحه تكتب بنوع من السحر الذي يجمع كل طارقي وُجد من قبل عالم بالحكمة المسروقة وبالكتاب المقدس الضائع الذي اختار الكوني أن يبحث عنه في أساطير الصحراء وأرادت روح الطوارق أن تكتبه من جديد بروح الكوني لتدفعه لتفكير بأمازيغيته لأن الروح لا تتقن اللغة المستجدة ولكنها اختارت انسانا متقنا للغات ليكتب عنها بالعربية ويكون حارسا عليها فالملاحظ ان الكتاب المقدس الذي يحفظ الحضارة قد ضاع ولكن روح القداسة تأبى الاندثار من خلال عودتها وتجسدها في إبراهيم الكوني الصحراء عالم الأرواح و الروحانية وطن يمكنك ان ترى الله فيه بقلبك وتكتبه بروحك  إنها تدعوك إلى فهم وحدة الموجود دون إدراك منك.

    “بيان في لغة اللاهوت” سلسلة من الكتب التي يرى صاحبها أنها لم تعطى حقها وأنها لو ترجمت لغير العربية لأحدثت ثورة كبيرة حيث أنها تعالج موضوعات وجودية أساسية تتمثل في اللغة الأولى التي انبثقت منها اللغات والحضارة الأولى التي ولدت منها باقي الحضارات.   

    أنْسّنة الطبيعة:

    الرواية إنسان والإنسان رواية وما يقوله الكوني حول الفضاء الذي يتبنى الرواية أنه عمل على هدّم النظرية التي تقول بأن دم الرواية وجيناتها خاصة بالمدينة وإنما يرجع ذلك فقط لقضية التّبني ويعطي مثال ذلك أن الديانات ونصوصها خارجة من الصحراء، يقول «لذلك لم تولد النبويات في العمران. إنما في الصحراء» كل ما في ذلك أن العمران تبناها فقط هنا هو يعيدنا إلى أهمية الأصل في الرواية وليبين فكرته أشار إلى قضية حرية الإنسان الصحراوي الذي يتسم بالحرية ودائم التنقل، «الحرية هي رأسمال الإنسان الصحراوي أما الإنسان المدني فرأسماله السلطة والملكية.. ولذلك اخترع القوانين» لهذا يرجع أن الأصل في الرواية هو الإنسان لا المكان (استنطقتُ الإنسان المشبع بروح المكان)، فالصحراء في كتب الكوني ليست هي الصحراء الواقعية يمكنك أن تحب صحراء الكوني أكثر من الصحراء الواقعية 

    بأكثر من 85 كتاب أعاد الكُوني حكمة التوارڨ المسروقة في كتاباته وأكثر من ذلك أعاد صياغة كتابهم المقدس، أعاد التائه بين الرمال ما يشبه كتابة النص المقدس الخاص ببني جلدته نصوص ستحمي الكثير المقدسات والتراث من الضياع 

    نورالدين خنيش طالب دكتوراه