التكنولوجيا واغتيال الفن

  • 0
  • 0
  • سأدخل رأسًا، فالموضوع في غِنًى عن مقدماتٍ لنثر الكلامِ، المهزلة، الفوضَى، فاجعة موسيقية حقيقيّة، عناوين تليق لتوصيف ما أبدعه بعض الفنانين المغاربة من أغانٍ غارقة و موغلةٍ في السّأم، طُرحت يوم الجمعة المنصرم على “اليوتوب”، عكَّروا بها صفاءَ ونقَاءَ الأذن المغربية، التي ألِفَتْ من اللحن عذبهُ و جميلَهُ.

    رواج الشوهة في عصر الويب، دفعت بعض الفنانين إلى أن تَصُبَّ إبداعاتهم في خانة الفضيحة، في ظل إقبال وطلب متزايد على هذا النمط من الموسيقى الطّارئِ، الذي تفرضه تجارة اللّايكات و المشاهدات، فالنجاحُ بات مقرونا بعدد النقرات، مما وَلّدَ مشاهيرَ من ورق، فالبقاء للأكثر شوهة وحموضة، في خضَمّ تواري و استسلام الفن الأصيل، الذي تحولَ إلى بضاعة كاسدة لا يقبلُ عليها إلاَّ نزرٌ قليل من الأوفياءِ.

    ”ليس في إمكان كل من سخم وجهه أن يصير حدادا” مثل شعبي عراقي، ينسحب على فئات سميت زوراً و بهتانا بالفنانين، باسْمِ الحرية و التحديث و الإبداع، ارتكبت المجازرُ الفنية و الفظاعات، التي لطخت سمعة إرثنا الموسيقي و الفني المغربي الغني بالخالدات و الروائعِ، نستحضر، لا على سبيل الحصر”يَا عوْدِي” لمجموعة السهام،” ياكَ جَرْحِي” لنعيمة سميح…فالتكنولوجيا قدمت خدمات جليلة للفن، بالمقابل  تعرضت الكلمة الجميلة و النغمة العذبة للاغتيال.

     في عصر السرعة و البوز، استحوذ وهيمنَ الطارئون و ضعاف الموهبة و التجربة و الغرباء على الفن المغربي، خدشٌ بارزٌ للإرث الموسيقي البهي، وميلاد فن هجين يساورك الخجل و أنت تستمع إليه، ولو على سبيل الصدفة، وتراجعَ إلى الوراء الروادٌّ الحقيقيون من موسقيين و ملحنيين و مسرحيين، و انتهى المسير بالبعض منهم على الهامش، يقضون ما بقيَ من العمر في الوحدة، يواجهون متاعب الحياة لوحدهم بعد تحالف نكران الجميل و الإهمال عليهم. “لم يبق في عصرنا اليوم من الفن سوى فن التهريج.” يقول نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب في رواية الشحاذ.

    حينَ يتم التغاضي عن الأهداف السّامية التي من أجلها خلقَ الفنِّ، و يكون المقصدُ هو الربح المَاديِّ أو الشهرة، يتم استخدام طرق غير “مشروعةٍ” في استمالة عدد كبير من المشاهدين، فالعري هو الطُّعْمُ، المبحوث عنه لدى قاعدة واسعة من المتتبعين.

    إن الأذواق بأغلبيتها ميّالة اليومَ إلى الأكثر تفاهة. بينما يبتغيه الجمهور من خلال تعليقاته على وسائط التواصل الاجتماعي، و بين الرائج على “اليوتوب” بون شاسعٌ، للبرامج و الأغاني التافهة عشاقها وروادها، أما التجاهل فيكون من نصيب الهادف و القيّم منها.

     الفنان ليسَ مجبرًا أن يرتدي عباءة القديس والواعظ، و يصيِّرَ فنّهُ درسًا في الفضائلِ و الأخلاقِ الفاضلة، لكن عليه أن يحتاطَ و يحترمَ ذكاءَ و ثقافة المجتمعِ الذي يعيش فيه، فذاكَ أضعف الإيمان. حتى ينأى بنفسه عن السقوط في الكبوة الفنية قدر الإمكان، فالعري و الكلمات النّابيّة، لا تصنع فنَّا جميلا.

    أفلا يخْجَلُونَ؟.

    اسماعيل العماري طالب

    طالب باحث في مجال التواصل.