فن الضجيج: حتى مثلنا العليا تطرق طبولاً فارغة!

  • 2
  • 992
  • فن الضجيج

    حين يحكمنا منطق العرض والطلب، علينا ألا نتوقع في بعض الأماكن أن نكون أكثر من سلعة، تُباع وتُشترى.. لكن لدى وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام ومعظم وسائل الإعلام المزيد: إنها تبيعنا وتبيع لنا.

    لن أدعي بأني لا أضيع بعض الوقت على هذه الوسائل، لا سيما أن عملي يتطلب مني أن أتصفح المواقع المختلفة لأجد ما هو جديد وما غير ذلك، وأثناء فعلي هذا توصلت إلى معرفة أن هناك مقابلة يوم الثامن من آذار ستكون مع ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري تجريها مقدمة البرامج التلفزيونية الشهيرة أوبرا وينفري منتَظرة و(بشدة)، ولا أعرف الحقيقة من ينتظرها ولماذا وماذا سيحدث. وأرجوكم لا تفهموني خطأ، فأنا لا أريد التحدث ولا أذكر أني نقرت على أحد العناوين التي لو جمعناها منذ بداية الضجة وحتى اللحظة لأفصحت لنا عن كلما القصة.

    أقول لكم وبصراحة، وبعيداً عن أي تفكير نخبوي، لكن لا أجد ما يستحق المتابعة في أخبار هذا النوع من المشاهير، أما التساؤل هنا مشروع عن سبب التسويق لهذا الخبر وغيره من أخبار المشاهير بطريقة (سأدخله عنوة إلى أنفك)؟ وأعلم أن الناس كانوا يحبون دومًا متابعة أخبار أصحاب السلطة والمال، لأسباب كثيرة لا أود التشعب بها. لكن كان الجمهور يسعى لذلك، أو كانت تتم عن وعي ورغبة، أما اليوم فنجد ذلك يتسلل إلى حياتنا بنقرة. انقر وستغوص.

    طبعاً من السذاجة بمكان أن أخوض في الفائدة التي تجنيها المواقع الفضائحية والقنوات من وراء هكذا أخبار ومقابلات (جمهور، إعلانات، نقود، ترافيك).

    أمر آخر أصبح مصدر فكاهة لا تنتهي لي، فلان أو فلانة فعل ذلك ببث مباشر، يا إلهي.. أو تتابع أحد من صدقوا أنهم مؤثرون هؤلاء قصة أخرى أيضًا..

    إنما ينبغي التوقف قليلاً وتقليب الأمر على وجوهه، ألا ينبغي أن تُلقى مسؤولية ذلك على عاتق أحد، لا سيما وأن هناك من يرون الدنيا من هذه الشاشة الصغيرة! ألا ينبغي أن تتمتع الأجيال القادمة بالمزيد؟ أفعلًا لم يعد هناك شيء؟

    لهذه الأخبار والعروض جمهور كبير جداً، أكبر بكثير من الجمهور الذي يفتح التلفزيون أومواقع الإنترنت بحثًا عن الفائدة العملية، سأتجرأ على القول أن القائل بأن الوسائل هذه سهلت حياة الإنسان كان أعظم مخدر عرفه التاريخ، فهذه الوسائل لم تسهل حياته، إنما قضت عليها بالوهم وجعلتها حياة تدور في إطار من 5*8 إنش أو بالأحرى لا أدري ربما لا أكثر. أصبح الإنسان اليوم يقضي حياته مصوراً أحداث لا يعيشها والتي كان من المفترض أن تغرقه بالحياة، ينقل بثًّا حيًّا لحدث يجري أمامه دون أن يحيا الحدث. لكن في هذه الحال هناك مسؤول.

    قبل أن أُتهم بالتنظير، في هذه الحلقة الثنائية أنا لا ألوم الزوكربيرغ وفيسبوكه، ولا تويتر ولا وسائل الإعلام… أنا لا ألومهم. فكر معي بهذا المثال، لنفرض أن السلعة الأرخص في المدينة التي تعيش فيها هي الكحول، هل يكفي توافرها وثمنها الرخيص كي نصبح جميعا كحوليين؟ هل يمكننا لوم تجار الكحول؟

    طيب. سأقربها لك: نستخدم نحن هذه الوسائل لنقرأ عن أمور لتحسين حياتنا، لماذا لا نطبق!! أعتقد في هذه الحلقة اللوم الأكبر يقع على عاتق المستهلك الذي لا يعرف كيف يحصن نفسه من سلعة ضارة للغاية.

    على هذه السيرة، في كتاب لنيل تايسون يحكي في أحد فصوله عن سماءات هوليوود، يساذكر خطأ حسابياً في أحد حوارات فيلم Contact، هل تصدقون أن تايسون وجه اللوم في ذلك لجودي فوستر ممثلة الدور فقد قال أنه حتى لو مر الخطأ على السيناريست والمخرج، كانت هي حائط الدفاع الأخير وعليها كخريجة من جامعة ييل ألا تكون قد سمحت بتمرير هذا الخطأ! نعم وجه اللوم للممثلة. حائط الدفاع الأخير موجود دومًا. نحن كائنات مدركة.

    في العودة إلى ما افتتحنا به خربشاتنا هذه، في هذه المقابلة من الملوم؟

    بصراحة، لا أضع اللوم هنا على الجمهور الساخر بمعظمه من الأمر وسيتابع من باب الفضول (مع أني أعتقد أن الأمريكيين لن يفوتوا أي فرصة ممكنة للربح من الأمر وربما تطالعنا هوليوود بقصة الثنائي في فيلم قريباً) لكن أوبرا وينفري لطالما كانت مثالاً يحتذى لعشرات الملايين من الفتيات حول العالم، ما الذي يدفع بإعلامية لا تنقصها أي شهرة لكي تجري مثل هذه المقابلات التي أعطت الثنائي أهمية؟

    لندع أوبرا وشأنها، ولكن لم علينا الاستسلام لما يُقدم لنا، ألم يعد هناك من سبيل للمقاومة، هل أصبحنا كلنا قطيعًا؟

    ثم ماذا بعد؟

    الحقيقة أنا لا أرفض التكنولوجيا، بل أكثر، أنا أشعر بالحظ لأني أنتمي لجيل يمكنه الاستمتاع بمزايا التكنولوجيا دون أن يغيب عنه أن الطبيعة تُشاهَد وتُعاش لا تُصور وأن الحياة لا تحتاج إلى من يضع لنا نقاط علام لنعيشها، لكن ماذا عن القادمين إلى هذا العالم ممن اعتادوا أن يصادقوا الروبوت؟

    أجد أن الإنسان الذي تفوق بالإدراك عن غيره من الكائنات الحية، لن يساعده هذا الإدراك في أن يفوق الديناصورات بفرص البقاء، وسيكون السبب وراء فنائه يومًا ما لم يقدر فعلا أنه أمام مفترق طرق، فإما أن نصبح جميعا أسرى زريبة أرضية واحدة أو نجد حلًّا يضمن بقائنا كجنس تقع على عاتقه مسؤولية تجاه الأرض كلها.

    نجوى بيطار مدير

    مهندسة كيميائية، أهوى النجوم، وأحب كل ما يتعلق بالفيزياء وعلم الفلك. أعمل حاليا كمدير لمجتمع أراجيك ..