الشيطان أبد الدهر وماني

  • 3
  • 3٬104
  • هذه مراجعة شخصية لن تفسد عليك مشاهدة الفيلم!

    يتساءل باومان، كم عدد الضحايا التي نحتاجها حتى نفيق ونهتم بالآخر؟ (١)

    صدر فيلم «الشيطان أبد الدهر» للمخرج أنطونيو كامبوس وكتابة دونالد بولوك المقتبس عن روايته التي تحمل ذات الاسم على شبكة نتفليكس.

    يأخذ موضوع الدين حيزًا واسع منذ بداية الفيلم ويتناوله أساسًا، ومحركًا لعناصر القصة وسط حشود من المصلين والمهللين لأفكار ثابته أحادية لا تتزعزع. متعطشين للخلاص والتطهر، يكبر المجتمع على فكرة الإيمان بأي فكرة وهذا ما يجعل ولائهم يكبر ويتوسع نحو التسليم والاتباع. 

    إن الأنانية والنرجسية والرغبات المنحرفة والفساد الأخلافي التي أثرت عليه في القصة ما هي إلا تجسيد لصورة الأرض الرخوة التي هبط عليها آرفين وأدرك فوراً أنه أمام عالم لا ينتمي له.

    The Devil All The Time trailer: Tom Holland takes on a never-seen-before  avatar | Entertainment News,The Indian Express
    آرفين وماني

    «في بستان نخيل خصب على ضفاف دجلة، في القرن الثاني بعد الميلاد، نشأ طفل صغير يدعى “ماني” بين مجموعة مسيحية معمدانية متشددة من الرجال الذين أطلقوا على أنفسهم “أصحاب الملابس البيضاء”، لم يكن ماني يعرف أن أحد هؤلاء الرجال ويدعى “باتيغ” هو نفسه والده، وهو الذي أتى به إلى هذا المكان، كان صغيرًا جداً عندما انتزعه أصحاب الأردية البيضاء بموافقة والده من حضن أمه مريم عنوة، لكي يبتعد به عن حياة الكفر ويربى بين الجماعة الوحيدة التي كان يعتقد بأنها عرفت الطريق إلى الحق،لم يشعر ماني في أي وقت أنه ينتمي إليهم، وبعيدا عن أعينهم تمكن من إقامة فضاء عزلة، “مملكة طفل لم تطأها قدم رجل قط”، كان يهرب إليها كلما استطاع، كان وحيدا بينهم، ولم يتمكن أي شخص منهم أن يكون صديقا له، لقد كانوا جميعا في عيني ماني سجانين، غامضين يلبسون ملابس غير بهيجة، ويتفوهون بكلمات فظة، ولم يكن بإمكانه سوى الالتزام بما يقومون به من طقوس، لكي يبدو شبيها بهم، لأنه ذاق العقوبات التي كان ينزلها سيتابي بالجميع من صوم إجباري وجَلد ونقل ماء ببراميل كبيرة، وأصوات تكفير لا تنتهي، تقوم عقيدة ماني على أساس وجود قوتين أساسيتين في الكون لم تخضعا لأي عملية خلق، هما الرب (ملك حدائق النور) والمادة (الظلمات) هذا هو محور نظام ماني الديني، الرب هو مصدر الخير المطلق، أما الشر فمصدره الظلمات، وهذا لا يعنى أن المانويين اعترفوا بوجود إلهين، “لم يكن هناك أبدا اسمان لإلهين في تفسيراتنا، فنحن نعترف بوجود عنصرين رئيسيين؛ نسمي أحدهما الرب والآخر المادة والتي عرفت باسم الشيطان»

    ويرى البعض أن هذه الرؤية الثنوية تضع حلًا لمعضلة الشر الفلسفية والتي تتلخص في سؤال، كيف يمكن أن يكون الإله كُلّي القدرة والرحمة هو نفسه الذي خلق الشر! (٢)

    شهد آرفين خسارات ومعاناة منذ طفولته بدايةً من فقدان والدته بمرض السرطان إلى انتحار والده وفقدان كلبه الذي كان بمثابة صديقة الوحيد. عانى آرفين الطفل من النبذ والضرب والتنمر ولم يحظَ بصداقات، كان وحيداً على نحو حزين. طغت سمة المعاناة والخسارات على حياة آرفين وأبقته في حالة من اليقظة والانتباه لكل الأفكار التي تتدفق حوله!

    لم يكن لأرفين صداقات أو علاقات حب مع فتاة فهل هذا يفسر نظرة ماني للمرأة باعتبارها مصدر غواية للرجل، مصدرًا مظلمًا للشهوات المادية و الجسدية التي تحرم الرجل من الصفاء الروحي الذي بدونه لن يستطيع الاتصال بالنور الإلهي. و يبدو أن ماني تأثر فى هذه الفكرة بالتراث اليهودي و المسيحي الذى قال: «أن الخطيئة الأولى كانت ورائها حواء التي أغوت آدم في الجنة».

    المخلّص الذي قضى على الشر 

    حسب الديانة المانوية فالمخلص، انتصر على قوى الظلام بجلده وجرأته وأقام العدل بعدما مُلئ العالم ظلماً وجوراً، حقق آرفين العدالة التي جاءت على سلسة من المصادفات رادعاً استغلال الآخرين واستضعاف المارة المساكين عبر رغبات مريضة منحرفة. قد لا أرَ في صفة المخلص بأن يحقق العدل عبر تدنيس يده في الدم رغم أن كل ما حدث مشروع و جاء ضمن مبدأ الثواب والعقاب.

    النهاية

    قد شدني مشهد تثاؤب آرفين في النهاية، ربما الآن بعد ما أنهى صراعاته مع قوى الشر والتي أبقته في حالة من الصراع والاحتراق والانشغال في الانتقام. جاء الآن فقط الوقت كي يستريح وينام!

    ـــــــ

    • الشر السائل – زيجمونت باومان
    • حدائق النور – أمين معلوف 
    إقبال عبيد ناشرة

    إقبال عبيد من الكويت حاصلة على درجة الماجيستير في علوم الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات. مؤسس ترجمان منذ ٢٠١٦. ترجمت عدة إصدارات أدبية وفكرية ودراسات في الأدب الروسي.