المثالية الخادعة.. قصة عائلة جونز

  • 0
  • 440
  • تدوينة اليوم عن فيلم شاهدته منذ سنوات، تذكرته قبل أيام حين تحدث الناس عن لقاء مع أحد مشاهير السوشل ميديا وهو يكشف عن الحقيقة خلف الصورة المثالية لهؤلاء المشاهير الذين وضعوا أنفسهم وحياتهم أمام ملايين الشاشات بشكل يومي ومستمر دون توقف، لأن التوقف يعني هدر لكثير من الفرص الإعلانية.

    فيلم: The joneses – عائلة جونز

    الفيلم من بطولة الجميلة: ديمي مور- ديفيد دشوفني – غاري كول

    تنتقل عائلة تبدو مثالية إلى أحد الأحياء الثرية، ولكنهم في الواقع مجموعة من المسوقين المتخفين يسعون إلى دفع الجيران لشراء مجموعة من المنتجات باعتبارها السبب في سعادتهم، تتعقد الأمور بعد ذلك ليصبح الفارق بين التمثيل والواقع خارج نطاق السيطرة.

    بينما تتجه عائلة جونز إلى منزلهم الجديد تسبقهم الشركات لملئ المنزل بما يحتاجون إليه من أثاث وملابس وشاشات وسيارات. تتوقف السيارة الفارهة أمام المنزل، تنزل العائلة المكونة من أربعة أفراد فيطلب “مايك” الابن من أحد المارة التقاط مقطع فيديو للعائلة السعيدة أمام منزلهم الجديدة لإرساله للجدة “الوهمية طبعاً”.

    يلتقط الرجل العابر جهاز الهاتف ويسأل بانبهار: ” ماهذا الجهاز؟ أو هو جديد؟، فيجيب مايك: ” نعم إنه جديد HTC ” . المنزل عبارة عن فيلا أنيقة بطراز حديث، يعكس رخاءهم المادي وذوقهم العالي. في مشهد آخر هناك جارهم “لاري” وزوجته “سمر” التي تعمل باجتهاد في بيع منتجات العناية النسائية لتتمكن من شراء كماليات لتعكس الصورة التي تود أن يراها بها الآخرون، بينما يعمل زوجها لتسديد رهن المنزل الذي يعيشون فيه في ذلك الحي الراقي.

    تقرر “سمر” برفقة زوجها “لاري” زيارة جيرانهم الجدد، عائلة جونز وتقديم هدية الترحيب. تستقبلهما “كيت” الزوجة وأفراد عائلتها بمودة ورحابة ممسكين ببعضهم كعائلة متحابة، تتعرف العائلتان على بعضهم، ثم تعرض كيت على سمر القيام بجولة في أرجاء المنزل، تعبر سمر بانبهار عن مدى إعجابها بالديكو وأنها تعشق التصمصم الداخلي، وهكذا تبدأ رحلتهم التسويقية.

    تستيقظ عائلة جونز – أو ما يسمى بالوحدة “Unet” التي تنتمي لشركة تسويق تتعامل مع خلاياها بسرية وخفاء – يستيقظون في يومهم الأول ولدى كل فرد منهم المنتجات المكلّف بترويجها. تقوم ” كيت ” بتوزيع قائمة للأبناء بالمنتجات المكلفين بالترويج لها في مدارسهم الثانوية، حيث سيتم الترويج لها بطريقة غير مباشرة طبعاً لأنها أنجح في التسويق، وذلك بعد عمل صداقات ذات نطاق واسع لأن “الكثير من الأصدقاء يعني الكثير من المبيعات” حسب قولها.

    تروج ” جاين” الابنه لصديقاتها وطالبات المدرسة لكل شيء ترتديه ابتداء من جاكيتها الأنيق، حقائبها، أدوات مكياجها. بينما ” مايك ” الابن يروج للالعاب الكترونية وملابس الرياضة والهواتف. تتجه كيت إلى الصالون بحقيبة سان لوران فتلفت انتباه النساء هناك بأناقتها وشخصيتها الاجتماعية، تتجاذب أطراف الحديث مع مدير الصالون الذي يعبر عن انبهاره بجمال بشرتها فتعده باطلاعه على السر وراء ذلك. بعد أيام يمتلئ الصالون بمنتجات العناية بالبشرة والشعر التي تقدمها كيت فتنهال عليها النساء بالشراء. ” ستيف ” الأب في الملعب وبيده حقيبة الغولف المميزة يروج لعصاة رشيقة و ذات تسديدات احترافية. في مشهد آخرلستيف يروج لمشروبه المفضل ولمكينة جز العشب المميزة أمام منزله للجيران.

    تزورهم مسؤولة التقييم من شركة الاعلانات التي يعملون بها، لتحدد نسب مبيعات أفراد الوحدة، يبدو تقييم كيت والأبناء جيد جداً لكن المسؤولة تعبر عن استياءها عن تقييم “ستيف” الأب. تسأله عن مدى تركيزه وهل هو مدرك فعلاً لهذا العمل الجديد بالنسبة له: ” أنت هنا لا تبيع الأشياء كما كنت تفعل في بيع السيارات، يجب أن يثق بك الناس ويعجبون بك لتتمكن من النجاح، فأنت تبيعهم أسلوب حياة وسلوك، إذا رغب الناس بك رغبوا بما لديك”. يسأها ستيف: ” هل يعلم العملاء بالطريقة التي تحدث بها هذه الأمور”؟، فتجيبه: ” طبعاً لا، لهذا نحن نسميها السرقة التسويقية”.

    يحدث حوار بين ستيف وكيت التي تحاول توضيح الأمور له لتسهيل العمل عليه،: ” نحن هنا لسنا عائلة بل مجرد أعضاء وحدة في خلية تسويقية، وأنا هنا الرئيسة “. ستيف كان يعاني من حيرة وتشتت بين الواقع والخيال الذي يرسمه لذاته لأداء هذا العمل لكنه بعد حواره مع كيت تنجلي هذه الحيرة وتتخلق الأفكار، ينطلق بعدها في تطوير مهاراته الاجتماعية والتسويقية ويكسب ثقة سكان الحي وترتفع نسبة مبيعاته.

    ستيف في مشهد آخر يسأل جاره “لاري” عن رأيه في هدية خاصة يريد تقديمها لزوجته بلا مناسبة، لاري يعبر عن انبهاره بالهدية، لكنها تترك بداخله شعور بالعجز عن تقديم شيء مماثل لزجته التي يحبها. نجح ستيف وكيت في خلق صورة مقنعة عن علاقتهما أمام الآخرين، كانت علاقة مثالية مليئة بالرومنسية بينما في الحقيقة هما ينامان في غرفتين منفصلتين.

    تقيم عائلة جونز حفلة كبيرة وتتم دعوة الجيران إليها، الحفلة في حقيقتها عبارة عن حملة ترويجية خفية لكل مافي داخل ذلك المنزل ابتدأ من الأثاث، شاشات التلفاز، أدوات المائدة، ملابس العائلة، أطباق الطعام، رحلاتهم وسفراتهم، كل شيء هناك كان عبارة عن مادة تسويقية لعائلة مزيفة، يراها الآخرون عائلة جميلة متحابة يملكون كل أسباب السعادة المادية التي يريدها الناس.

    تنجح عائلة جونز في عملها التسويقي، يكسبون ثقة الناس ومودتهم، تصبح حياتهم نموذج لكل من حولهم، لكن ذلك التأثير له خلفياته المؤلمة على نفوس كثير ممن يعجزون عن مجاراتهم.

    في مشهد درامي: لاري وزوجته في سريرهما بعد انتهاء الحفلة، مبهوران بكل تفاصيل ذلك المنزل ، تقول سمر: ” آه .. يمكنني أن أدفع حياتي مقابل أدوات الطعام تلك!” .. يصمت لاري ثم يحاول التقرب إليها بقوله:” لقد كنتِ في غاية الجمال هذه الليلة” .لكن سمر تصده وتعلل ذلك بأنها مشغولة بالأفكار التي في رأسها لتحسين مبيعاتها في منتجات التجميل.

    فجأة تتغير الأمور، يصبح الأولاد خارج السيطرة، نظراً لمرحلتهم العمرية الحساسة، فهم بين أن يعيش أحدهم ذاته ورغباته وبين أن يكون فرداً في عائلة مزيفة لا يجدون فيها أي شعور بالحب والانتماء فينزلقون في أمور أخرى لها عواقبها الوخيمة.

    تنكشف حقيقة العائلة أمام سكان الحي في موقف إنساني مؤلم، ليثبت لنا الفيلم أن القيمة الحقيقة ليست للمادة بل للإنسان ولمشاعره ولحياته، وأن المخادع مهما تكلف بوضع الأقنعة لابد أن ينهار في موقف يلامسه إنسانياً. ومع ذلك تستمر الحياة وتستمر شركة الإعلانات بالعمل والكذب والاحتيال. يتفرق أفراد عائلة جونز، ويستمر كل فرد في عمله مع وحدة جديدة، ويستمر البسطاء في التصديق والتقليد والبحث الحثيث عن السعادة في جمع المال لإنفاقه واقتناء المزيد من الكماليات التي وبمهارة شيطانية من شركات الإعلانات، يقتنعون بأنها ليست كماليات بل ضروريات للشعور بالذات وللتميز ولتكون جزءاً من العالم السعيد.

    نجوى الكناني كاتبة

    لي تجربة شعرية وإصدار أدبي. كاتبة نثر.