وكأن الرقصة الأخيرة تعلم أن عازف الكمان على وشك الموت

  • 2
  • 1٬512
  • “يفتح الستار، يظهر البطل بينما تتصارع الأضواء في إلقاء نفسها عليه وهو يقدم تحيته الأخيرة بعد العرض، ينسدل الستار عليه، ويرتطم هو بالأرض”.

    دائمًا ما أخبرونا في المدارس عن أهمية الطموح للنجاح، نشاهد برامج قناة سبيستون فنجد صوتًا جميلًا يخبرنا أن نسعى لأن نكون الأفضل، ويقص علينا والدينا قصة قبل النوم عن ذلك الفتى الصغير الذي امتلك حلمًا كبيرًا وسعى ورائه حتى حققه.. كنا صغارًا نظن أن الأمور تكون دومًا بذلك الوضوح، حتى جاء اليوم الذي وقعنا فيه تحت ظلال شبح “الكمال” الذي نحاول فهمه بشكل كامل، ولم نجد حتى الآن مخرج منه.
    كنا نرى الأشياء بوضوح قبل أن نرى كيف يضرب الضباب بصيرتنا ويختل اتزاننا، كنا نظن أن للحياة طريقين لا ثالث لهما.. السعي المعتدل للوصول للأفضلية أو التخاذل والفشل التام.. ليهتز اتزاننا مرة أخرى ونرى آلاف الطرق الأخرى، وقبل أن نختار أي منهم علينا أن نسلكه، نجد أن أقدامنا بالفعل قد اتخذت قرارها، نحو طريق مظلم بلا نهاية، إنه “الهوس بالكمال” ذلك الطريق الذي لم يعد منه كل من سلكه كما كان أبدًا.

    أتذكّر عند مشاهدتي لفيلم “مجتمع الشعراء الأموات” لأول مرة، جاء مشهد انتحار “نيل” ليشل حركتي تمامًا، تسمرت في مكاني كمن ضربته الصاعقة. نيل ذلك الشاب الذي يعشق التمثيل حتى آخر نفس، الذي تحدى والديه وانضم للمسرحية التي تقدمها مدرسته وقدّم أداءًا رائعًا، وصل به إلى حالة من الانتشاء حملته من فوق الأرض للحظات طويلة، لنجد في المشهد التالي والده وهو يمنعه تمامًا من التمثيل مرة أخرى، فينظر نيل إلى والدته ويتمتم كأنه يتحدث إلى نفسه “لقد كنت جيدًا”. لقد كنت حقًا جيدًا”
     نيل أدرك بداخله كم كان جيدًا، كيف لمست قدماه تلك اللحظة التي شعر فيها أنه وصل إلى كل ما يريد، إنه يقف على خشبة المسرح ويؤدي ويصفق له الجمهور.. هذا ما يريده ولا شيء آخر غيره.
    توجه نيل إلى نافذة غرفته في ليلة باردة، ارتدى التاج المصنوع من أغصان الشجر الذي ارتداه في المسرحية.. يُغمض عيناه ليشعر بنفسه مرة أخرى على خشبة المسرح، وانحنى إلى الجمهور في تحية أخيرة لهم بوجه هاديء وجسد ثابت لا يتأثر بالرياح الباردة التي تضربه.. ثم اتخذ القرار وأطلق النار على نفسه.
    أخذني ذلك المشهد للتفكير في مفهوم “الكمال” مرة أخرى. ماهو “الكمال”؟ هل له تعريف واحد ينطبق على جميع الأشخاص؟ هل الوصول له يتطلب مراحل محددة، أم أن الأمر يختلف من شخص لآخر؟ وهل لشعور الكمال أن يقتل صاحبه؟
    وهذا عاد بذاكرتي  إلى الوراء قليلًا، إلى الفيلم الشهير “البجعة السوداء”، ظللت أفكر ب”نينا” الفتاة راقصة الباليه التي تسعى لبذل كل جهدها للحصول على دور البجعة في الرقصة الشهيرة “بحيرة البجع” حتى وصل الأمر بها إلى الهذيان التام.
    كانت نينا قد وصلت إلى ذلك الهوس الخاص بالوصول إلى الكمال التام، إلى اللحظة التي تؤدي فيها الرقصة كما ينبغي تمامًا دون أي أخطاء. وهو ما حدث بالفعل في النهاية وقدمت أداءًا أبهر جميع المشاهدين. وبينما انتهت وتوقفت لتلقي التحية.. ارتطمت بالأرض.. لنراها مجروحة وتنزف الدماء.. وبينما يجتمع الجميع حولها ليفهموا ما حدث، تتمتم لنفسها “لقد كان مثاليًا”.
    ويستوعب الجمهور كيف أن ذلك الجرح لدى نينا هي من تسببت فيه، أنها هناك على خشبة المسرح ملقاة على الأرض غير عائبة بالجرح الذي من الممكن أن يودي بحياتها، كل ما تهتم به أنها وصلت لتلك اللحظة.. تلك اللحظة من الكمال هي كل شيء.

    في تلك اللحظة تمامًا وبينما كان عقلي في حضرة الكثير من الأفكار تذكرت القصة القصيرة التي كتبها الكاتب الأمريكي “آرنيست هيمنغوي” “ثلوج كليمنجارو” والتي حكايتها تبدأ عندما طلب عم “هاري” الرجل ذو الصحة الموفورة والذي يحب الرحلات إلى الأدغال في أفريقيا أن يبحث له عن سر النمر الذي وُجد متجمدًا فوق ثلوج جبل كلمنجارو الذي يُعد أعلى قمة جبلية في أفريقيا، وهو أمر لم يحدث أبدًا أن يتسلق نمرًا جبالًا تغطي قممها الثلوج.
    عندما علمت بقصة ذلك النمر لأول مرة لم تبرح من رأسي، ذلك النمر تسلق الجبل ليصل إلى قمته رغم درايته الكاملة أنه قد لا يعود حيًا،. هل كان يلاحق فريسة وضل الطريق، أم أنه أراد الوصول فقط وأدرك في المنتصف أنه لا عودة من هناك.. لا يهم، ذلك كله لا يهم.
    قد لا يتمكن أبدًا من النزول منه مرة أخرى.. إنه يتسلق الجبل وهو يعلم أن تلك نهايته ورغم ذلك سار إليها بكل شجاعة.. فقط ليصل إلى القمة حتى وإن كانت تلك القمة هي شاهد قبره، ذلك لا يهم على الإطلاق.
    ماهو “الكمال” أعود للتفكير، هل هو تحقيق شيء لا مثيل له، أم أنه فقط الوصول للنقطة التي يصبح عندها كل شيء مثاليًا.. حتى لو كانت تلك النقطة على بُعد خطوتين منك وليس في آخر الطريق كما تتخيل.
    هل للكمال أن يقتل صاحبه؟ هل يعني السعي وراءه أن يموت الشخص في سبيل أن يلمسه بيديه؟
    وأرى “نيل” و”النمر و”نينا” أمامي.. وكل منهم مُلقى على الأرض بعدما انغمسوا تمامًا داخل حالة كاملة من الإنتشاء حيث كل شيء غير مهم، كل ما يأتي غير مهم، قدماهم تقف عند تلك النقطة تمامًا.. وعند تلك النقطة المنشودة كان الموت متجردًا من كل آلامه والوصول إليه أشبه بالوقوع في أحضان شخص تحبه.

    نهلة أحمد مصطفى ناقدة سينمائية

    ناقدة سينمائية وكاتبة. أعشق الشِعر والكتب والسينما. عندما أكتب يصبح الكون أكثر احتمالًا.