فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

لا تضع عمرك كله في رهان واحد

  • 0
  • 1٬008
  • يبحث الجميع عن الربح في القصص التقليدية والتي تؤولها الأمثلة الشعبية مثل “من جدّ وجد ومن زرع حصد”، فيميل الناس إلى التفكير خطياً في تخطيطهم للربح في الحياة المهنية، إذ ينطلقون من الافتراض أنّ بذل الجهد للوقت الكافي في مسار مهني ما؛ هو طريق الربح في الحياة بدون أخذ اعتبار لأي متغيرات أخرى.

    يتناسى الناس أن الوقت المبذول ليس معيار الربح،  وهي طريقة لا يُمكِن التّنبّؤ بنتائجها مُطلقًا، فمقابل كلّ مُبتكرٍ ناجحٍ هناك الآلاف من النّاس لا يفعلون شيئًا.

    من الأشخاص الرائعين الذين أتابعهم في تويتر دانييل فاسالو، وهو رائد أعمال ومؤلف عمل سابقاً في شركة أمازون لأكثر من 8 سنوات قبل مغادرتها والتفرغ لعمله الخاص والكتابة، ويتميز بأنّه شديد الشفافية وينشر كلّ ما يقوم به بشفافية عبر الإنترنت، ويشارك خبرته ونجاحاته وفشله و حتى جدول أرباحه مع الجميع.

    يُخبرنا “دانييل فاسالو” في تغريداتٍ قيّمةٍ نشرها عبر حسابه على تويتر تلميحاتٍ جميلة من شأنها أن تُلهمنا بعض الأفكار الرّائعة التي ستسهم بالطّبع في تغيير طريقة تفكيرنا للربح، وتعاملنا مع الأمور، وبالتّالي زيادة في مُعدّل الأرباح في حياتنا المهنية.

    هناك طريقان معروفان، ومُختلفان لكيفيّة كسب المال، والعيش بطريقةٍ سليمةٍ، ومتوازنة، أيّ الوصول إلى الأمان المادّيِّ وهما المسار المهني الواضح و العمل الخاص.

    يُعتبر المنهج الأوّل منهجًا مألوفًا، واعتياديًّا، يتّبع فيه الشّخص مسارًا مهنيًّا واضحًا، كان قد اختاره، وعرف طريق الوصول إليه مسبقًا، فمثلًا من يُريد أن يُصبح مُبرمجًا، أو طبيبًا، أو عاملًا، أو غير ذلك، فهو بالطّبع سيجهّز نفسه في بادئ الأمر، ويصقل مهاراته، ويبدأ بالتّعلم ليصل إلى ما يُريد، وطبعًا تكون احتماليّة الوصول إلى الهدف كبيرةٌ جدًّا، وبالتّالي يُمكن التّنبّؤ بالعائد المادّيّ من هذه المهنة، إنّهُ طريقٌ واضحٌ للحصول على ما يُريد، ويكون على علمٍ بتفاصيل المكافآت التي سيحصل عليها عند اتّباعه.

    بينما الأمر مُختلفٌ في الناحية الآخرى إذ توزّع العائدات، والمكافآت حسب توزيع باريتو أي يكون هناك اختلافات كبيرةٌ ومتوقّعة في دخل الأفراد الذين يعملون في نفس المجال، إنّ الحصول على المال هنا لا يُمكن التّنبّؤ به أبدًا على عكس النّاحية الأولى.

    لا يمكن إغفال مبدأ باريتو  التقليدي في هذا السياق والذي يقول أنَّ 80% من النَّتائج سببها 20% من الأسباب.

    يُعرف هذا أيضًا بقاعدة 80 – 20، وسُمِّي هذا المبدأ على اسم عالم الاقتصاد الإيطالي فيلفريدو باريتو الذي لاحظ أنَّ 80% من الثَّروة في إيطاليا، مملوكة لـ 20% من السُّكان.

    ولهذا المبدأ تطبيقات عديدة في كافَّة المجالات، وفيما يلي بعض الأمثلة لهذه التَّطبيقات:

    • في المبيعات: 80% من أرباحك تأتي من 20% من الزبائن.
    • في الإدارة: 20% من الموظَّفين يقومون بـ 80% من العمل في الشّركة.
    • في تنظيم الوقت: 80% من وقتك يُصرف على 20% من المهام، أو الأشياء.
    • في الاتصال: 80% من وقت اتصالك تقضيه في التَّكلم مع 20% من الموجودين في دفتر هاتفك.
    • في الملابس: ترتدي في 80% من الوقت 20% من ما هو موجود في خزانة ملابسك.
    • في الرِّعاية الصِّحية في الولايات المتَّحدة، تبيَّن أنَّ 20% من المرضى يستخدمون 80% من موارد الرّعاية الصّحيّة

    بالطّبع لا توجد طريقةٌ مضمونةٌ دومًا للحصول على المال مهما كانت مهنة الشّخص، سواء أكان طبيبًا، أو مُعلّمًا، أو عاملًا، أو موسيقيًّا، أو حتّى صاحب محتوى على “يوتيوب” فلا يكفي أن تدرس الطّب فقط، وتتوقّع أن تحصل على الرّبح فقط من دراستك، إنّ عالم باريتو هو عالمٌ تنافسيٌّ، وعشوائيٌ، ولا يُمكن التّنبّؤ به.

    لذا إذا أردتَ أن تقوم بنشاطٍ ما، أو تمتهن مهنةً ما حسب توزيع باريتو، فلا يُمكنك التّعامل معها أبدًا على أنّها أنشطةٌ عاديّةٌ، أو مهنٌ مألوفة التّفاصيل، كما ولا يُمكنك الاعتماد على جهدك فقط.

    لكسب المال حسب توزيع باريتو يجب أن تتصرّف كأنّك صاحب رأس مالٍ مُغامر، فمثلًا ينشر أحد الكُتّاب عشرات الكتب، ويتوقّع أنّ عددًا صغيرًا منها سيعود عليه بالرّبح، لتتصالح مغ نفسك حسب هذا المبدأ يجب أن تتبني موقفًا مُشابهًا، ولكن ومع ذلك فلا يكفي ذلك!

    المشكلة أنّك كفرد لا تستطيع أن تنشر ألف كتابٍ في العام، ولا تستطيع أن تؤسّس مئة شركةٍ في نفس الوقت، ولا تستطيع توسيع نطاق عملك مثل المؤسّسات التي تعمل حسب مبدأ باريتو.

    فما الحل؟

    في المقام الأوّل، عليك التّخلي عن الأمور ذات السّوية المُرتفعة، وخفض التّوقّعات، رغم أنّها تكون مليئة بالعشوائيّة، ولكنها ستعطي ربحًا في البداية يكون صغيرًا، ولكن يزداد مع الأيّام.

    يجب أن تترك مساحةً كافيةً للتّجريب، أي تجربة بعض الأشياء في نفس الوقت، ولتكون قادرًا على فعل هذا الأمر يجب أن تقلّل تفاصيلها، فمثلًا لا تستطيع أن تنشر ألف كتابٍ في العام نفسه، ولكن بالطّبع تستطيع نشر ألف تغريدة على “تويتر” إذا افترضنا أنّ الأمر يستغرق 15 دقيقةً لكلّ تغريدةٍ، فإنّ نشر 1000 تغريدة سنوياً يحتاج إلى 41 دقيقة يوميًّا في المتوسّط فقط!

    حتمًا لن تصبح “إيلون ماسك” إذا نشرت ألف تغريدةٍ في العام، ولكن ستكون لديك الفرصة الذّهبيّة لتتمكّن من بناء جمهورٍ صغيرٍ، أو جمهورٍ كبيرٍ بمجهودٍ صغير نسبيًّا.

    لا توجد فرضيّاتٌ مضمونةٌ في مبدأ باريتو، لكن بمجرّد أن يكون لديك جمهورٌ سيكون لديك رصيدٌ يُمكنك البناء عليه لاحقًا، فتتمكّن من خلاله البدء في أيِّ مشروعٍ ربحيٍّ.

    آخرًا نجد أنّ رحلة تحويل الأمور غير المتوقّعة، إلى أمور متوقّعة يجب أن تمرّ بهذه المراحل:

    • تطبيق مبدأ باريتو 80/20
    • كبح جماح الطّموحات العظيمة
    • التّفكير في تحقيق مكاسب قليلة
    • القيام بأشياء صغيرة متعددة في ذات الوقت

    لا مكان للعشوائيّة في عالم الرّبح، ولا مكان للصّدف، فكلّ مبلغٍ مادّيٍّ يحصل عليه الإنسان هو نتاجُ مراحل كثيرة، وقد تكون مُعقّدةٌ أيضًا، والإنسان الحذق من يستطيع أن يعرف كيف يُدير مشاريعه، وكيف يوجّهها، وكيف يوجّه تفكيره ليصل إلى ما يُريد بأفضل الطّرق.

    لا تخضع الاحتمالات للمطلق والسببية، فقد نسلك نفس الطريق الذي سلكه أحد الأثرياء أو المبتكرين، ونفعل كل ما فعله بأقصى درجات المثالية ولا نصل ! هكذا ببساطة لعبة الاحتمالات، فلا تضع عمرك كله في رهان واحد وقسّمه إلى رهانات صغيرة، واستثمر بقيته في أنجعها ربحاً.

    الربح هو نتاج رهانات صغيرة متعددة، كلّما راهنت أكثر كلّما زدت احتمالية نجاح نسبة قليلة بشكل استثنائي، ولا عزاء للمراهنين على رهان واحد.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.