فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

الدوبامين، كلّما نلته طلبت المزيد!

  • 1
  • 1٬072
  • يُعرف الدوبامين بأنه مادة كيميائية للحب والإبداع والإدمان. إنه يدفعنا لتحقيق العظمة، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى سقوطنا، ولعلّ فهم هذا الجزيء أمر صعب حقاً، فالدّوبَّامين مادةٌ كيميائيَّةٌ في الدِّماغ  تمنحُ المتعةَ، وتُساعد على التعلَّم، وكذلك  تُحفِّز البحث عن أشياء جديدةٍ، وتسبب الإدمان أيضاً.

    يبني أغلب النَّاس توقعاتٍ معينةً عندما يتعلَّق الأمر بالمستقبل، وعندما يقع حدثٌ ما يفوق بكثير هذه التَّوقعات، نشهد اندفاعًا يُعرف باسم خطأ التَّنبُّؤ بالمكافأة، إذ يُدرك الدِّماغ الوسطَ الخارجيَّ بطريقتين هما: peripersonal وَextrapersonal، إذ يُشير مُصطلح peripersonal إلى ما يتمُّ إدراكه حاليًّا، وما يمكن التحكُّم فيه في الوقت الحاليِّ، بينما يشير مُصطلح extrapersonal إلى جميع الاحتمالات التي لا يمكن الوصول إليها حاليًّا.

    peripersonal هو المسؤول عن ما لدينا، وextrapersonal هو المسؤول عمَّا نريد، وعندما يتعلَّق الأمر بالحبِّ، فإنَّ extrapersonal يعمل على إيجاد الحبِّ، بينما تكون مهمَّة peripersonal الحفاظ على هذا الحبّ.

    في كتابه “الدوبامين: كيف تحفز مادة كيميائية واحدة في دماغك كلاً من الحب والجنس والإبداع” يتحدث الكاتبان عن أثر الدوبامين وكيفية التعامل معه، وفيما يلي أهم الأفكار التي طرحها الكتاب.

    إنّ الشعور بالبهجة حين الوقوع بالحبّ يُبهر الشّخص، لدرجة أنَّه يُصبح غير قادرٍ على إدراك حقيقة ذلك بدقَّةٍ، وبالتَّالي قد ينتهي به الأمر إلى الوصول إلى خيبةِ أملٍ عندما تصبح تلك الفكرة  بعيدة المنال، على سبيل المثال، قد يتمّ الاعتقاد بأنَّ الشَّريك الجديد هو الشَّريك المطلوب، وأنّه الاختيار الأفضل.

    تتطلَّب العلاقاتُ جُهدًا قد يكون صعبًا بالنِّسبة لبعض الأشخاص الذين يُفضِّلون الإنسحاب، بينما يميلُ البعضُ الآخر الى إنهاء العلاقة بمجرد اكتشافهم خُدعة الدّوبَّامين، أو زوال أثره.

    لا يمكن إرضاء الدّوبَّامين أبدًا مهما كانت تسير الأشياء على ما يرام في الوقت الحاليِّ، ولحسن الحظِّ، لا يتحكَّم الدّوبَّامين في الدَّماغ فقط، بل يرتبط بالمواد الكيميائيَّة الأخرى، على سبيل المثال، السِّيروتونين، والأوكسيتوسين، والإندورفين، والإندوكانابينويد إذ تُتيح هذه المواد الكيميائيَّة فرصة الحصول على المتعة من اللَّحظة الحاليَّة.

    يغذِّي الدّوبَّامين الحبَّ العاطفي وهو مُثير رُغم أنَّه مُؤقت، ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنَّ الحبَّ الوجداني تُغذيه المواد الكيميائيَّة الأخرى التي تضمَّن الاستمتاعَ، وتقدير العلاقة الحميمة، والثِّقة التي تمَّ بناءها مع الشَّريك، بالتَّالي تُعدُّ مفتاح العلاقات طويلة الأمد.

    إنَّ “الرَّغبة”و”الإعجاب” هما نوعان مختلفان من أنظمة الدِّماغ، فعندما يريد شخصٌ ما شيئًا بشدَّةٍ لدرجة اعتقاده أنَّه سيُغيُّر حياتَه إلى الأبد، ولكن بمجرَّد حصوله على ذلك الشَّيء، يُدرك بسرعةٍ أنَّ السَّعادة التي يجلبها ليست طويلة الأمد كما كان يتأمَّل.

    يُمكن أن يُستخدم لذلك بعض الأدوية التي تُفرز الدّوبَّامين بشكلٍ مُصنَّعٍ بكمِّيَّاتٍ كبيرةٍ بغضِّ النَّظر عن نوع الموقف الذي يمر به الشَّخص، وهذا يجعل الدِّماغ بطريقةٍ ما يعتقد أنَّ الأدوية هي الحلُّ لكلِّ موقفٍ، وهذا هو سبب حدوث الإدمان.

    يعتقد النَّاس أنَّ المُتعة التي يحصلون عليها من شرب الكحول ترجع إلى الثُمُل، لكن في الواقع يتمُّ إفراز الدّوبَّامين فقط خلال المراحل المُبكِّرة من استهلاك الكحول، ممّا يُسبّب زيادة الطَّاقة، والشّعور بالمُتعة. لا يسبِّب الثُمُل اللذةَ بل الشّعور بالتّخدير، ثمَّ تنخفض بعد ذلك مستويات الدّوبَّامين بسرعةٍ، ممَّا يجعلُنا نَشعر بالخوف، وهذا ما يشعر به مُدمنو المُخدَّرات عندما يُصبحون غير  قادرين على الحصول على جرعة مخدِّرات، فإنَّ الصِّراع، والتخبّط يكون ناتجًا عن محاولة الاتِّزان.

    تُعتبر الرّغبة النّاتجة عن الشّعور النّاتج عن إفراز الدّوبَّامين قويّةٌ جدًّا في الدّماغ، ويطلبها الشّخص بشدّةٍ، كمل ويُعدُّ الوصول السَّهل مشكلةً كبيرةً عندما يتعلَّق الأمر بالإدمان، لذا يُدمن النَّاس على السجائر، والكحول أكثر من المخدّرات لأنَّه من السّهل الحصول عليها، وبالتّالي تلبّي رغبتهم بطريقةٍ أسهل، لذا فإنَّ أفضل طريقةٍ لتخفيف حدّة المُشكلات التي تسبِّبها هذه المواد هي جعل الحصول عليها أمرًا صعبًا.

    نعتبر أنفسنا مخلوقاتٍ عقلانيَّةً بينما في الحقيقة لسنا كذلك، ففي كثيرٍ من الأحيان، نلاحق أشياء تضرّنا مثل المخدَّرات، والقمار، وتؤثّر رغبة الدّوبَّامين بشكلٍ كبيرٍ على قراراتنا، فننساق نحوها سوقًا، ومع ذلك ما زلنا نمتلك القوَّة لكبح هذه الرّغبة، و تأتي هذه القوَّة من قدرتنا على التحكُّم في الدّوبَّامين.

    يميل أولئك الذين لديهم مستوياتٌ عاليةٌ من الدّوبَّامين إلى التّقدُّم، ولهذا يسعون باستمرارٍ إلى مستقبلٍ أفضل، وأولئك الذين لديهم مستوياتٌ منخفضةٌ من الدّوبَّامين يكرهون التَّغيير، ويميل الفنَّانون وأولئك الذين يعملون في الأوساط الأكاديميَّة إلى الحصول على مستوياتٍ عاليةٍ من الدّوبَّامين، وهذا هو السَّبب في أن معظمهم يميلون نحو التقدُّم، وهو السَّبب أيضًا في أنَّهم أكثر النَّاس عُرضةٌ للاكتئاب، لأنَّهم يَسعون باستمرارٍ إلى التّطوّر، ونادرًا ما يرضون بما وصلوا إليه، ويرغبون بالمزيد دومًا.

    يميل الأشخاص الأكثر تقدُّمًا إلى الحصول على معدلاتِ ذكاءٍ أعلى من أولئك الأقلّ تقدُّمًا، إنّ معدَّل الذَّكاء ليس مقياسًا للذَّكاء العامِّ حتمًا، ولكنَّه مقياسًا لقُدرة النَّاس على التَّفكير بشكلٍ بعقلانيّةٍ أكثر.

    سينقرض البشر لولا وجود الدّوبَّامين، وهو ما حثّهم لاستكشاف منطقةٍ مجهولةٍ، وهو الذي ساعدهم على البقاء والتكيُّف، وهو ما دفعهم إلى الهجرة، والبحث دومًا عن الحياة الأفضل.

    لدى الولايات المتحدة نسبة عالية من المهاجرين الذين يسعون إلى النّجاح، والتّطور، والتّقدّم بسبب طبيعة الدّوبّامين لديهم، فمنهم روّاد أعمالٍ، ومنهم أيضًا العديد من الحائزين على جائزة نوبل ومخترعي التّقنيات الجديدة.

    في الماضي كان الدّوبَّامين يضمن بقاءنا على قيد الحياة، وفي المستقبل يُمكن أن يؤدِّي إلى انقراضنا، لأنَّ المزيد منه لا يُعتبر جيِّدًا دائمًا، كلَّما استهلكنا أكثر، كلَّما أسرعنا في قيادة العالم إلى الدَّمار، وسلبه من جميع موارده، فمثلًا أدَّى الدّوبَّامين الزَّائد أيضًا إلى فقد الكثير من النَّاس الاهتمام بتكوين أسرةٍ لأنَّ ذلك يكلِّف الكثير من المال، وبدلًا من ذلك يُمكنهم إنفاق أموالهم التي حصلوا عليها بشقِّ الأنفس على السِّفر، وشراء الملابس، وتناول الطَّعام في المطاعم الفاخرة.

     يرتبط الدّوبَّامين بمشاعر السُّرور، فقد أظهرت الدِّراسات الحديثةُ أنَّ له تأثيرٌ قويٌّ على السُّلوك البشريِّ، ويُمكُّن البشر من التعلّم، ومتابعة النَّجاح، واكتشاف هواياتٍ جديدةٍ، والتَّعبير عن الرّوحانيات، والوقوع في الحبِّ، فإفراز الدّوبَّامين هو بمثابة ردُّ فِعلٍ على المفاجآت، والأحداث غير المتوقَّعة، لذا يكون غالبًا السَّبب وراء زوال مشاعر الحبّ لأنّه ومع مرور الوقت يُصبح  كلُّ شيءٍ مألوفًا، فما كان غير متوقَّعٍ يومًا ما يصبح متوقَّعًا، وتتقلّص احتماليّةُ إفراز الدّوبَّامين.

    الطَّريقة الوحيدة لإنقاذ أنفُسنا هي التغلُّب على هوسنا المُفرِط، وتعلُّم أن نكون ممتنّين لما لدينا، فنحن بحاجةٍ إلى إعادة التَّوازن والتَّفكير السَّليم والتَّخطيط الجيَّد للحياة، وفهم تركيبة أجسامنا، وبالتّالي تحسين طريقة تعاملنا معها، ممّا يؤدّي إلى حياةٍ أفضل.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.