حَسَرَات مُترجمة

  • 3
  • 1٬656
  • صباح السبت، بقي على المحاضرة الأولى 30 دقيقة، القاعة باردة، أجلس في جهة لا تصلها عين الأستاذة ولا يلحظها الخارج أو يعبأ بها الداخل، ولتفهم الزميلات أنّي في حالة استثنائية حيث لا ينبغي الاقتراب منّي.

    تدخل دكتورة المادة، سأعرف لاحقاً أن الترجمة أحنَت ظهرها وليس العمر، أوّل يوم في الأسبوع، وأول محاضرة في اليوم، وأوّل مادة متخصصة بالترجمة.

    قدّمت لنا الدكتورة بمقدمة مؤثرة عن علم الترجمة وفنّها وكوارث المترجمين في السياسة والاقتصاد أحالتني إلى حالة “يا ليتني متّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسياً،” حاولت التماسك على الكرسي، أو هو الذي أمسك بي حتى لا أتبعثر؟ لا أذكر. ما إن انتهت المحاضرة حتى فتحت جوالي لأبحث عن مستقبل خريجي الترجمة في غير الترجمة.

    هل يُعقل أنها تحوّلت إلى تدريس الترجمة لأنّها كانت كارثية؟ لكنها هكذا ستخرّج مزيداً من الكوارث البشرية إلى العالم. ألا يرف لها طرف؟!

    فكرة تغيير التخصص غير واردة إذا يُقابلها نفيي من المنزل. أَعَذابات الترجمة أم غضب الوالدين؟

    تكررت فكرة هذا المشهد في المستوى السابع، مادة الثقافة المقارنة، لكن بوضوح صادم حيث فتحت الأستاذة باب القاعة وقالت: “لتتفضل من ليست مستعدة للقيام بمسؤولياتها كمترجمة.”

    لم يخرج أحد حينها، لكن كانت أعداد الشعبة تتقلص على مدى الفصل الدراسي، ومكاني في الوسط هذه المرة، أراها وتراني، لها الكلام أجمعه ولي الاستماع كلّه، وفي ذهني الزميلة التي انسحبت من برنامج الترجمة بدبلومها العام الماضي، فوتت على نفسها المتعة الكارثية لدراسة الترجمة وحرمت العالم من استقبال كوارثها.

    دراسة الترجمة تشبه المشي في مفازةُ مفروشة بالخيوط المتشابكة، تطوقك وتعرقلك وربما كسرت رجلك، لكن تستمر بالسير مع المُبتلين مثلك، عرجاً ومكاسير، وما هذه إلا البداية، ومن يقطعها يخرج منها إلى طرقٍ صخرية، ليتها تلتزم رتماً واحداً بل تتمادى في التلويّ والانحدارات ونثر الحصيّات وكأنّه رزقٌ يؤخذ من أعشاش الصقور، تتسابقون إلى حتوفكم وتتنافسون أيّكم أكثر نُدوباً، تقهقهون عند كل استراحةِ بعيونٍ محمرّة غائرة، في مشهدٍ يشبه ما وصفه د. بول براند (1):

    ” وما إن قُرع الجرس حتى اندفع الناس إلينا من الأكواخ الصغيرة والمنازل. جذب انتباهي مريض شاب متحمّس يواجه صراعاً مع عكازتيه في طرف الفناء رافعاً ساقه اليُسرى المُضمّدة عن الأرض. على الرغم من أّنه بذل ما يستطيعه رغم ضعفه، فقد تجاوزه المرضى الأرشق والأسرع. وخلال ما كنت أتابع هذا المشهد، تأبّط هذا المريض عكّازتيه وبدأ بالركض على كلتيّ قدميه بسرعة فائقة غير متوازنة، ملوّحاً بيديه تلويحاً قويّاً ليجذب انتباهنا. توقف قريباً من بداية الخط، وقف لاهثاً مُتكّئاً على عكازتيه وقد ارتسمت على مُحيّاه ابتسامة النصر.

    […] لاحظتُ أن الضمادات تقطر دماً وأن قدمه اليسرى مرتخية وتتحرك يمنةً ويسرة. بركضه على الكاحل المخلوعة حمّل عظم ساقه ضغطاً عالياً […]. كان يمشي على نهاية قصبة الساق، ومع كل خطوة يخطوها كانت العظمة الجرداء تحفر تجويفاً في الأرض. وبّخته المُمرضات بحدّه إلا أنه بدا فخوراً بنفسه لركضه بتلك السرعة. انحنيت إليه ووجدت حُصيات وُغصينات قد التصقت بنهاية العظمة الجرداء حتى وصلت التجويف النقي. لم يكن لدي خيار سوى بتر ما بعد الركبة من الساق.”

    إلا أننا لا نُبتر، نخلدُ أو نقاوم.

    أقول لخاصّتي: أنهكتني فلسفة برتراند رَسِل في مشكلات الفلسفة، وأبكاني د. بول براند في هبة الألم، وأغضبتني ديانا أبو جابر في الحياة بلا وصفة، يا للحسرات المتواليات! لعله القدر الذي كُتب لي، ولو خيّرت ما اخترتُ غيره بحسنُه وكوارثه.

    (1): هبة الألم، د. بول براند وفيليب نانسي، ترجمة آراك الشوشان.

    مصدر الصورة.

    آراك الشوشان مترجمة

    مُترجمة، مدوّنة، وأدرّس أحياناً.