بصمة لكاتب مغمور

  • 1
  • 264
  • يظن البعض أن حياة الشهرة تحت الأضواء هي الحياة المثالية حيث المعجبين و المطاردين دوما أينما ذهبت يسعون و يجتهدون و يسعدون لمجرد إلتقاط صورة تذكارية معك ، و لكن حياة الشهرة ليست وردية كما تراها من بعيد فعندما تتحول إلي شخصية عامة تصبح حياتك الشخصية ماضِ لن يعود كما كان ، فتكون معرض في أي وقت و أي مكان لأن يقوم أحد الصحفيين الساعيين لتحقيق الشهرة أو زيادة مبيعات أحد المجلات بإلتقاط صورة لك أثناء ممارستك الحياة بشكل طبيعي دون تكلف أو تلون مما قد يسبب لك العديد من المشاكل .

    هل تمنيت يوماً أن تتصرف مثلما يتصرف السياسيون والفنانون ، هل تتخيل كيف يمكن أن يكون حالك وأنت من المشاهير ؟

    المفترض أن السياسي لن يتصرف مثل الناس ، فيجب أن تتسم خطواته بالوقار والثقة في ذات الوقت ، وعليه أن يبتسم إبتسامة من طرف الفم بحيث يظهر للناس أنه في أقصى درجات التوازن والثبات الإنفعالي ، من الصعب أن تكون مراقب من الناس طيلة الوقت ومن العسير جدا أن تظل متحكما في شرايينك العصبية لوقت طويل ، إذن يجب أن تعلم بل وتحذر ألا تدخل في معركة تكون فيها أنت الخاسر ، فاحذر على أن تراهن بأن تصبح يوماً سياسياً وأنت لا تمتلك الخبرة في القيادة والدبلوماسية .

    الفن يمكن أن يتحول إلى إدمان وجنون !

    أما إذا كنت تحلم بأن تكون فناناً ، فإنها مسألة يمكن أن تبدو سهلة للمبدعين ، وأصحاب المواهب ورغم ذلك قد تكون مسألة معقدة جدا بالنسبة لكل من يخاف من الظهور والشهرة ، أو المصابين بالرهاب الاجتماعي (فوبيا القلق الاجتماعي) ، وقد يخيل إليك أن التمثيل مهنة سهلة ولكنه في حقيقة الأمر موضوع يحتاج إلى إتقان ومهارة في تقمص الشخصيات ، فإذا امتلكت الخبرة في لعب الأدوار فستصل إلى ساحة المبدعين وتستطيع هنا أن تمثل لتصبح نجماً لامعاً لك جمهور يتابعك ، ولكن انتبه فإنك من الممكن أن تدمن الفن وتتعمق في الأداء حتى تصبح أنت هذه الشخصية ولا تعرف كيف يمكنك الخروج منها، إذن فالفنون جنون بالفعل كما يقولون .

    فلتتخيل إنك تؤدي دور العندليب الأسمر( عبد الحليم حافظ ) في أحد الأفلام وتسير مثله وتغني بطريقته وتتحدث مع الجماهير المبهورة وترفع يدك لتصافحهم في سعادة وثقة ، فإنك ستشعر بالزهو والفرحة بنفسك ، وربما يصيبك نفس الإحساس الذي أصابه والتحدي والإصرار الذي تحلى بهم ، مما يجعلك تتكلم معتقداً إنك مثله ، أو أن الناس تعرفك وتشير إليك ، وهذا في الحقيقة ليس إلا تأثير سيرته الذاتية عليك وتعمقك في دواخل الشخصية وما يكمن فيها من تناقضات وانفعالات ، ولهذا فيجب عليك أن تكون حذراً حتى لا تصاب بالإدمان أو الجنون .

    هل تسأل نفسك بعد أن تنتهي من مدونتك أو مقالتك ماذا سيكون حالك بعد 10 سنوات من الآن ؟

    ربما نسأل أنفسنا ماذا سنجني من كتابة المدونات والمقالات ،وماذا يمكن أن نفعل إذا أصابنا الفشل والإخفاق ، وما الذي جعلنا نكتب من البداية ، أهو الفراغ الذي أخذنا لهذا الطريق أم هو التعليم الذي أوصلنا لهذا المجال ، أم إنها مجرد هواية نفضلها .

    الكتابة عند محبيها ومن يعشقها ليست لمليء الفراغ ولا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال نتيجة روتينية بعد الحصول على شهادة علمية أو ما شابه ، وفي ذات الوقت هي لن تكون مجرد هواية ، بل هي ما يتنفسه الكاتب من الهواء وهي العصا التي يتكيء عليها عندما يتركه الناس في حزنه ، وهي الدماء التي تتجدد داخله لتشعره إنه مازال حياً ، وفي خضم هذا العالم الكبير المادي الذي يمتليء بالصراعات ربما يجد الكتاب أنفسهم حائرين لأن الحال اليوم ليس هو حال الأمس والحياة البسيطة فيما مضى غير الحياة المعقدة اليوم ، فكيف لي أن أكون كاتباً متميزاً وكل من حولي يكتبون ، كيف أغير النمط السائد في الجرائد والمجلات الورقية والإلكترونية ، هل أستطيع أن يكون لي بصمة وسط كل هذا الكم المهول من القصص والموسوعات والكتيبات والمقالات المرئية ؟

    بإمكانك وحدك أن تبني نفسك من خلال إيمانك بالله وبقدراتك ، ولكن بنائك لقدراتك يقتضي أن تكون أنت نفسك ولا تكون غير أنت ، لا تكون غير ولا تدعي الآخر ، بل سير في طريق ما يقوله عقلك أنت ولكن لا تنسى أن تأخذ خبرة الآخرين وتتعلم من حكمتهم وتكتسب مهاراتهم وتضيف عليها إذا أمكن لك ، وذلك لأنك إذا اكتفيت بموهبتك فقط وعلمك فستكون لا شيء ، وإذا قلدت غيرك فقط أيضا ستكون لا شيء ، ولكن عليك أن تمزج بين موهبتك وعلمك وبين خبرة وإبداع من سبقك ، وهنا فقط يمكنك أن تصنع مكاناً ليس شرط أن يكون المكان صغيراً أو كبيراً، المهم أن يكون لك مكان بين قرنائك حتى ولو كان ضئيلاً ، فالضئيل يمكن أن يصبح متميزاً حتى ولو كان بسيطاً .

    عزة عبد القادر دكتور جامعي