اليَقَظَة

  • 2
  • 2٬000
  • ترجمة: حلا الجابر

    “الحبّ هو نار الرُّوح، لذا أَحبّ حتى تنطفئ آخرَ شعلة من نجمك ويخمد لهيبها في أضلعك” – آنا بانونتو

    أخيراً، تسحبني السّماء عند عتبةِ غروب شمسها في هذا المساء الجميل من شهر أغسطس إلى متناول يدها وتغريني بسحرِ لونها الأخّاذ. يحمِلُني هذا الشّعور على جناحيه بعيداً ليذكّرني بأنّني يجب أن أستلقي على الشّاطئ في مكانٍ لا يشبه غيره، مع كوبٍ من السانجريا البارد في يدي اليسرى وسيجارة في اليُمنى. لا يكلّ هذا المشهد على أن يستحضرَ لي تفاصيله الفاتنة؛ ما زلتُ أشعر برائحةِ البحر الأدرياتيكي بالقربِ من شاطئ تيرمولي ــ واقي الشمس، الماء المالح، أفضل رائحة على الإطلاق على الجلد، لا شيء أكثر إثارة من ذلك.

    عقلٌ مبدع، روح خلّاقة للغاية كقوّة الطبيعة التي لا يمكن التّنبّؤ بها، مع ومضاتٍ برتقاليّة اللون مثل غروبِ الشّمس. مضروبة بمئة، رُبّما، كل هذا هو. أستطيع أن أسمع كلمات سيلفيا بلاث تبعث رائحة المصير الوشيك، تهمس في أذني مرددة: “أغمضتُ عينيّ وسقطَ العالمُ كلَّه ميّتاً؛ أرفعُ جفنيّ وولدَ الجميع مرّة أُخرى” *مقتبسة من (أغنية حبّ الفتاة المجنونة).

    تندمج طاقاتنا في نيران الرّغبة المدمّرة، ولأنّه يعيش كشخص بلا أمل، فهو فنان غريب الأطوار يجعل لغة المُوتى يتردّد صداها في قلبي. “أوه، يا ربّات الشعر يا مُلهماتي، اطلقي العنان لصوتي الشعري ودعيه يأتي من خلال اللغات الميِّتة”.

     دعني أبوح بسرٍّ لك – أيّاً من تكُن- غريب، أجنبي، مهاجر. اعترافاتنا الهاتفيّة، عواصف شهوانيّة تحرق روحي كشمعة مُستعِرة. روحي تذوبُ في المجهول، أضحكُ وأبكي مثلَ امرأة مجنونة في أفلام فيلليني، اللعنة الصّامتة تُطاردني في كلِّ مكان، “أوه، مطر روما، تعال إليّ، تعال وخذ دموعي معكَ مع انهمارك الغزير القاتل، ودع هذا الجنون يتدفّق بعيداً عني!”.

    اعتدت على أن أثور على السّلطات الذكوريَة من حولي، وكنت كثيراً ما أرفضها، لم تكن لي أكثر من قواعد متهدّمة، تخلّلها الصَدع والعيوب، لكن الحبّ أعماني عن تلك العيوب، إلّا أنني  نهضتُ من رمادي وحلّقت عالياً مرتين بالفعل، أنا بطلة في أذهان الكثيرين، لكن كلمات الإيثار والعزيمة التي لا تقهر سرعان ما تتحوّل إلى ألحان حزينة وكئيبة، حيث فجأة انجرفتُ بعيداً وظهرت في مكان آخر، سماءه رمادية، تصبّ جام غضبها عليّ وترغب بتدميري، وأنا بالكاد أتشبّث بمظلّةٍ زرقاء مكسورة بينما أتخيّل أنني في روما.

    آهٍ يا روما، دعني أكون سيّدة قلبكَ وأتربع ملكة على عرش أحلامك فيها. في روما حيث باعَ قلبه. هذا الرّجل، هذا الغريب الذي يتحدّث لغة وطني الأم بطلاقة وثقة عالية، كيف يجرؤ على النطق بها بمثلِ هذه الكياسة ، وصوته العميق المتّقد الذي يأخذني معه في حلم قد بات طويلاً. أوه، لا، لن أوهب نفسي له أبداً، لأنه سيكون في ذلك خيانةً لأسلافي ولذكراهم التي أُحبّ. بدلاً من ذلك، سأتحوّل إلى أرملةٍ بملابس سوداء، برائحة مُسكِرة آسرة، مزيّنة الدانتيل الأسود، والشّوكولاتة الذائبة.

    كيف لي أن أُجيد وصف تفاصيل هذا الرّجل التي تحمل الّلين والشًّدة، الحياةَ والموت. يداه عاريتان وسمراوتان، كالأرض الخِصْبة قادرة على أن تنفخ الروح فيما تلمسه، وجذب الثّروات والثّراء. أظافره قويّة حادّة، قاسية جارحة، تحفر أخاديد في روح الصحراوات، حتّى أنّها ذات مرّة، شهدت تلك الأيدي شجاعة باسلة وجبّارة حيث قتلتْ عقرباً شديد الخطورة على حافة الصحراء. 

    ينتابني شعور غريب بعض الشيء، بارد حتى الصقيع، يتسلّل بسلاسةٍ مُطلقة إلى شراييني يزحف بغدرٍ ليستهدف قلبي الضعيف، وتعود تلك الضحكة العصبيّة المجنونة فجأة من الماضي، لتضربَ أذنيّ كسلسلة من الصدمات الكهربائية القصيرة. أهٍ لو كان بإمكاني، أن أقطع أُذنيّ الآن وأرمهما بعيداً. صمتاً! أين  ملهماتي عندما أكون بأمسّ الحاجة لهن؟ أنا أتوسل إليكنّ، أن تجعلوني أقوى حيال تلك الضحكة، ربّما أحتاج لدرع الأباطرة الحديدي أو عِتاداً بأكمله لأواجه فقط تلك الضحكة.

    يحملني الآن على السّرير، ولكنه ليس الشّعور المألوف الذي وُعدتُ بِه، الفراش حار، جلدي يحترق. يفصلنا جدار منيع بيننا لا أقوى على تحطيمه، إنّه يخبّئني كما لو كُنْتُ طِفلهُ المُجهض، لكنّني لست طفلة. بإمكانك أن تشْعُرْ بأُنوثتي وأن تفتحَ عينيكَ على تفاصيلها المتناثرة كالزهور في حديقة جسدي، بإمكانك أن تشعر ببشرتي الحارّة كما لو أنّها هذيان يتلظّى بالحمّى. أمّا هو كذئب ماكر يمتصّ حرارتي ويجفف حمّاي. للحظةٍ وجيزة، يرمي بكل ما في قلبه حتّى يذوب شيئاً فشيئاً.

    يترصّد جسدي كما يترصّد المفترس فريسته في غابته البريّة، يقترب إليه ليصطاده بقضمات صغيرة متردّدة. أنا مُمزّقة، مُحطّمة، ولكني لا أرى آثاراً للندوب على جسدي. ها هي عيون الذّئب الماكر تظهر لي مرّة أخرى. مُظلمة مثل سماء منتصف الليل، خالية من النجوم. بينما أنظر إلى الأعلى، أبحث عن الضوء غير الموجود، أشعر بأنّ روحي متعبة و مشتّتة. أوه، الضحكة المجنونة تعود مرّة أخرى، لكن هذه المرّة جاءت كما لم أعهدها من قبل، مرتديةً ملابس الصمت العميق بأناقة رفيعة.

     يا للدهشة، كيف بها مخالب ذاك المفترس تتحوّل إلى ملمس حسيّ ناعم ومرهف، إنّه يُدلّك رأسي بحنان ورقّة كما لم يفعل من قبل، يحرّر جنوني ويبدلّه لهيئةِ ملاك هاوٍ من سماوات عليا، يضحك بهدوء خافت، ثمّ يضحك  ضحكة منتصرة. يتدفّق الندى الدّافئ إلى جسدي ليروي الزهور عليه، أخفيه كشيءٍ ممنوع، فلا ينبغي أن يشعر الطفل الذي لم يولد بعد بالرغبة تخرج منه وتتدفق كنهر لا يعرف أين مصبه النهائي، يتداخل القمع والكبت معاً، لقد أصبحت الآن غريبة عن وطني، وعقارب الساعة تشير إلى الوراء وها أنا ذا أتحوّل إلى جنين لا يقوى على فعل شيء إلا البكاء. 

    ملاءات السّرير رَطبة، لا شيء في الغرفة سوى الضباب المتبخّر من الشّهوة والرغبة، ليس لهذا الضباب الرطب أيّة رائحة تُحيي ما تبقّى مِنّا، تتساقط أحرف اسمي وتذوبُ في هذا الهواء الفاسد، تهرب ذاتي وتتلاشى بعيداً عنّي.

    في غمضة عين، وبسحرٍ خالصٍ لا مثيل له، أعود إلى شاطئ البحر حيث ينادي البحر الأدرياتيكي اسمي للمّرة الأخيرة، “أنا هنا، أنا هنا!”

    أتنفّس الصّعداء عندما أرى قلعة سانت أنجيلو. أرى الإمبراطور هادريان يعيدني إلى الحياة من جديد، ويبعثني حرّة لألمسَ بشَرتي وهي دافئة، مُعطّرة مرّة أخرى. أشعرُ بالرّمال السّاخنة تقبّل انحناءات جسدي، والريح من بعيد تقترب إلّي لتداعب شعري الطويل بلطفٍ ورقّة، لقد وجدتُ نفسي، أمّا هو، أصبح في طيّ النّسيان في روما.

    Anna Panunto معلمة

    معلمة لمدة اثنين وعشرين عاماً في المدرسة الثانوية لمركز مونتريال لتعليم الكبار.