كيف تتحول من المشي إلى الجري؟

  • 3
  • 3٬320
  • في سن المراهقة، كنت أرى من يركضون أناساً خارقون للعادة. أشاهدهم يركضون دون توقف ودون لهاث مُعيق وبتركيز على الطريق، وفِي أحيان كثيرة بسرعة جيدة متسقة. كيف وصلوا إلى هذه النقطة؟ وإذا وصلوا إلى هذه النقطة فهل هذا يعني أنني أستطيع الوصول إليها أيضاً؟ قررت أن الجواب سيكون ‘نعم.’

    لحسن الحظ كان لدينا في حينا السكني نادي رياضي. إشتريت ملابس رياضية ولبست أحذية الرياضة وقمت أمشي ببطء ثم أركض وأسرع الحركة لاهثة كشخص يفارق الحياة ومن حولي يبتسم، مزيج من الإستلطاف والسخرية. كنت أشعر بالإحباط لكنني كنت مدركة أن الجري كمتمرس لن يحدث بسرعة ولكنه سيحدث بوقته، فكنت أهرول ببطء، أخلط ما بين الجري والهرولة. أعدو، ثم أتعب، أو أعدو ثم أحترق، محاولاتي غير موفقة في أغلب الأحيان، حتى بدأت أشعر بأن هذا الأمر فوق قواي الجسدية. لكن اليوم الركض بالنسبة لي من أسهل الأعمال الروتينية وأكثرها متعة. صوت أقدامي المتسارعة على الطريق من أحب الأصوات إلى قلبي.

    قبل عقدين لم يكن Youtube موجوداً كمجيب ومعلم لكل “كيف تفعل ..” ولم يكن Google سوبرمان الإجابات كما هو الحال الآن. لذلك تعلمت بالتجربة ومراقبة من يركضون حولي ومن هم أفضل مني، ومن يبهرني أطلب منه نصائح وإرشادات. اليوم أنقل لكم إستنتاجات تجربتي للجري كمتمرسة لما يقارب 20 عاماً، وكمهتمة بالبحث في الرياضة والصحة.

    كيف تستعد للجري؟

    1. إشرب الماء طوال اليوم. أي قبل وبعد الجري. العطش سيصيبك بالجفاف وقد تشعر بالدوار والتعب وحتى الإغماء.

    2. لابد من إختيار حذاء مناسب، داعم ومريح. الحذاء الذي سترتديه لتركض مختلف عن الذي سترتديه للعب التنس. أربط الحذاء جيداً ليكون ثابتاً ومشدوداً، حتى لا تدعس عليه وتتعثر به، أو حتى لا يعلق في شيء. شخصياً أفضل أحذية New Balance لأنها متينة ومريحة وداعمة وتناسب تسطح قدماي، وكل قدم ستناسبها نوعية أحذية مختلفة. فمثلاً أحذية Nike لا تناسبني بسبب تقوسها وضيقها من منتصف القدم، بل تصيبني بجروح، بينما أخي تناسبه تماماً وتريحه. فقط لا تعتمد على شهرة الماركة بل تجربتك لها.

    3. إلبس جوارب رياضية. هذا لأن الجوارب غير الرياضية ستسبب إحتكاكاً غير مريح، خاصة وأنها لا تبقى ثابتة.

    4. تعرّف على محيطك. هل ستركض في الهواء الطلق أم النادي؟ إذا كان في الهواء الطلق يجب أن تكون لديك فكرة جيدة عن المحيط. إلى أي مكان يؤدي الطريق، مستوى الخطورة كالسيارات والثعابين، نوعية الأرضية التي ستهبط عليها قدماك، هل هناك رصيف أو هل هناك حُفر؟ من الأفضل ألا ترتجل الركض في أماكن مجهولة قبل أن تُصبح متمرس، لأن التركيز على الجري والتركيز على الطريق في نفس الوقت صعب بدايةً.

    5. إذا كنت ستجري على الآلة تعرف على سرعتها ببطء، ويفضل أن تطلب من المدرب أو المختص في النادي بتعرفيك على الخيارات المتعددة الموجودة في الآلة وكيفية إستخدامها. الكثير من الناس يركضون على الآلة دون علم جيد بما يمكنها تقديمه لهم.

    6. إستعد للراحة في اليوم التالي. فوائد الجري لا تحدث عند الجري بل عند النوم وعند الراحة. أيضاً، إعلم أن الجري على أرضية صلبة كالخرسانة مُتعب للجسم والمفاضل، على عكس آلة المشي، لذلك يفضل الجري على أسطح لينة مثل الترابية والعشبية أو حتى الإسفلتية.

    7. قم بعمل قائمة للأغاني. هذا سيجعل وقت الجري يمضي بمتعة وطاقة، كذلك يمكنك استخدام الأغاني كفواصل. مثلاً، عد نفسك أنك ستغير السرعة حين تصل إلى الأغنية التالية.

    8. لابد من تحديد الهدف من الركض. مثلاً، هل تريد أن تركض لمدة 20 دقيقة؟ أو أن تركض 3 كيلو متر؟ بعد تحقيق الهدف الأول ستتمكن تدريجياً من تحقيق بقية الأهداف.

    9. مارس التنفس الواعي. التحكم بالتنفس بالتركيز عليه، شهيق عميق وزفير عميق، هذا يجعلك تقطع مسافات دون إهدار طاقاتك، ويساعدك على الركض بسلاسة. التنفس السليم نقطة مهمة، فكما نتعلم أهمية التنفس تحت الماء عند تعلم السباحة، علينا تعلم كيفية التنفس عند الركض.

    10. تسلح بفلسفة المثابرة. كل المهارات الحقيقية تراكمية، لا تطرأ فجأة، لذلك كن صبوراً مع نفسك.

    كيف تنتقل من المشي إلى الجري؟

    هنا جدول رائع من موقع darebee.com ينقلك تدريجياً من المشي إلى الجري خلال 30 يوم. مثلاً ستلاحض أن اليوم الأول “4 دقائق مشي، 1 دقيقة جري، 3 أشواط” واليوم الثاني “4 دقائق مشي، 1 دقيقة جري، 4 أشواط” وهكذا.

    عندما تبدأ بالجري:

    1. قم بتسخين الجسم أولاً. إمش حوالي 5 دقائق قبل أن تنطلق. الإحماء يعمل على تسريع نظام القلب والأوعية الدموية تدريجياً عن طريق رفع درجة حرارة الجسم وزيادة تدفق الدم إلى عضلاتك مما يساعد في تقليل وجع العضلات وتقليص نسبة الإصابات.
    2. عليك أن تتأكد أن وضعيتك سليمة، أنك تنظر أمامك وليس للأرض، كتفاك مسترخيتان، لا تقبض بشدة على يديك، جذعك مستقيم، ذراعاك يتحركان ويتأرجحان، أي لا تضمهما، ركبتاك مقوستان قليلاً، وأنك تهبط بشكل سليم – أي بين الكعب وأوسط القدم – ، تتنفس باتساق وبعمق: شهيق عميق وزفير عميق.

    3. عندما تنتهي قم بالتبريد، أي التوقف التدريجي. التبريد بعد التمرين يسمح بالتعافي التدريجي واستعادة معدل ضربات القلب قبل التمرين. أما بالنسبة لمط الجسم (stretching) إذا لم تقم به في البداية فلا بأس، الأهم هو القيام به في النهاية بعد الجري أو أي رياضة أخرى، وإلا ستشعر بأوجاع وعُقد وعدم إرتياح عام، وقد تعرض جسدك لإصابات.

    تمارين مط الجسم

    إذا شعرت بألم في الظهر بسبب المشي أو الجري، فتأكد من أن الحذاء الذي ترتديه داعم، خاصة إذا كانت قدماك مسطحتان. أيضاً، تأكد أن منطقة البطن مشدودة وقوية، أي قم بعمل تمارين لشد البطن (core workout). لأن منطقة البطن الضعيفة والمتراخية تجعلنا نعتمد على الضغط، بنسبة أعلى، على الظهر. أيضاً، قم باستشارة طبيبك لمعرفة ما إذا كان هناك سبب آخر.

    نأكل قبل الجري أم بعده؟

    إذا كنت ستجري في الصباح على معدة فارغة فلا بأس، لكن إعتمد على الهرولة. إذا كنت ستجري بعد الأكل فيمكنك الإسراع في الجري. فقط إحرص على ألا تكون معدتك ثقيلة حتى لا تجعلك بطيء ومتقاعس وألا تكون جائعاً تماماً وضعيفاً.

    إشرب الماء خلال اليوم بكثرة، وألا عرضت نفسك للجفاف وبالتالي للتعب والإنهاك. خاصة إذا كنت تقوم ببذل جهد شديد أثناء الجري (high intensity)، أي تعدو. قد يبدأ جسمك بالجفاف وتشعر أن لعابك أكثر صلابة ولزوجة وأنه يتكور وقد يصعّب عليك التنفس. هذا طبيعي، يحدث ذلك لأن التمارين الرياضية عالية المجهود تزيد من كمية البروتين الذي يُفرز في اللعاب، وخاصة نوع من المخاط يسمى MUC5B. هذا المخاط يجعل اللعاب أكثر سمكًا، مما يجعل إبتلاعه أكثر صعوبة.  إذا حدث ذلك فلا تحاول أن تبتلع، بل أبصقه مع الحفاظ على الذوق العام. لهذا تجد اللاعبين يبصقونه بلا تردد أمام شاشات العالم.

    كيف تشجع نفسك؟

    أحياناً كنت أعرّض نفسي لعدوى الحماسة والطاقة، فكنت أختار الجري بالقرب من شخص يركض بسرعة، أو يركض لفترة طويلة، فكان هو رفيقي الرياضي السري، لأنه يدفعني ويريني ما يمكن تحقيقه. (هذه الفكرة ليست للجميع فالبعض يُحبط من الأداء الأعلى). لم أكن أقلده تماماً، فقط ألتمس طاقته. ربما تساعدك فكرة صحبة صديق كرفيق رياضة، أو حتى التنافس معه عن بعد وتبادل أخبار إنجازاتكما. أو ربما قد يفيدك التركيز على الهدف النهائي، وهو جعل الجري جزء من حياتك كعادة مفيدة.

    إنني أركض سنوات من حياتي، ومع كل مسافة أقطعها أحس أنني إنسان سعيد وقوي وجديد. لا أعرف المزاجية ولا تعرفني، منتعشة، أجري بشكل شبه يومي، لا تعرف قدماي حدود. أركض في النادي، في الشارع، أو حتى في بيتي حول الأثاث، أو أركض في مكان ثابت. تعلمت طرق مختلفة لأتحرك.

    هل يعني ذلك أن طريقي في الجري كان محفوفاً بالزهور والمتعة واليُسر؟ لا طبعاً. تعززت علاقتي بهذه الرياضة وهي تتذبذب بين الكراهية والمحبة. لأنها في النهاية روتين وبذل مجهود، لكنني أركز على النتيجة الأهم، وهي الإلتزام بنظام حياة متوازن وصحي، كجزء من العيش بمسؤلية نحو هذه الهبة العظيمة، رفيق العمر الدائم: الجسد.

    نهاية، لا أقدم هنا نصائح طبية، لذلك عليك إستشارة طبيبك قبل الإقدام على الجري خاصة إن كنت تعاني من مشاكل صحية. هذه مجرد نافدة على إستنتاجات من تجربتي الشخصية والتي أتمنى أن تحفز البعض منكم، وأن تكون فيها بعض الأفكار المفيدة التي قد تساعدكم على إكتشاف عادات إيجابية.

    مريم القحطاني كاتب

    من اليمن. أهوى القراءة والرياضة. مهتمة بالكتابة الإبداعية.