ما لن يخبرك به أحد عن العمل الحرّ (الفريلانس)

  • 2
  • 1٬608
  • ما أن تقول لأحدهم اليوم أنك تعمل بشكل حرّ (فريلانس) حتى يعتقد أنك تعيش حياة الحلم، أو يشفق عليك لأنك عاطل عن العمل. الحقيقة لا تبعد كثيراً عن هذين الانطباعين المتناقضين، وغالباً ما يجد الفريلانسر أنفسهم يتنقلّون بين هاتين الحالتين كلّ بضعة أيام أو أسابيع.

    رغم توسّع العمل الحرّ بشكل كبير جداً خلال السنوات الأخيرة وخاصة بعد وباء كورونا، لا يزال هنالك هالة من الغموض تحيط به، وهنالك عدد كبير من الموظفّين الذين يحلمون باليوم الذي ينتقلون فيه إلى العمل الحرّ كأنه موعد مع خلاص شخصي منتظر.

    في أوساط النصائح المهنية هنالك الكثير من التمجيد للعمل الحرّ فيما هنالك أقلية تحذّر من أنه كابوس يجب تجنّبه مهما كلّف الأمر.

    الحقيقة هي أن العمل الحرّ ليس تجربة متجانسة وموحدّة وهنالك اختلافات هائلة في طبيعته بين مختلف البلدان والشركات والمهن، والأهم، هنالك اختلافات هائلة في التجربة بسبب طبيعة الناس نفسها حيث تلعب تفضيلاتها وشخصيتها وظروف حياتها عاملاً حاسماً في رسم تجربتها مع العمل الحرّ.

    فلنتحدّث عن ذلك قليلاً وعن الأشياء التي نادراً ما تُذكر عند الحديث عن العمل الحرّ.

    التحدّي الأصعب في العمل الحرّ هو قدرة الشخص على تنظيم وقته بنفسه والقيام بالعمل المطلوب منه حين لا يكون لديه مدير أو زملاء أو حتى مردود مادي كافي يدفعه للقيام به.

    الفوضى هي عدوّك الأكبر

    خلال السنوات الماضية شاهدت العديد من أصدقائي يحاولون أسلوب العمل الحرّ ويكرهوه بكل ما فيهم من مشاعر. المشكلة الأولى التي كانوا يواجهونها عادة هي انهيار نمط حياتهم الخاص بشكل شبه كامل في ظلّ غياب الروتين اليومي للوظيفة. يبدأ الأمر بتحوّل مواعيد نومهم واستيقاظهم إلى العشوائية، ثم تنتقل الفوضى لبرنامجهم الغذائي وروتينهم اليومي وتؤثر من بعدها حتى على علاقاتهم الشخصية وكافة النشاطات الأخرى التي يقومون بها.

    في ظلّ غياب المدراء والزملاء والمواعيد النهائية الواضحة وحلول الفوضى في أسلوب الحياة، معظم الناس سيفقدون انتاجيتهم سريعاً، وسيصبح إيجاد الوقت والرغبة للتركيز على العمل أمر نادر وصعب للغاية في يومياتهم.

    ما يجعل الأمر أكثر صعوبة هو أنه قد تمرّ أيام وأسابيع من دون عمل يصبح خلالها الحفاظ على أي نوع من الروتين اليومي تحدياً أكبر مما هو عليه أصلاً.

    التحدّي الأصعب في العمل الحرّ هو قدرة الشخص على تنظيم وقته بنفسه والقيام بالعمل المطلوب منه حين لا يكون لديه مدير أو زملاء أو حتى مردود مادي كافي يدفعه للقيام به.

    غالبية الناس يحتاجون لبنية معيّنة من الروتين الخارجي لتنظيم حياتهم المهنية مثل الدوامات والمكاتب والإدارة ولا يوجد في ذلك شائبة، لكن فهم هذا الواقع من شأنه أن يساعد على اختيار البيئة المهنية التي تناسبك أكثر.

    أفضل طريقة لاختبار قدرتنا على تنظيم روتين عملنا بأنفسنا هي بكل بساطة مراقبة ما نقوم به في نهايات الأسبوع والعطل الطويلة الأمد حين نكون أسياد وقتنا بالكامل. إن كنّا من النوع الذي يحافظ على نوع معيّن من الروتين الحياتي خلال أيام العطلة – كأن نستيقظ في نفس وقت بداية العمل ونخطط لما نريد أن نقوم به بأسبوعنا أو يومنا في مفكرة – فهذا مؤشر على أننا مستعدّون نوعاً ما لتنظيم أنفسنا في عمل حرّ.

    إما الوقت أو المال لكن ليس الاثنان معاً

    فيما يمكن نسبياً توقع كثافة العمل خلال الوظيفة الثابتة، القيام بذلك في العمل الحرّ أمر صعب للغاية. سيكون هنالك أيام وأسابيع من دون عمل فيما ستعمل أكثر من 12 ساعة في اليوم في أيام أخرى.

    بطبيعة العمل الحرّ، العديد من الأعمال التي ستأتي إليك ستكون مستعجلة كما أن الشركات غالباً ما تعتقد أيضاً أن العمل مع الفريلانسر أسرع من التعاقد مع شركة طرف ثالث، وسيطلبون منك مهل زمنية أقصر مما يطلبوه عادة.

    في العديد من الأحيان ستجد نفسك تعمل على أكثر من مشروع في الوقت نفسه وقد تقضي أسبوعاً بأكمله في العمل من دون الخروج من المنزل، وفجأة سيرتفع رصيد حسابك البنكي بسرعة ليتوقف من بعدها لأسابيع من دون إضافة.

    في العمل الحرّ، غالباً ما يحاول المحترفون إيجاد عقد شبه دائم يؤمن مدخولاً ثابتاً أو عمل عن بعد بدوام كامل لتجنّب هذه الموجات المتقلّبة. غالباً، العمل الحرّ سيعطيك مالاً ويحرمك من وقت الفراغ، أو سيعطيك الكثير من وقت الفراغ ويحرمك من المال، لكنه لن يعطيك الاثنان معاً.

    العمل الحرّ سيعطيك مالاً ويحرمك من وقت الفراغ، أو سيعطيك الكثير من وقت الفراغ ويحرمك من المال، لكنه لن يعطيك الاثنان معاً.

    عليك أن تقوم بعمل عدّة أشخاص في الوقت نفسه

    حتى ولو كان عملك متخصصاً جداً في شيء واحد، فلنقل البرمجة مثلاً، ستجد نفسك تقوم بعمل عدّة أشخاص في الوقت نفسه لتنفيذ مشروع واحد.

    عليك أولاً أن تكون ضليعاً في العلاقات العامة والتسويق، لأنه يجب عليك تسويق نفسك بنفسك وتنمية علاقاتك مع أصحاب الأعمال والشركات والآخرين، إذ لا يوجد مدير مشروع لتنظيم تلك العلاقة وإعفائك من التعاطي المباشر مع طلبات وتقلبات واجتماعات العملاء.

    إلى ذلك، لا يوجد مدير أو موظف أكثر خبرة يراقب عملك ويصححه أو ينبهك للمهل النهائية، عليك أن تقوم بالإشراف على عملك من حيث تأمين الجودة وتنظيم المهام والقيام بمهمة مديرك بشكل عام. لا تنسى أيضاً الحسابات المالية والمهام اللوجستية المتعلقة بتأمين التحويلات المالية والتجهيزات المكتبية والبرامج التي تحتاجها للعمل.

    فوق كلّ ذلك، طبيعة العمل الحرّ اليوم غالباً ما تستوجب منك القيام بأعمال متخصصين آخرين، حيث أنه من النادر أن نجد شركة تتعاقد مثلاً مع كاتب ومحرّر ومدقّق لكتابة محتوى ما، بل ستتعاقد مع شخص واحد تتوقع منه القيام بهذه المهام المختلفة. الأمر نفسه في البرمجة والتصميم حيث من المتوقع أن تكون متخصصاً بأكثر من برنامج ولغة بل أحياناً قد يُطلب منك أن تبرمج وتصمّم موقع الكتروني في الوقت نفسه رغم أنها مهمة تتطلّب فريقاً كاملاً من الخبراء في الحالات العادية.

    في الوظيفة، إن أوكل مديرك مهام شخص آخر إليك، يمكنك أن تعترض أو تتذمر أو تطلب إضافة على الراتب، لكن لا يمكنك القيام بذلك في العمل الحرّ وغالباً ما ستجد نفسك توافق على القيام بمهام إضافية لم تكن لتقوم بها من قبل.

    حتى ولو كان عملك متخصصاً جداً في شيء واحد، ستجد نفسك تقوم بعمل عدّة أشخاص في الوقت نفسه لتنفيذ أي مشروع.

    التقدم المهني في العمل الحرّ بطيء أو غير موجود

    في الماضي حين كان يسألني أحدهم عن نصيحة للاختيار بين الوظيفة الثابتة والعمل الحرّ كانت إجابتي ولا تزال هي أنه من الأفضل العمل لبضعة سنوات في وظيفة ثابتة أولاً قبل التفكير بخيار العمل الحرّ.

    السبب المباشر لذلك هو أن الوظيفة الثابتة تساعدك على النموّ كمحترف في وسط جاهز مسبقاً والتعلّم من الزملاء الأكثر خبرة واختبار كافة جوانب العمل وتنمية العلاقات المهنية واكتساب الخبرات المختلفة، وهذه كلها أمور لا يمكن الحصول عليها بسهولة في العمل الحرّ.

    إلى ذلك، هنالك سبب آخر لهذه النصيحة وهو أكثر أهمية مما ذكرناه هي أن التقدّم المهني في العمل الحرّ بطيء جداً أو غائب تماماً.

    العمل الحرّ يؤدي بالتأكيد إلى تنمية مهاراتك وخبرتك كمحترف بل سيعطيك خبرات في مجالات مختلفة وجديدة أكثر من الوظيفة العادية أحياناً، لكن من ناحية الترقيات أو الانتقال من مستوى في المهنة إلى مستوى آخر – كالانتقال مثلاً من البرمجة الفردية إلى إدارة فريق من المبرمجين – هو أمر صعب جداً عبر العمل الحرّ.

    أفضل وقت لممارسة العمل الحرّ حصراً هو قبيل التخرج من الجامعة وبعد وظيفة ناجحة طويلة، لكن غالباً لا يناسب منتصف المسيرة المهنية.

    إن أردت التقدّم على وظيفة بعد سنوات من العمل الحرّ، قد تكون خبرتك الحقيقية تشمل إدارة مشاريع بأكملها من الألف إلى الياء مع أكبر الشركات في المنطقة، لكن سيكون من النادر لتلك الشركة أن تقدّر كل ذلك لأن العمل الحرّ يعتبر في أحيان كثيرة بمثابة خبرة ثانوية مقارنة مع خبرة الوظيفة وخاصة في العالم العربي.

    قد تكون أكثر خبرة وتأهلاً لمنصب مدير فريق مثلاً لكن معظم الشركات ستفضّل تعين شخص قضى ثلاث سنوات في وظيفة ثابتة في هذا المنصب على آخر قضى ثلاث سنوات في العمل الحرّ، ولو كان الأخير يمتلك خبرة أوسع وأكبر من المرشّح الأول.

    بالنسبة للعديد من الشركات، العمل الحرّ هو شيء يقوم المحترفون به حين لا يكون باستطاعتهم إيجاد عمل ثابت وغالباً ما يطرح ذلك علامات استفهام حول مدى ملائمتهم للوظيفة، لا من حيث الخبرة فحسب، بل من حيث التزامهم بالدوامات وقدرة عملهم مع المدراء والزملاء. في الوظائف المبتدئة للخرّيجين الجدد، الخبرة السابقة في العمل الحرّ غالباً ما تعطي أفضلية مقارنة مع انعدام الخبرة المهنية، لكن هذه الأفضلية قد تتحوّل لعامل سلبي في مرحلة لاحقة من المهنة.

    نادراً ما نجد أي ذكر لهذا الواقع في الأدبيات المهنية السائدة لكنه للأسف ممارسة شائعة في الوقت الحالي وأمر يجب أخذه بعين الاعتبار عند التفكير بالعمل الحرّ.

    إن كان التقدم المهني أمر مهم لك شخصياً، يبدو أن أفضل وقت لممارسة العمل الحرّ هو قبيل التخرج من الجامعة، وبعد وظيفة ناجحة طويلة، لكن ليس في منتصف المسيرة المهنية.

    في معظم الأحيان يرتبط الأمر بإيجاد الإجابة الصعبة لمعضلة الاختيار بين الأمان والحرية.

    معضلة الأمان أو الحرية

    قد يبدو العمل الحرّ كابوساً الآن بعد هذا العرض المخيف لكن كما ذكرنا في البداية نعيد لنقول إن التجربة ترتبط بشخصيتك وظروف حياتك. العمل الحرّ قد يكون كابوساً وقد يكون أفضل إطار لتحقيق إمكانياتك المهنية في الحياة.

    في معظم الأحيان يرتبط الأمر بإيجاد الإجابة الصعبة لمعضلة الاختيار بين الأمان والحرية.

    طبعاً يمكن لكلّا من العمل الحرّ والوظيفة الثابتة أن يقدموا هذين الأمرين، لكن هنالك قدر أكبر من الأمان في الوظيفة وقدر أكبر من الحرية في العمل الحرّ، أما إيجاد الخيار المناسب بينهما، فهو أمر يعود أولاً وآخراً لك وحدك.

    طوني صغبيني كاتب

    مجرّد مدوّن أعيش الحياة بكل ما فيها من مغامرات شيّقة، وما اكتبه هو ببساطة الأفكار والأشياء التي اكتشفها على الطريق وأشعر أنها تستحق المشاركة. أركّز على مواضيع التنمية الذاتية، البساطة في الحياة، والتواصل مع البرية لأنها من المجالات الرئيسية لإكمال عملية نموّنا لكامل إمكانياتنا.