فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

هل سيكون البيتكوين الملاذ الرقمي الآمن؟

  • 0
  • 360
  • مع بدء الحكومات بطباعة العملات الورقية بكثافة للتغطية على آثار كورونا، وأهمّها حزمات التيسيير الكمي التي أطلقتها الحكومة الأمريكية، عاد السؤال بقوة إلى أهمية وجود ملاذ لا يمكن الطباعة منه بدون حدود، وبينما يتفق الجميع على الذهب والفضة كمثل ذلك الملاذ، يجادل جيل الألفية بأنّه قد يكون البيتكوين الملاذ الرقمي الآمن القادم.

    قبل أن نعرّف البيتكوين، ما هو المال أصلاً؟

    إنّ المال من حيث المبدأ هو عبارة عن اتفاق اجتماعي، يتفق به الناس أنّ ما بيدهم من أوراق نقدية لها قيمة بيحيث يمكن استبدالها بمنتجات أخرى، ويتفق المشتري والبائع على أنّ تلك الأوراق لها قيمة مادية، وهي التي تسمى النقود أو الأوراق النقدية.

    وفق ذلك التعريف ظهرت العملات الورقية سواء العالمية أو المحلية التي تصكها كل حكومة ونالت قيمتها المادية من الجهة المركزية التي تصكها وتعترف بها وتحدد قيمتها.

    ولكن ما هي مشكلة العملات الورقية الرئيسية؟

    نظراً لقدرة الحكومات على إصدار المزيد من النقد الورقي بتكلفة منخفضة، من الممكن طباعة المزيد من وحدات العملة بشكل لا نهائي وفي أي وقت يختارونه. بعبارة أخرى إنّ وجود جهة مركزية مثل البنوك المركزية يجعل مدّخرات الناس عرضة للتضخم فجأة دون سابق إنذار، كما حدث في دول عدّة.

    إنّ إحدى السّماتِ التي لا مفر منها للنقد المركزي أنّ من يُصدِر العملة يمكنه أن يُضخّم النقد المُتداول بشكلٍ تعسفي وأن يطبع المزيد منه على هواه. لا داعي لذكر أمثلة فمعظمنا عايش ويعايش تلك الأمثلة، وبينما تتمُ هذه العملية في كثيرٍ من الأحيان بوتيرةٍ أكبر وبقدرٍ أكبرَ بكثيرٍ من قِبلِ الحكومات المتخلفة، فإنه أمرٌ يحدث في جميع المجتمعات على حد سواء، يمكنك مقارنة القوة الشرائية للدولار أو اليورو من 20 سنة حتى الآن مثلاً.

    تواجهُ كل عملة مركزيةٍ نفس الإشكالية، يمكن للسلطة المركزية أن تَخلقَ المزيد من هذه العملات فجأة مُخففة القيمة لجميع أصحابها الآخرين، وطبعاً يمكن أن يكون السبب رومانسياً وجذاباً، حيث تخبرنا البنوك المركزية التي تطبعُ المزيد من الأموال أنّ السبب هو تحقيق أهدافٍ إيجابيةٍ مثل بناء البنية التحتية أو دعم برامج الرعاية الاجتماعية أو لتحقيق الاستقرار في الأزمة الاقتصادية، ولكن النتيجة النهائية هي فقدان قيمة ما لدينا من مدخرات.

    طبعاً، الذهب هو أحد الاستثناءات القليلة الذي لا يزال يحتفظ بقيمته بشكلٍ جيد حتى بعد آلاف السنين من التنقيب. ورغم أن الذهب له بعض الاستخدامات الصناعية والزخرفية، إلا أن صعوبة استخراجه عبر التاريخ كانت تعني أموالاً جيدةً نسبياً جعلتها قوتها الشرائية المستقرة مَخزناً جيداً للقيمة، وحتى اليوم، يتم استخدام المجوهرات الذهبية في بعض البلدان كوسيلة للتحوُّط من الأزماتِ الاقتصادية.

    ولكن مشكلة الذهب أنّه فيزيائي، هل يمكنك السفر وقت الحروب حاملاً كيلوغرام من الذهب دون أن يتم سرقته؟ أو هل يمكنك تركه بمكان محفوظ؟

    ماذا لو كان هناك طريقة لامركزية تحاكي الذهب وبشكل برمجي ، ماذا لو أنّ هناك شيئاً يشبه الذهب لكنه برمجي قابل للبرمجة، يمكن الاحتفاظ به للأبد غير خاضع للحدود ويمكنك نقله ولو بدماغك دون اي حاجة لشيء فييزيائي ويحفظ حقك؟

    هنا يجادل أنصار بيتكوين بأنّه يمكن مقاربة البيتكوين حين اختراعه كذهب رقمي برمجي له نفس الميزات من الندرة و صعوبة الاستخراج وقلة العرض عبر الوقت.

    كيف ظهر البيتكوين

    في 31 تشرين الأول 2008، وبعد بضعة أسابيع من تصريح الحكومة الأمريكية بضخ مبلغ 700 مليار دولار لإنقاذ البنوك، قام شخصٌ أو مجموعةٌ غير معروفة من الأشخاص المجهولين باسم ساتوشي ناكاموتو بإصدارٍ ورقة بيضاء بحثية تقنية بهدف التعريف بنظام العملة المشفرة الجديد والذي يُدعى بيتكوين.

    قدم ساتوشي الورقة البحثية والتي تسمى عرفاً الورقة البيضاء من خلال قائمة بريدية عبر الإنترنت والتي تضمُّ مجموعةً من الباحثين في مجال التشفير وتُدعى سيفربنكس وهي مجموعة من الناشطين في مجال الخُصوصية حيث يصنعون مجموعةً من الأدوات التي تتحدى السيطرة وإساءة الاستخدام من الحكومات.

    كان في الورقة البحثية نُقطتي خداع مُهمتين:

    أولاً: استخدم المؤلف اسماً مُستعاراً، حيث تبقى هوية ساتوشي لُغزاً يَحظى باهتمامٍ شعبي حتى يومنا هذا.
    ثانياً: قدَّمت الورقة شيئاً لم يكُن موجوداً من قبل وهو: فكرة النقود الرقمية التي لا تعتمد على سُلطة مركزية.

    قليلون هم من آمنوا بأن حدوثِ طفرةٍ من هذا النوع كان أمراً مُمكناً.

    بعد بضعةِ أشهرٍ، أطلقَ ساتوشي شبكة البيتكوين وشرح السبب من خلال نصٍ بسطرٍ واحدٍ، تم تضمينه في أولِ عملية في سجل بيتكوين:

    التايمز 03/كانون الأول/2009 الرئيس على وشك إنقاذ البنوك من مأزق مالي للمرة الثانية

    وتشيرُ هذه العبارة إلى العُنوان الرئيسي الذي ظهر في 3 كانون الأول 2009 في صحيفة التايمز، وهي صحيفة بارزة.

    كانت رسالة ساتوشي (أو الفريق وراء ساتوتشي) واضحة للعالم وهي أنّ النظام الحالي الذي يتمُ فيه إنقاذ البُنوك على حسابِ الناس، قد انهار، وقد تم تصميم تقنية البيتكوين المالية واللامركزية الجديدة لتكون مَخرجاً لهذا المأزق.

    اللامركزية: تعني أنّه لا يوجد جهة مركزية تحتكر إصدار وصك الكميات من العملات كما يحدث حالياً مما يؤدي للتضخم وخسارة الناس لمدخراتهم التي تعبوا عشرات السنين في ادخارها.

    البرمجة: تعني أنّ هناك كود برمجي يتحكم بالإصدار وكم النقود المتاح عبر الزمان وبالتالي لا يمكن لاي جهة بالعالم تغيير ذلك الكود وتغيير ميزاته، إذا كان الكود برمجي واضحاً في عدد النقود المصكوكة فهذا العدد سيبقى نفسه دوماً دون تلاعب، وبشكل عام إن حدث تلاعب يمكن كشفه بالكود المتاح للجميع.

    بالعودة للسؤال السابق هل سيكون البيتكوين ملاذاً رقمياً آمناً، لا أحد يدري، إنّ الزمن مبكر جداً للجزم بعد فقط 12 سنة من اختراع البيتكوين، ومن المهم معرفة أنّ هناك مخاطر أيضاً تحيط بذلك لم يتم التطرق لها في هذه التدوينة.

    تم الاستعانة بكتاب The Little Bitcoin Book وترجمة مجموعة من الأصدقاء تطوعياً له.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.