فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

المقتنيات المبنية على الرموز غير القابلة للاستبدال NFT

  • 0
  • 7٬000
  • لا يمكن الحديث عن التقنية دون العودة للماضي لفهم كيف تطورت الأمور من الماضي إلى الحاضر. هل تذكرون بداية هواية جمع الطوابع والعملات الورقية، وكيف كان هناك مهووسون بها ويدفعون من مدخراتهم لشراء طابع نادر، ومبادلته بآخر لجمع تشكيلتهم المفضلة. يمكن أن يصل سعر الطابع إلى مبالغ خيالية حسب ندرته حيث كانت الطوابع والعملات الورقية تتميز بأمر يثير الهوس حولها وهي الندرة، إذ لا يوجد سوى نسخ قليلة من طابع ما بسبب إصداره المحدود مما يعطيه قيمة تتزايد عبر الزمن.

    تطور الأمر عبر الزمن وبدأ عصر الألعاب الإلكترونية وتجميع الجوائز أو المقتنيات ضمن تلك الألعاب لا وبل بيعها بمبالغ خيالية بين روّاد اللعبة المتابعين لها.

    إنّ ظهور الرموز غير القابلة للاستبدال هو امتداد شرعي للتاريخ السابق ويزداد الأهمية بها الآن مع وصول التقنية لنقطة مهمة وحاسمة وهي ضبط عملية الندرة بشكل برمجي وواضح ومنع النسخ والتزوير. اذا كان الطابع يكتسب قيمته من الندرة و ضبط عدم اصدار نسخة أخرى له، فالأصول الرقمية المبنية على الرموز غير القابلة للاستبدال هي تتويج تقني رائع لبرمجة ذلك بحيث يصبح الأصل مسجلاً على شبكة بلوكشتين وبشكل يضبط الندرة فعلاً، ويوثق المالك على الشبكة بطريقة غير قابلة للتزوير.

    فما هي الرموز غير القابلة للاستبدال NFT التي بدأ الناس بالحديث عنها هذه الأيام؟

    الرموز غير القابلة للاستبدال  (NFT)؟

    تأتي فكرة سلسة الكتل (البلوكتشين) الثورية  في إعطاء المستخدمين القدرة على تخزين المعلومات عليها بشكل لامركزي موثّق وغير قابل للتغيير، فلا يملك أحد سلطة تعديلها أو تغييرها أو نسبها لغير صاحبها لأن كل التفاصيل ظاهرة على الشبكة أمام الجميع وواضحة.

     تمنحنا تقنية سلسة الكتل القدرة على توليد الرموز القابلة للاستبدال التي تمثّل مقتنيات في العالم الحقيقي بحيث توثق ذلك المقتنى وتوثق ندرته إن وجدت، وتوثق مالكه. ما يميزها هي الفرادة، فيمكن الجزم بأنّ لا نسخة أخرى منها مع ثقة الشاري أنها أصيلة لا يوجد ما يماثلها ولا يمكن استبدالها بما يشبهها لاستحالة تزويرها واستحالة خلق تحفة رقمية مشابهة أخرى وادعاء أصالتها، لأن لغة الأرقام في البلوكتشين هي الحكم، والأرقام لا تخطئ البتة بالإضافة لتوثيق المالك على الشبكة إذا احب التباهي أمام العامة.

    يدفع الناس الأموال مقابل الفرادة لعدة أسباب مختلفة، يدفع البعض دعماً لأمر معين، كأن يشتري أحدهم قميصاً مميزاً دعماً لمشروع معين وليس تبعاً لقيمة القميص، أو للمباهاة به وإخبار المجتمع أنه يملك قطعة نادرة مثل شراء لوحة سيارات فردية بأرقام مميزة، أو بغية التجارة بها وبيعها لاحقاً لراغب آخر، كما يحصل مع اللوحات الفنية التي تباع مرّة أخرى بسعر أعلى.

    جميع الأمثلة السابقة موجودة حالياً، لكن تواجه مشكلة عدم إمكانية التأكد حقاً أنها منتجات فريدة فهي قابلة للنسخ والتزوير كما لا يمكن توثيق المالك بشكل واضح إذا أراد إثبات ذلك، تخيّل إذا تم حل تلك المشكلة برمجياً وتم إيجاد طريقة تقنية تضبط الندرة فعلاً، وتوثق المالك .. هذا هو سحر الرموز غير القابلة للإستبدال.

    من أين تستمد الأصول غير القابلة للاستبدال قيمتها؟

    من الندرة ببساطة!

    قد يتبادر لذهن القارئ عدم جدوى الأمر برمته، فليس هناك فكرة من شراء قطة رقمية لا تختلف عن أي قطة رقمية أخرى سوى أنها فريدة ولا يوجد مثيل بشيفرتها، لكن لو قلت لك هل تفضل شراء لوحة مقلدة عن الموناليزا من أحد الأسواق الشعبية الفرنسية أم شراء الموناليزا الأصلية من اللوفر لما كان هناك مجال للمقارنة واخترت الأخيرة دون مواربة.

    تعظّم الندرة من قيمة الأشياء حتى لو لم تستحق ذلك، الأمر أشبه بجمع الطوابع كما تحدثنا بدايةً، وكيف يرتفع سعر طابع ما لمبالغ خيالية كلما زادت ندرته وقل في السوق، امتلاكك لشيء يحوزه عدد قليل من الناس أو لا يحوزه أحد غيرك يغري الآخرين للدفع أضعاف أضعاف قيمة تكلفته فقط بغية امتلاك شيء نادر.

    قد يتجاوز الأمر نطاق الهواية أو الهوس إلى نطاق حفظ القيمة أو حتى الاستثمار لو شئت أيضاً، انظر للوحات الفن التشكيلي التي لا تفهم شيئاً منها والتي في بعضها غباء يستفز العقول، هذه اللوحات حقيقةً هي وسيلة لحفظ القيمة ونقلها  دون دفع ضرائب أو رسوم أو الخوف من سرقتها فحتى لو سرقت لا يستطيع أحد غيرك نسبها إليه مالم تصرح أنت في ذلك، بل قد تتحول اللوحة من مركز قيمة إلى استثمار حقيقي يضاعف ثروتك مع تقادم الزمن وزيادة ندرتها وتوافد الحديث عن أصلك لو كان مشهوراً.

    إنّ فكرة  تحويل أموالك لأصول قابلة للنقل غير قابلة للاستبدال والأهم من ذلك غير قابل للتزوير والسرقة أيضاً هي فكرة ثورية عظيمة، وهنا تأتي أهمية سلسلة الكتل في ضمان عدم تزوير هذه الأصول من جهة وعدم سرقتها ونسبها لطرف آخر من جهة أخرى، فليس هناك حاجة لإثبات فرادته لأن كل شيء واضح في الشبكة، كما يمكن إثبات ملكيتك لهذا الرمز أو الأصل وبيعه أو أخذ قرض عليه او التباهي به، ونسب نفسك للطبقة المخملية أو أياً يكن هدفك من الثراء، وبما أن الأمر ثوري ستتالى الأخبار عنك أو عن أصلك فيما لو لم توضح اسمك وتتنافس الناس لشراءه منك، هذه الأصول كانت رقمية كلوحات أو ألعاب أو كائنات وهمية كالقطط أو حقيقية كساعة فريدة منتجة خصيصاً أو حتى جراب أو أي أمر آخر تتحول من لا شيء إلى مركز قيمة يباع ويشترى، والفكرة ليست في امتلاكه والتفاخر به فقط بل في قبول الناس لتداول هذه الأصول وإمكانية بيعها بالمستقبل بنفس السعر أو بربح مضاعف كما سنرى.

    ما الضامن لبيعه بنفس سعره مستقبلاً؟

    ببساطة ودون تجميل .. لا يوجد ضامن! هذا سوق عرض وطلب ويعتمد على الراغبين بذلك المقتنى، يشبه الأمر أن يقوم رسام برسم لوحة فنية ومن ثم بيعها، ولكن لا تصبح ثمينة إلا اذا صار الرسام مشهوراً حقاً وإلا فلن تباع مرة أخرى.

    إذاً هي ليست طريقة للربح أبداً وشراء ما لا تفهم كل تفاصيله قد يثقب جيبك ويسرق نقودك، بل قد يكون الأمر مجرد فقاعة وتنفجر قبل انتهاءك من قراءتك المقال فتضيع أمولك هباءً، أي ليس هناك ضامن حقيقي لشراء هذه الرموز وخاصة مع الهوس الذي بدأ بها. حالياً تشكل الرموز غير القابلة للاستبدال استثماراً أكثر من كونها مركز قيمة، فالمتهافتون حالياً على شراءها ينوون بيعها بمبلغ أكبر مستقبلاً، بل قد يتضاعف قيمتها لمئة ضعف كما في العمل الفني الذي باعه بيييل لقاء 66 ألف دولار ثم بيع مرة أخرى لقاء 6.6 مليون دولار بحسب نيفتي جيتواي.

    ربما إيجاد صيغة استثمار مختلفة تنظم الأصول الرقمية غير القابلة للاستبدال أهم ما يلزم هذا السوق لينهض، ويختصر  بنيامين مينكو الرئيس التنفيذي لشركة أرلوند في حديثة لمجلة فوربس الخطر الأكبر على صناعة الفن الجديد، وهو حاجته للتقدير والفهم حين قال

    “بمجرد أن يتمكن جامعو التحف والمتواجدين في العالم الافتراضي من التواصل بشكل هادف مع الفن أو الأفلام أو ألعاب الفيديو أو غير ذلك من الأصول غير القابلة للاستبدال، سيتم إطلاق العنان لصناعة تقدر بمليارات الدولارات”

    توثيق تغريدات تويتر كرموز غير قابلة للاستبدال

    لا يوجد حدود حالياً ولا مستقبلاً لما يمكن توثيقه كرمز غير قابل للاستبدال، مثلاً يمكن حالياً توثيق التغريدات وفتح مزاد عليها لبيع وشراء تمثيل لها بواسطة شبكة الإيثريوم، وبعض التغريدات النادرة مثل تغريدة الرئيس التنفيذي لتويتر جاك دورسي وصل سعرها حتى وقت كتابة هذا المقال إلى 2.5 مليون دولار، والدافع في ذلك هو الفرادة فهي أول تغريدة على تويتر. يظن البعض أنّ الأمر يتعلق ببيع جملة ما أو حكمة ما، ولا يتفهمون كثيراً سبب دفع الناس لشراء رمز لتغريدة ما، فهم لا يحصلون على حقوقها أصلاً. لتبسيط الأمر سأطرح مثالاً مختلفاً وهو الحصول على توقيع كاتبك المفضل على كتابه الجديد، حين تحصل على نسخة موقعة فهذا لا يعني أنك حصلت على حقوق الكتاب وإنما حصلت على تمثيل للكاتب على هذا الكتاب والذي يمكنك جمعه مع مقتنياتك الشخصية، أنت تدفع لدعم الكاتب أو لأنك من معجبيه أو طمعاً ببيع ذلك التذكار مستقبلاً إذا أصبح الكاتب ذو شأن.

    يمكن أن تفتح تلك الرموز أبواب تمويل واسعة لدعم صناع المحتوى والفنانين والأندية الرياضية من خلال إصدارها لتذكارات رقمية فريدة وبيعها لجمهورهم، جمهورهم سيدفع وليس الجميع وهذه نقطة مهمة. على سبيل المثال طرحت أول تغريدة عربية للمزاد و هي تغريدة لي وحصلت على عروض من المتابعين لي الراغبين باقتنائها كتذكار لهم وكعربون شكر لي و لربما للتجارة لاحقاً بها إذا أصبحت التغريدة مشهورة كأول تغريدة عربية تم بيعها، لا يهمنا دافع كل شخص ولكن يهمنا معرفة أنّ الأمر لا يتعلق بهوس تافه.

    May be a Twitter screenshot of ‎1 person and ‎text that says "‎Fadi Amroush @fadyamroush بالفرص مفرّطآ للأبد خائفاً يبقى ّØ«Ù ومن بالصدفة مرّة الشخص يخسر القادمة 6:56 PM Mar 2021 6 Share this Tweet Want to sell your tweet? The highest offer is $50 by @alsayadii OFFER HISTORY @alsayadii offered $50.00 15h ago ACCEPT 0.03261165) @bilalood offered $10.00 16h ago 0.00652233) Created by @fadyamroush‎"‎‎

    ربما يشبه الأمر كرة البيسبول التي تقع على الجمهور ويوقعها اللاعب ثم تباع بمئات آلاف الدولارات للمولعين بهذه اللعبة وهذا اللاعب بالذات، لتتحول إلى استثمار حقيقي يباع ويشترى، ويراهن الملياردير مارك كوبان لصحيفة CNBC أن الأصول الرقمية غير القابلة للاستبدال ستغير الكثير مما نعرفه الآن من فنون مختلفة ويقول في ذلك:

      “أعتقد أن صناعة الأصول غير القابلة للاستبدال ومقتنيها سيقلبون عالم الموسيقى وصناعة الأفلام رأساً على عقب”، أي أن الأمر يتجاوز حدود الهوس أو المزاح ويدخل نطاق ثورة فنية أو ثورة ملكية أو سمها ما شئت، تشبه ثورة العملات الرقمية التي بدأت منذ عقد مضى.

    فقاعة أم ثورة تقنية؟

    هل ستكون الرموز غير القابلة للاستبدال ثورة أم فقاعة؟ ليس هناك إجابة واضحة، من الواضح الآن أنها هوس جماعي والموجة تكبُر وكل شيء وارد، شخصياً أرى دون شك أنّها إنجاز برمجي هائل إذ أن توثيق الفرادة وصاحب المقتنى الرقمي أمرهائل، ولكن كالعادة يمكن أن تتحول لفقاعة من خلال بيع مقتنيات لا هدف منها سوى المضاربة، يشبه الأمر دفاتر الجمعيات السكنية، لا يمكن القول إن الجمعيات السكنية هي مشاريع احتيالية فهناك جمعيات سكنية تبني أفضل الوحدات السكنية، ولا يمكن أيضاً التعميم أن كل الجمعيات السكنية هي مشاريع رائدة حيث هناك مشاريع احتيالية يتم المضاربة بسعر دفتر الجمعية بهدف بيعه دون نية شراء البيت أصلاً.

    تواجه الرموز غير القابلة للاستبدال موجة عدم قبول من صغار الكسبة الرقميين واستهزاء من جيل وحماساً مفرطاً من جيل آخر، وعلينا الاعتراف أنها مازالت في مرحلة طفولتها وتحتاج الكثير من الدعم لرأب فجوات النقص فيها، وحتى ذلك الوقت قد نشهد ركوداً وازدهاراً وخليطاً بينهما في موجة اضطرابات تشبه موجات تذبذب البيتكوين قبل أن يكتسب ثقة المستثمرين والمؤسسات في وقتنا الحاضر.

    مازال الوقت مبكراً لكي نحكم ولكن الأهم أن نفهم ماذا يجري بموضوعية بعيداً عن أي ازدراء أو تحمّس مفرط.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.