فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

حَذارِ من تحوّل الرفاهيات إلى أساسيات

  • 1
  • 2٬208
  • من الأمور التي نستخف بها ونتجاهلها بشكل متعمد حتى تحصل تحوّل الرفاهيات إلى أساسيات في حياتنا. إنّ السعي لحياة أفضل يٌرتّب معاناة أكبر،لأنّه مع الوقت يرتّب التزامات أكبر، وتتحوّل الرفاهيات إلى ضروياتٍ عبر الوقت لأنّ الناس يعتبرونها أمراً بديهياً ومضموناً، لا بل شكلاً من أساسيات الحياة.

    خذ مثالاً بسيطاً حياتك قبل امتلاك سيارة وبعد امتلاك سيّارة مثلاً. قبل امتلاك سيارة لم يكن هناك أي إشكاليةٍ لديك أو لدى زوجتك في توصيل الأولاد للمدرسة مشيًاً على الأقدام تحت المطر، أو في ظل عاصفة ثلجية لأنّ المدرسة قريبة ولا تحتاج لأكثر من 10 دقائق مشياً على الأقدام، ولم تكن لديك مشكلة في توصيلهم للنادي والنشاطات المختلفة عبر ركوب المواصلات العامة.

    صحيح لقد راودتك أحلام كثيرة أنّ امتلاك سيارة سجعل الحياة أسهل وأجمل وبسعادة أكبر – ولا أختلف معك هنا- ولكن ماذا حدث بعد امتلاكك السيارة وتحقيق تلك الرفاهية؟ لقد أصبحت السيارة التزاماً عليك، يتطلب منك صيانتها أولاً بأول، مصروفاً إضافياً للوقود، التأمين ضد الحوادث، والأنكى من ذلك أنّها أصبحت بالنسبة لك ضرورة من ضرورات الحياة ومستلزماً لا يمكنك التخلي عنه. تخيّل سخطك وغضبك حيت تنزل صباحاً وتجد الصقيع على السيارة، وتنسى انّك لعشرات المرّات كنت تذهب بالمواصلات العامة دون مشكلة، تثور غضباً لتوصيل الأولاد للمدارس بالسيارة إذا كان الجو مثلجاً بسبب صعوبة إذابة الجليد، وتنسى أنّك كنت تقوم بتوصيلهم مشياً على الأقدام دون أي مشكلة لنفس المشوار السابق، ولكنك الآن لا تستطيع نفسياً.

    لا يعني ذلك أن السيارة قد سبّبت التعاسة طبعاً، وإنما قد غيّرت عقليتك بشكل أو بآخر.

    بعبارة أخرى يؤدي سعيك إلى الرفاهية وتغيير حياتك إلى مزيد من الأمور المضمونة التي تعتقد أنّك لا تستطيع الحياة بدونها و بذلك تتعقد حياتك أكثر مع الوقت للمحافظة على تلك الأساسيات الجديدة. وهنا يحضرني اقتباس للكاتب الشهير يوفال نوح هراري، العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري:

    إنّ أحد القوانين الصارمة القليلة في التاريخ، هو أنّ الكماليات تميل إلى أن تصبح من الضروريات، ومن ثم تولّد التزامات جديدة. ما إن يعتاد الناس على رفاهية معينة، فإنهم يأخذونها كأمرٍ مسلّمٍ به، ومن ثمّ يبدأون بالاعتماد عليها دوماً، إلى أن يصلوا إلى نقطة لا يمكنهم العيش بدونها.

    على مدى العقود القليلة الماضية، اخترعت البشرية عددًا لا يحصى من آلات توفير الوقت التي من المفترض أن تجعلنا أكثر راحة مثل الغسالات والمكانس الكهربائية وغسالات الصحون والهواتف والهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والبريد الإلكتروني. لقد وقعنا في الفخ أننا بذلك نوفر الوقت، ونكسب وقتاً أكثر للاستمتاع بالحياة، وعوضاً عن ذلك، أدّى ذلك إلى تسريع عجلة الحياة إلى عشرة أضعاف سرعتها السابقة، وأضحت أيامنا أكثر قلقًا واضطرابًا.

    تصل سن الخامسة والخمسين وأنت تحلم بقضاء وقت هادئ لتكتشف أنّ لديك قروض عقارية، ولديك سيارتين للعائلة فسيارة واحدة لم تعد تكفي، وأصبحت سعادتك مرتبطة بالإجازات المكلفة خارج البلاد، ولا تستطيع تخيّل حياتك بدون تلك الرفاهيات التي تحوّلت إلى أساسيات لا يمكن التخلّي عنها.

    والنتيجة انّك ستضطر الى مضاعفة جهودك أكثر والكدح بمشقة أكبر للحفاظ على نمط حياة جلبته لنفسك.

    إنّه مستنقع لن تكتشف أنّك وقعت فيه إلّا بعد فوات الأوان للأسف، وسيجادل الكثيرون أنّ ذلك خطأ حتى يقعوا فيه، لا يمكن إلا لحكيم أن يعرف أثر المستنقع أمّا العامة فسيظنون أنّهم يستطيعون الخوض به والعودة بأمان.

    إذاًَ ما هو الحل؟

    درّب نفسك على عدم الركون لأي شيء أن يٌُصبح بديهياً وأساسياً في حياتك، اخرج من دائرة الراحة قدر الإمكان ولا تعتبر أنّ أيّ مكسب هو أمر بديهي دوماً ومضمون مستقبلاً. جرّب دوماً من الحين للآخر حياتك بدون الكماليات الجديدة واختبر فكرة أن تعود للصفر فجأة لا سمح الله، وما يترتب عليك من التزامات وفق ذلك.

    من أبسط الأمثلة المزعجة حين أذكرها للآخرين أنني أحجز كثيراً الاقامة لي حين السفر في نُزل مشتركة، وأشارك غرفة تعيسة غالباً مع آخرين قادماً من رحلة فاخرة على سبيل المثال من فندق 5 نجوم من مؤتمر ما، ولا أقوم بذلك توفيراً للنقود أبداً، وإنّما لتذكير نفسي أنّ الفندق ذو النجوم الخمسة ليس الحالة البديهية التي يجب أن أعتاد عليها.

    اذا كان لديك سيارة، جرّب بين الحين والآخرالسفر بدون سيارة مثلاً، او استمر بركوب المواصلات العامة قدر الامكان كي لا تصبح أمراً غريباً، لا تركن دوماً إلى أيّ خيار مضمون أنّه الخيار البديهي الوحيد الذي لا غنىّ عنه والمضمون مستقبلاً.

    حين يزيد دخلك لا تتسرع بمزيد من الكماليات وانما اضبط نفسك في اختبار مهم وهو أن تفصل تماماً بين الشراء وبين الدخل، يتعلق الشراء بما تحتاج له، ولا علاقة له أن يزيد إذا زاد دخلك لسبب أو لآخر، المال هو مال ولا فرق بين 100 دولار قد حصلت عليه بعملك وبين 100 دولار حصلت عليها بعلاوة مثلاً.

    ليس الأمر سهلاً، ولكنه صعب ربّما، ولا يقتنع به الكثيرون لأنّهم يفضلون الأرباح الآنية والألم مستقبلاً، كما يحتاج تمارين كثيرة، ووعياً هائلاً قبل فوات الأوان، لأنه وللأسف لا يوجد تراجع بعد فوات الأوان.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.