لماذا نفشل -نحن الأذكياء- في الوصول إلى السعادة؟

  • 1
  • 272
  • “إذا كنت ذكيًا للغاية، فكيف يتفق ألا تكون سعيدًا؟”


    هذا هو التحدي الذي رائد الأعمال والرئيس التنفيذي السابق لشركة AngelList، نافال رافيكنت، لكل شخص يغرق في بؤس ذكائه. حيث يقول: “السعادة اختيار، هي شيء يمكنك العمل عليه وتطويره، مثل لياقتك أو نظامك الغذائي أو مهنتك”.
    يعرف نافال أنه (اختيار) لأنه أول من اُضطر لاختبار نظريته بنفسه: “لقد ولدت فقيرًا وبائسًا، وأنا الآن ميسور الحال وسعيدٌ جدًا، وعملت بجدّ لاستحق ذلك”.


    يُدرك نافال أيضًا أن رأيه لا يحظى بشعبية لسببين:

    • يعاني بعض الأشخاص من الاكتئاب على كيمياء الدماغ وبالتالي لديهم عيب بيولوجي حقيقي.
    • إيمان البعض باستحالة تعلم كيف تكون سعيدًا، ولا يحبون أن يكونوا في موضوع مسؤولية حيال إسعاد أنفسهم.

    يعاني حوالي 10% من سكان العالم من اضطراب في الصحة العقلية من نوعٍ ما، وهذا يعني أنه مقابل كل شخص تعيس بسبب خلل توازن في كيمياء الدماغ، هناك 9 أشخاص يرفضون قبول ما أثبته العلم مرات عديدة: يمكنك أن تتعلم كيف تكون سعيدًا.. خاصة إذا كنت ذكيًا!

    لحسن الحظ، أجرى العديد من هؤلاء الأشخاص الأذكياء -والسعداء- أبحاثهم وجمعوا أكثر العقبات شيوعًا التي تحول دون شعورنا الرضا على مر السنين. ورغم وجود العديد من الأسباب الشخصية، لكن يمكن تلخيص معظمها في بعض القوالب المتكررة.

    فيما يلي قائمة كاملة إلى حد ما -إن لم نقل مثالية- لتلك القوالب. لكن أرجوك! لا تستخدمها كمجموعة من الأعذار المثبطة، وإنما كأداة للتحليل الذاتي وتطوير شخصيتك.
    فيما يلي الأسباب الخمسة الشائعة بكثرة لفشل الأشخاص الأذكياء في الوصول إلى السعادة، وما الذي يمكنهم فعله حيال ذلك.

    التفكير المُفرط

    يأتي الإفراط في التفكير بهيئات لا حصر لها، ولكن أكثرها شيوعًا ثلاث:

    • اجترار الماضي وأخطائه.
    • التوجس من المستقبل.
    • البحث عن حلول للمشاكل اليومية.

    نعتمد الانغماس في الندم أسلوبًا لتخفيف خوفنا من المزيد من الندم، والذي -بلا شك- لا ينجح أبدًا!

    عندما نتوجس من المستقبل، فذلك لرغبتنا في الحدّ من عدم اليقين، وهذا مستحيل! وعندما نسرح في بحر الأفكار اللانهائية حول كيفية التقدم في حياتنا المهنية أو الظهور بشكل أفضل أمام الآخرين، فإننا نرفض الاعتراف بأن الأسئلة الكبيرة التي نهتم بها الآن، على غرار: كيف أجد معنى لحياتي؟ ما يجعلني سعيدً؟يستحيل الإجابة عليها في يوم واحد (وإنما عبر خطوات يومية متمهلة ومتسقة).

    يُفرِط حوالي 50% -75% من الأشخاص البالغين في التفكير بشكل شبه يومي، ويؤثر ذلك على إنتاجيتهم وطاقاتهم الإبداعية وقدرتهم على النوم وحتى عاداتهم الغذائية. كما أنه يعيق عملية التعلم ويجعلنا نتقدم في العمر سريعًا. ربما نعتقد أننا نقدم لأنفسنا معروفًا حين نُفرط في التفكير، وأن ذلك أمر ذكي، لكنه -في الواقع- أمرٌ خطير.
    الحل الأول للإفراط في التفكير هو الوعي التام. أظهرت العديد من الدراسات انخفاض الرغبة في اجترار الأخطاء ومشاعر القلق لدى الأشخاص الذين مارسوا التأمل بانتظام على مدار عدة أسابيع. وتشمل الحلول الأخرى: اليوجا وكتابة اليوميات وأنشطة التأمل الذاتي الأخرى (بل وحتى تحديد وقت للقلق!).

    في معظم الأوقات، نحتاج إلى أسلوب إنجاز الأمر أو تجاهله. التفكير مهم في منعطفات الحياة الحادة، ولكن من حينٍ لآخر، لا يقدّم الإمعان فيه عونًا كبيرًا.

    كشخص ذكي، ربما تحب التفكير لأنك تُجيده. لسوء الحظ، ليست هناك حاجة إليه بالقدر ما تتخيله. قد يصعب عليك قبول هذا، ولكن بمجرد تقبّلك للأمر، ستتمكن من التركيز على القيام بأمور تزيد من سعادتك كنتيجة حتمية.

    رفع سقف التوقعات

    يستطيع الأشخاص الأذكياء أداء مهام مختلفة وبمستوى ثابت من الإتقان إلى حد ما. ليعتادوا ذلك في نهاية المطاف، وبالتالي يرفعوا سقف التوقعات من أنفسهم والآخرين والحياة. المشكلة أن لا شيء منها مضمون الأمر الذي يؤدي حتماً إلى خيبة أملٍ كبيرة.
    تعتمد معادلة السعادة البسيطة -مدعومةً بالأبحاث والدراسات- على تقسيم واقعك على توقعاتك، فإن كانت توقعاتك قد تجاوزت الحد لأي سبب من الأسباب، فلن تتقدم أبدًا.

    عندما تتوقع الكثير من نفسك، تصبح شديد التركيز على النتائج.

    إذا لم تكن تقبل بأقل من الأفضل، فستجد صعوبة في تقدير أي شيء في حياتك: بدءًا من إنجازاتك في العمل مرورًا بعلاقاتك وليس انتهاءً بهواياتك.

    ستستمر في انتقاد نفسك بسبب أخطائك. يعرف الأشخاص الأذكياء مقدار جهلهم وهذا يزداد الأمر سوءًا كلما تعلّموا أكثر! وهو ما يُدعى تأثير دانينغ-كروجر / Dunning-Kruger effect، وهو توجه معرفي يبالغ فيه الأشخاص خطئاً بتقدير معرفته أو قدرته ضمن مجال محدد، ويحدث ذلك نتيجة قلة وعيه بذاته، مما يمنعه من تقييم مهارته بدقة. وتتمثل إحدى طرق تجاوزه في إلقاء نظرة على البدايات -من حين لآخر- وتذكير أنفسنا بالشوط الذي قطعناه موقنين أن لا بأس في عدم امتلاك جميع الإجابات.

    على الطرف الآخر، عندما تتوقع الكثير من الآخرين، ستشعر دائمًا أن الناس يخذلونك. إذا لم يكن كل ما يقومون به جيدًا بما يكفي، فستزداد الفجوة بينك وبينهم. لتجد نفسك -في النهاية- بالكاد تستمتع بصحبتهم!
    عوضًا عن ذلك، ابحث عن فضائل الأشخاص من حولك. ركز على سماتهم وسلوكياتهم الجيدة، وسيكون من الأسهل الاستمتاع بالوقت الذي تقضيه معهم.

    وعندما تتوقع الكثير من الحياة نفسها، ستصبح مهووسًا بالمستقبل، وهذا ما يقذف بنا نحو التفكير المفرط من جديد. غالبًا ما يكون الأشخاص الأذكياء مثاليين، وعندما تتعارض تلك المثالية مع واقعهم، تكون النتيجة خيبة أمل. من السهل أن تعيش في مستقبل مثالي متخيل. فالحق يُقال: إن إحراز تقدم في الواقع بكل مشاكله التافهة أصعب بكثير، ولكن في النهاية، (هذا التقدم) هو ما يجعلنا نشعر بأننا مفيدون، وبالتالي.. سعداء.

    أخيرًا، غالبًا ما يشعر الأشخاص الأذكياء أنهم مُلزمون بالتحكم في كل تفاصيل حياتهم، وذاك أسوأ أنواع التوقعات على الإطلاق!

    في النهاية، كلنا بشر غارقون في النقائص ومحدودو الموارد والقوى. لا أحد يستطيع تغيير العالم بمفرده -ناهيك عن فعلها في يوم واحد- لذلك تذكر دائمًا أن ما تسيطر عليه أقل بكثير مما يقع تحت سيطرتك، وهذا أمر طبيعي ومقبول.

    الاستمرار في إبعاد الناس

    ليست (الآمال العريضة) سوى أداة يستخدمها الأشخاص الأذكياء لعزل أنفسهم عن الآخرين، وهو قالب مشترك آخر للحرمان من السعادة.

    البشر كائنات اجتماعية. فلا أحد يريد البقاء بمفرده منذ الأزل وإلى الأبد، وبينما تُظهر الدراسات أن الأشخاص الأذكياء يميلون للاستمتاع بالتفاعل الاجتماعي أقل من الآخرين، فهذا لا يعني أنهم لا يحتاجون إلى التواصل مع البشر بالمطلق [أعلم أنك تهزّ رأسك الآن!].
    هناك طريقة أخرى يستبعد بها الأشخاص الأذكياء الآخرين وهي قلب (عدسة التوقع): فهم يعتقدون أن توقعات الناس منهم مرتفعة للغاية وبالتالي يشعرون بالغربة. في الواقع، معظم من حولك مشغولون جدًا بأنفسهم، وبالكاد يمتلكون الوقت للتفكير فيك. وهو ما يدعى تأثير بقعة الضوء / Spotlight Effect

    غالبًا ما يشعر الأشخاص الأذكياء أنه يساء فهمهم لأنهم يتوقون إلى علاقات أقل ولكن أعمق. فهم لا يهتمون بالمحادثات اليومية الصغيرة، لكن إن ذكر أحدهم كلمة (الفلسفة الوجودية) خلال دقيقتين من المحادثة، وجدتهم يتمنون لو تستمر الأخيرة للأبد!
    بالنسبة للعديد من الأشخاص، تكون الموضوعات الفكرية (صعبة) في معظم الأوقات، ولكن هذا لا يعني جهلهم شعور كونك غريب الأطوار.

    يختبر الجميع ذلك في مرحلة ما من حياتهم، لذلك في معظم الأوقات، يكون تمثّل الأشخاص الأذكياء لمتلازمة الذئب المستوحد / lone wolf syndrome مبالغًا فيه! فهم يجعلون أنفسهم غريبي الأطوار أكثر مما هم عليه في الواقع. توجد دومًا أرضية مشتركة، عليك فقط البحث عنها لإيجادها، وبالنسبة لك كشخص ذكي، فمن السهل جدًا فعل ذلك.
    تؤدي عقلية “العالم بأسره ضدّي” إلى سلوكيات أخرى أكثر تدميراً، مثل التنافس المستمر مع الناس ومقارنة أنفسنا بهم، والشك المفرط وعدم الثقة، ورفض الانفتاح بالكليّة. إذا لم تسمح لنفسك أبدًا بأن تكون مرهف المشاعر، فلن تختبر أبدًا مشاعر التعاطف والطمأنينة والتفهم التي تتوق إليها كثيرًا.

    يتخلى الأشخاص الأذكياء بسهولة، ليس عن الأشخاص كأفراد فحسب ولكن أيضًا عن مفهوم “الأشخاص” ككل. هذا أمر مأساوي ويتعارض تمامًا مع أهدافهم ليس فقط لأننا جميعًا بحاجة إلى الإحساس ببعض التواصل الاجتماعي على الأقل، ولكن أيضًا لأن الأشخاص الأذكياء يشعرون بالسعادة عندما يكونون مفيدين، وعندما تخدم تطلعاتهم الفكرية غرضًا أسمى، وأي الأهداف أسمى من رفاهية البشر الآخرين؟

    تقويض الذات

    عندما يتعلق الأمر بالاعتماد على ذكائهم، فإن الأذكياء معتادون -إلى حد ما- على الحصول على ما يريدون. لذلك، فإنهم يصعقون تمامًا عندما تفشل خططهم -خاصة بالنسبة لأحلامهم الكبيرة وأهدافهم العظيمة- في أن تؤتي ثمارها. لا يمكنهم التفكير في تفسير، لأنه لا يوجد أي تفسير سوى أنهم يدمرون أنفسهم. ربما يتخطى الأشخاص الأذكياء البديهيات وبالتالي يجرّهم غرورهم لارتكاب أخطاء طائشة.

    هم يلجأون للغطرسة لإخفاء شعورهم بعدم الأمان العميق. “ماذا لو حدث شيء لا أعرفه؟” إذا تخطيت الأساسيات، وإن كان لاشعوريًا، ستعرف سبب فشلك. لا تدع غرورك يجعلك متهورًا. إياك أن تتجاوز الأساسيات.

    تذكر: يحقق العمل بيدك والبناء من الألف إلى الياء رضى حقيقي.

    يسمح الأشخاص الأذكياء للملل بالتسلل إلى أنفسهم بسهولة بالغة. كل شيء جدير بالاهتمام يستغرق سنوات من التركيز المتفاني، ولكن حين تكون منشغلاً بمطاردة فكرة جديدة بعد فكرة لأنك، “تتقن كل شيء”، فلن تشعر بالرضا عن أي إنجاز تحققه طيلة مسيرتك.

    النوع الأخير والأسوأ من تقويض الذات هو محاولة مخالطة الآخرين بصعوبة، غالبًا ما يسمح الأذكياء للعالم بالتنمر عليهم لا لشيء سوى لذكائهم، مما يؤدي في النهاية إلى ضياعهم في بحر من المشاعر بينما لا يعيشون على أساس قيمهم الحقيقية. يعتبر معاداة العقلانية مشكلة حقيقية، ولكن يجب على الأشخاص الأذكياء أيضًا أن يكونوا أذكياء بما يكفي لعدم منح قيمة كبيرة لتلك الأصوات السلبية على مُثلهم ومبادئهم.

    عندما تشعر بالإحباط، وتشعر بالعجز أمام إيجاد تفسيرٍ جيد لعدم سير الأمور على ما يُرام، اسأل نفسك عما إذا كنت تبحث عن عقبة غير موجودة. هل يمكن أن يكون العائق غير المرئي موجودًا في رأسك فحسب؟ ربما يكون تقويض الذات مخادعًا ولكن ليس من المستحيل كشفه وإيقافه.

    التقليل من قيمة السعادة ككل

    أجرى البروفيسور راج راجوناثان Raj Raghunathan -من جامعة تكساس- دراسة، حيث سأل المشاركين عن الأمنيات الثلاث التي سيطلبونها من جنّي المصباح السحري. بماذا ردّوا؟

    • المال
    • النجاح
    • زواج ناجح.

    عندما قيَّم الباحثون أهداف الناس الحقيقية، تصدرت السعادة القائمة، ومع ذلك لم يتمنى أحد السعادة من الجنّي!


    هذا المثال يصيب وترًا حساسًا: نعتقد أننا جدّ أذكياء على أن نحظى بالسعادة بمنتهى البساطة. نحن نؤمن أنه يتوجب علينا استحقاقها، بل ونشعر بالسوء إن نحن بحثنا عنها. لم يعتقد الأشخاص موضع الدراسة أنه يمكن أن يحصلوا على السعادة بهذه البساطة، لذلك طلبوا بدائلها!
    تتجلى المشكلة حين نعتبر السعادة نتاجًا معقدًا للعديد من العوامل، فنبدأ -على المدى الطويل- في تفضيل تلك العوامل على السعادة نفسها. ينتهي بنا المطاف في مطاردة المال والمكانة والسلطة بدلاً من التركيز على الأنشطة التي نقدّرها لجوهرها، مثل العمل الذي نستمتع به والهوايات التي نتحمس لها والتواجد مع أشخاص نحبهم.

    كلما زاد هوس الأشخاص الأذكياء بهذه المحفزات الخارجية، زادت احتمالية استمرارهم بالمراوحة في أماكنهم ضمن دورة لا نهاية لها من التوقعات والتفكير الزائد. تقودهم هذه الدورة في النهاية إلى تقويض ذواتهم وعزل أنفسهم، الأمر الذي يقودهم -بدوره- إلى نتيجة مؤسفة: ليس المهم أن تكون سعيدًا.

    هذه هي النهاية المحزنة لسلسلة طويلة من الأفكار المضللة، والطريقة الوحيدة لقطعها: التفكير في سعادتك طوال الوقت، والإيمان بأن لديك الحق في ذلك وإعلانه أيضًا، ثم منح الأولوية للأنشطة والأشخاص الذين يتماشون مع قيمك الحقيقية.

    على عكس نافال، أمتلكت ميزة ألّا أكون فقيرًا ولا بائسًا. ورغم أنني لطالما أعتبرت نفسي سعيدًا​​، لكنني “استثقلت” الذكاء في بعض الأحيان، خاصة في مراهقتي.

    كلما تعمقت في علم النفس كجزء من عملي ودراستي، أدركت أن ذاك (الثقل) كان في الغالب نتيجة لعاداتي، وليس معدل ذكائي. إذًا إن غيرت عاداتي، سأصبح أكثر سعادة.. وهذا ما فعلته.
    هذان مثالان للأشخاص الأذكياء والسعداء الذين صادفتهم اليوم. كشخص ذكي، قد لا تؤمن بالمصادفة، لكن، ربما، يجب أن تبدأ في الإيمان بهذا:

    يمكنك أن تكون ذكيًا وسعيدًا في آنٍ معا. فالذكاء والسعادة ليسا متعارضين، كما أنهما ليسا مفاضلة. لا تدع أي شخص يخبرك بخلاف ذلك، ولا تستسلم حتى تميط اللثام عن لغز سعادتك الفريد.

    ترجمة -سعيدة وهادئة- لمقال: Why Smart People Fail to Be Happy

    مصدر الصورة البارزة

    م. طارق الموصللي مدون

    أدعيّ أنني مشروع روائي. صدر ليّ/ سياحة إجبارية: حين يُصبح الوطن عبئًا على الجميع!