صفاء عباس مدوّنة ومؤلفة

لماذا الكتابة..؟!!

  • 2
  • 1٬072
  • حين نسمع عن كتابٍ جديد، وحين يسألنا أحد ما عما نود أن نكتب؟ أو حين يُطلب منا أن نكتب تجربةً ما.. فنحن نهرع فورًا للكتابة عن الكتابة..

    ما الذي نود أن نقوله حين نكتب عن الكتابة، أم ما الذي نريد أن نقتنع به بحديثنا عن الكتابة..!!

    هل نحن نقنع أنفسنا أم الآخر بما نكتب.. أم أننا نود ببساطةٍ أن نُشركهم حكايتنا والكتابة..

    كثيرًا ما تأملت في هذا.. وأظن أننا نكتب لا لشيءٍ إلا أننا نبحث عن المعنى فيما نسمع، وفيما نرى، وفيما نود قوله..

    نحن نكتب مرغمين، مرهفين، مستسلمين، متمردين.. نحو كل وخز شعور ينمو بداخلنا، وفي كل طورٍ للمعنى نحن نحاول أن نتوائم معه لنكتبه..!!

    للكتابة معانٍ مختلفة، لا يشبه إحدانا فيها الآخر، لا في الدوافع ولا الانفعالات، لا في العوائق ولا العثرات..

    وربما تتقاطع رغبات الكتابة فيما بيننا، فنحن نركض للكتابة حين تمتلئ صدورنا بما نود قوله، ولا نملك القدرة عليه..

    ونهرب من الكتابة للخلاص من هذا القيد ولنصرخ على كل هذا الهراء الذي يحدق بنا دون أن يحرك ساكنًا..

    هذا العالم الذي ينظر إلينا ساخرًا من تأرجحنا، من تذبذب المعاني بداخلنا.. ويأسرنا في تشكل المشاعر والتحام المعاني، كالظلال التي تفسر معاني النور والظلام..!!

    فتارةً نحن نحب ونندمج كليةً، وتارة نحن نكره وننفصل تمامًا..

    وتارةً نبقى في المنتصف عالقين، ولا نتفاعل جيدًا..

    تارةً تثيرنا أدق التفاصيل، وأحيانًا أخرى نتحاشى التفاصيل برمتها وننجرف نحو المعنى بعمقه، بصورته الكاملة، بأبعاده الحقيقية.. نحاول فهمه، نحاول جهدنا أن نحتويه بأذهاننا، أن نقوله بنبضنا..

    وفي كل محاولة لا شيء ينقذنا غير الكتابة..!!

    نحن نكتب لكثيرٍ من الأسباب التي نفهمها، وكذلك تلك التي لا نفهمها ونعجز عن تفسيرها، فنضعها هنا بين السطور، نلقيها كبذور وننتظر حصول معجزتها، فلعلها تنمو وتتشابك وتصير معانٍ قابلة للفهم، ولعلها  تموت في السطر الأول، في الجملة الأولى، في الكلمة الأولى دون أي معنى للاكتمال أو للفهم.

    في الكتابة لا شيء قابلٌ للتنبؤ، لا شيء قابل للحدوث،

    ولا شيء قابلٌ أيضاً لأن يكون مستحيل..!!

    ففي كل مرةٍ حين تقتحم الكتابة؛ أنت تقتحم نفسك، وتُقحِم أفكارك في سلسلة لا متناهيةٍ من التحليل والتعقيد لتقول شيئًا ربما قد قيل مسبقًا، وربما قد خطر على ذهن أحدٍ ما،

     ولكنك هنا تُبدي شجاعةً  لتقوله بطريقتك، بصوتك، وبمعناك (أنت)..!!

    هذا ما يجعل أحدنا مأخوذًا بما يقول، مُمجّدًا لما يكتب..

    مجد الكتابة أن تكتب المعنى المنصهر في عمق الإنسانية لا في أعماقك وحدك، أن تقوله أبسط مما يعيه الآخرون، وأعقَد من أن يأتيه غيرك..

    مجد الكتابة، هو ما يُبقي في عمقك جذوةً مشتعلة تلتهم المعاني بشكل يشبهك، تتلقفها، تتفحصها، تُصهرها بين سكناتك وخلجاتك..

    وتعيدها للحياة مرة أخرى؛ ولكن بمعناك (أنت)..

    صفاء عباس مدوّنة ومؤلفة

    مدوّنة، مؤلفة، باحثة في الاقتصاد، مهتمة بالأدب والوعي الإنساني