لماذا يجدر بك أن تزور القاهرة ؟! (١)

  • 2
  • 2٬312
  • منذ أول مرة حطت فيها قدماي أرض قاهرة المعز، وأنا أجدني انجذب إلى هذه الأرض بشكلٍ لا إرادي، شيء من ذلك الحب المجنون جعلني أتعلق بها إلى درجة تكرار زيارتها بشكل مكثف. بل إني صرت لا أستطيع التفكير بالسفر إلى وجهة أخرى، ما لم يكن للقاهرة نصيب من الرحلة -يومان على أقل تقدير- خلال الذهاب أو العودة.

    ولأجل هذا الحب -المبالغ فيه كما يعتقد البعض- واجهة الكثير من الأسئلة التي تستفسر عن ما يمكن أن نجده في القاهرة عندما نزورها؟!

     لذلك جاء هذا المقال كمحاولة لبيان ما يجعلني أرى القاهرة مدينة ساحرة،  ذات بهاءٍ لا مثيل له.‏

    هنا القاهرة

    المدينة التي أن شئت على يد (جوهر الصقلي) عام (٣٥٨ هـ) في مساحة صغيرة -نوعًا ما- لتكون مقرًا للحاكم (الفاطمي) وعلية القوم أخذت مع مرور الأيام تتسع شيئا فشيئا لتضم إليها جميع المدن المجاورة، تلتهمها واحدة بعد الأخرى؛ لتغدو اليوم أكبر مدينة عربية، وأكثرها اكتظاظًا.

    إذًا هي مزعجة؟ لعلك تتساءل؟

    بالتأكيد ليست القاهرة مكاننًا للاستجمام المتعارف عليه؛ لكنها تملك استجمامها الخاص، والمتفرد. ذلك الاستجمام المتمثل في  تلك الروح؛ التي تسكن شوارعها العتيقة، وتتلبس جدران حواريها ذات الأزقة الضيقة، كما وأن ذات الروح تتوسد تلك الملامح المصرية الأصيلة التي تحمل تفاصيل آلاف السنين الغابرة، التي دفنت فى اعماق النيل. ذلك النهر الذي ينساب كشريان، ظل يمد  الكنانة بالحياة والبهجة، والأنس، لآلاف السنيين وما زال، زينة للناظرين، متفردًا في جلاله، وكأنه النهر الوحيد على البسيطة.

    وعلاقة القاهرة بالأنس علاقة مرهفة، لا تكاد العين تخطئها في أي  بقعة من بقاعها، وأكثر ما تكون واضحة متوهجة في المدينة القديمة، حيث (حي الجمالية) الذي يحمل بين جنباته واحدًا من أعظم المزارات المصرية واكثرها زيارة، ذلك المسجد الذي يجزم المصريون إن رأس الحسين -عليه السلام- يسكن داخل ضريحه الممتد إلى العصر الفاطمي.

    -ولست هنا بصدد الحديث عن حقيقة معلومة  كون ذلك الموضع يحوي رأس الحسين، من عدمها-  بل نتكلم هنا عن روح المكان التي لا يمكن إلا أن تتغلغل إلى داخلك وأنت تسبح في جنبات تلك الساحة التي تحيط بالمسجد من جهة بوابته الرئيسية، حيث تمتد المقاهي وكأنها عقد من الدر على جيد حسناء فاتنة.

    في تلك المقاهي سترى ما لم تره من قبل، ومالم تسمع به ربما!  كما واراهن على انك ستحس بما لم تحس به من قبل –شرط أن تتعايش مع المكان كما هو-  فهناك سترى الآف الروايات التي لم تكتب بعد؛ لكنك ستقرأها طازجة على وجوه أولئك الباعة المتجولين، وأصناف الشحادين، وغيرهم من المهرجين، والمشعوذين، وأمم أخرى ممن سمعت بهم، وممن لم تسمع!في ذلك المسرح المصغر للدنيا، سترى كل أنواع البشر، بشتى ألوانهم وأعراقهم ومللهم ونحلهم.

    وليس ببعيد من تلك المقاهي-ببضع مترات- يوجد (خان الخليلي)أحد أشهر أسواق الدنيا التقليدية، حيث العمالة التي ورثت الصنعة كابرًا عن كابر، أجيال تتشرب صنعة محددة، يتناوبون على الإبداع فيها، وكأنما يأتي الواحد منهم وقد تعلم الصنعة في بطن أمه، أو نقشت في جيناته! في ذلك الخان ستجد مكانًا للفرجة، والمتعة، والبضاعة الممتازة بأسعارٍ مغرية.

    وبما أنك وصلت إلى (الجمالية) فلا بد أن تعرج على (شارع المعز) فهو أول شارع خط في القاهرة عند بناءها، والمركز الرئيسي للمدينة طوال عقود من الحكم الفاطمي، وما تلاه. وقد تركت تلك الفترة بصمتها على الشارع الذي يعد اليوم (أكبر متحف مفتوح للعمارة الإسلامية)

    وبعد، فرغبةً في عدم الإطالة نكتفي بهذا، على أن نعود ونكمل في المقال القادم بحول الله.

    زيد المنديلي طالب علم

    مجموعة إنسان...مشتت بين القمة و القاع. عاشق للأدب، والتاريخ، والسفر.